د.محمد أحمد صالح

المشهد الإقليمي والدولي أمام إسرائيل أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى بسبب محاور التصعيد في غزة، والتوتر مع إيران ووكلائها، والضغوط الدبلوماسية الدولية. والمشهد الداخلي الإسرائيلي منقسم بشكل حاد بين اليمين القومي المتشدد، والوسط المحايد، واليسار، مع تصاعد أدوار حزبية جديدة. الانتخابات القادمة قد تشهد سيناريوهات متنوعة من استمرار هيمنة اليمين إلى صعود الوسط أو انهيار توازنات الأحزاب التقليدية، وهو ما يعكس حالة عدم اليقين السياسي التي تسود المجتمع الإسرائيلي عشية عام 2026م.

1-إسرائيل  والتحولات الإقليمية والدولية

1-أ-الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني وما بعد هجوم السابع من  أكتوبر: ما يزال الصراع بين إسرائيل وحركات المقاومة الفلسطينية، خاصة حماس والجهاد الإسلامي في غزة، يشكّل الحلقة الرئيسة في السياسة الإقليمية. بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوقيع عليه في شرم الشيخ، بوساطة  مصر وقطر والولايات المتحدة الأمريكية، تم تسليم الأسرى الإسرائيليين والمعتقلين الفلسطينيين، لكن الأسئلة حول انسحاب القوات الإسرائيلية من غزة، ونزع سلاح حماس، وترتيبات الأمن الداخلي ما تزال مطروحة، وإن كانت في مرحلة التشاور في انتظار التنفيذ، خاصة مع إعلان البدء في المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ في يناير 2026م.

1-ب-التوتر مع إيران ومحاور الإقليم: تظل إيران أبرز خصم إقليمي لإسرائيل، رغم نجاحها في ضرب أذرعها في سوريا ولبنان واليمن. ومع ذلك تشير دوائر استخباراتية إلى أن الملف الإيراني يبقى محورًا رئيسا في القرارات الأمنيّة الإسرائيلية، في ظل مخاوف من امتداد الصراع أو تطوّره. من هنا لم يعد مستغربا أن نجد بين الحين والآخر تهديدات إسرائيلية بضرب إيران وحلفائها في لبنان واليمن وغيرها على ألسنة الساسة والقادة العسكريين الإسرائيليين. ومن ناحية أخرى تتحدث تقارير إسرائيلية عن أن الولايات المتحددة الأمريكية يمكن أن تقوم بهذا الدور، لهذا سمعنا وكدنا نرى في منتصف يناير 2026م الاستعداد لضربة أمريكية وشيكة لإيران بدعوى ضربها للمتظاهرين.

 1-جـ-تحوّلات دبلوماسية وقرارات استراتيجية: بادرت إسرائيل إلى الاعتراف رسميًا بجمهورية صوماليلاند، في خطوة جيوسياسية أثارت ردود فعل واسعة في إفريقيا والشرق الأوسط، وقد يكون لها تبعات على علاقات تل أبيب مع دول مثل السودان واليمن ومصر وتركيا وجماعات مسلحة. كما أن سياسات الاستيطان في الضفة الغربية تُعدّ محور نقد إقليمي ودولي واسع؛ إذ يُنظر إليها كعامل يُقوّض جدوى حلّ الدولتين ويزيد عزلة إسرائيل دبلوماسيًا على المستويين الإقليمي والدولي.

1-د-التحالفات الدولية والإقليمية: تشهد العلاقات الإسرائيلية تحوّلات في شرق البحر الأبيض المتوسط مع تأكيد التعاون الاستراتيجي الثلاثي بين إسرائيل وقبرص واليونان، في خطوة موجهة ضد تركيا في الاساس ودول أخرى في الإقليم، ما يعزز موقع إسرائيل في مواجهة تحديات إقليمية أكبر.

ا-هـ-على الصعيد الدولي يُعدّ عام 2026م أيضًا عام انتخابات مفصلية لدى عدة دول كالأميركيتين والاتحاد الأوروبي، وهو ما يؤثر على موازين القوة الدولية وسياسات واشنطن تجاه الشرق الأوسط عموماً وإسرائيل خصوصًا.

2- المشهد السياسي الإسرائيلي ومواقف الأحزاب من القضايا الإقليمية والدولية

من الأهمية بمكان استعراض مواقف أبرز الاتجاهات السياسية والحزبية لفهم انقسامات الداخل الإسرائيلي وانعكاساتها على السياسة الخارجية:

2-أ-حزب الليكود وائتلاف اليمين: بقيادة بنيامين نتنياهو، يركّز الحزب على الأمن القومي، والردع ضد إيران، وتوسيع الاستيطان، وتثبيت السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، ويعارض أي تنازلات جذرية تُضعف نفوذ إسرائيل، ويستغل القضايا الأمنية لمواجهة الانتقادات الداخلية في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر وملف التحقيق فيها.

2-ب-أحزاب دينية ويمينية متشددة: مثل الصهيونية الدينية والأحزاب الحريدية، تساند بقوة مواقف اليمين القومي في قضية الأراضي والأمن، وتضغط لتقليص أي تنازلات للفلسطينيين، بينما تضع قضايا الهوية الدينية في صلب أجندتها الانتخابية. هذه الأحزاب غالبًا ما تُطالب باستمرار الاستيطان ورفض سياسات حلّ الدولتين.

2-جـ-أحزاب وسطية/ليبرالية جديدة: تشكلت أحزاب، مثل حزب המילואימניקים  (الاحتياط) بقيادة يوعاز هندل، التي تطرح نفسها كبديل وسط–يميني يركّز على إصلاحات اجتماعية وسياسية مثل التجنيد الشامل (بما في ذلك المتدينين)، وتحقيقات مستقلة حول أحداث السابع من أكتوبر. كما تأسس في إبريل 2025م حزب “בנט بينيت” بقيادة نفتالي بنيت، ويسعى لجذب الناخبين المعتدلين من الأوساط اليمينية واليسارية حول رؤية أكثر مرونة تجاه الأمن والحياة السياسية بعد سنوات من الاستقطاب.

2-د-أحزاب اليسار وأحزاب تمثيل فلسطيني–يهودي: تحافظ الأحزاب اليسارية التقليدية على موقفها الداعم لحل الدولتين، وتعزيز الحقوق المدنية، وممارسة دور دبلوماسي أوسع لحل الصراع. بينما يبرز في المشهد السياسي تقدّم في تمثيل فلسطيني الداخل، الذين يستعدّون للمشاركة المؤثرة في الانتخابات المقبلة، خصوصًا إذا تمكّنوا من تشكيل تكتلات تمثيلية قوية يمكن أن تشارك في ائتلافات برلمانية مستقبلية.

3- القضايا المحورية في الانتخابات الإسرائيلية وتباين المواقف

ينظر إلى انتخابات عام 2026م على أنها استثنائية؛ لأنها تأتي في سياق غير مسبوق منذ تأسيس الدولة عام 1948م، حيث تتقاطع ثلاثة مستويات من الأزمات: أزمة أمنية–استراتيجية بعد أحداث غزة في السابع من  أكتوبر وتداعياتها وما تلاها من صدامات مع محور إيران. وأزمة سياسية داخلية بسبب تراجع الثقة في المؤسسات والقيادات السياسية والعسكرية، والانقسام حول الإصلاح القضائي ومسؤولية الإخفاق الأمني. وأزمة إقليمية-دولية تتمثل في تصاعد الضغط الأمريكي والأوروبي، واتساع العزلة الدبلوماسية، وتحولات موازين القوى في الشرق الأوسط. هذا التداخل والتشابك والتقاطع يجعل الانتخابات القادمة عام 2026م استفتاءً على مستقبل العقيدة الأمنية والسياسية لإسرائيل، وليس مجرد تنافس حزبي تقليدي.

ويشير محللون إلى أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ستُحسم بميزان الأمن الإقليمي، فكلما اقتربت إسرائيل من حرب واسعة، صعد اليمين؛ وكلما اقتربت من تسوية إقليمية، صعد الوسط. أما استمرار المأزق الحالي فسيُنتج نظامًا سياسيًا هشًا قابلًا للانفجار في أي لحظة. وبالتالي، الانتخابات الإسرائيلية القادمة ستكون مرآة مباشرة لتوازن القوة في الشرق الأوسط أكثر مما هي تنافس حزبي داخلي فقط.

ومن القضايا التي تشغل الناخب الإسرائيلي في الانتخابات القادمة:

3-ا-الأمن والسياسة الخارجية: من أهم القضايا التي تُحدّد مواقف الأحزاب وتؤثّر في الناخب الإسرائيلي التصدي لما يسمى “التهديد” الإيراني ومحور المقاومة، فإيران وحزب الله والحوثيون بات يُنظر إليهم كتهديد وجودي ممتد جغرافيًا، وأي تصعيد مباشر مع حزب الله أو إيران قبل الانتخابات سيعيد مركز الثقل إلى خطاب الردع والقوة، وكلما زاد التصعيد الإقليمي زادت فرص عودة اليمين القومي المتشدد. والأمر نفسه في التعامل مع غزة، فاستمرار عدم الحسم الكامل ضد حماس يخلق شعورًا عامًّا بأن الحرب لم تحقق “نصرًا حاسما”، كما أن حكومة اليمين المتطرف مازالت تلعب بورقة جثة واحدة باقية، رغم عودة كل الأسرى والمفقودين، وأي انفجار جديد في غزة قبيل الانتخابات يخرق اتفاق شرم الشيخ وسيُستثمر انتخابيًا لصالح الأحزاب التي ترفع شعار “الأمن أولًا”، بما يعزز فرص أحزاب اليمين الأمني إذا تصاعد التهديد، أو تعزز فرص الوسط إذا ساد شعور بالإرهاق من الحرب. وعلى مستوى السياسة الخارجية تضغط واشنطن لفرض ترتيبات سياسية في غزة ومسار سياسي مع الفلسطينيين، وأوروبا تُلوّح بعقوبات أو اعتراف بالدولة الفلسطينية. من هنا ينشأ انقسام داخلي في إسرائيل بين اليمين الذي  يرفض الإملاءات الدولية من جهة والوسط واليسار الذين يروّجان لخطة “إنقاذ إسرائيل من العزلة” من جهة أخرى. ورغم كل ذلك يجمع اليمين القومي والوسط المحافظ موقف رافض لتقديم تنازلات جذرية، بينما اليسار يدعو إلى حلول سياسية ودبلوماسية أكثر واقعية لإزالة الأزمات المتكررة. وعلى مستوى التطبيع نجد تجميدا لمسار التطبيع مع السعودية بعد حرب غزة من ناحية، ومن ناحية أخرى نجد تخوفا إسرائيليا من ضياع فرصة “الاندماج الإقليمي” الذي سعت إليه كثيرا، وكان هدفا محوريا في فترات سابقة، ورغم عدم اهتمام الأحزاب المتشددة بهذا المسار إلا أن أحزاب الوسط ستستخدم ورقة “إعادة التطبيع” كجزء رئيس من برنامجها الانتخابي.

3-ب-القضايا الاجتماعية والسياسية الداخلية: قوانين التجنيد والخدمة العسكرية، واستقلال القضاء، وسياسات الاندماج الاجتماعي من أبرز القضايا الداخلية التي تقوّض أو تعزّز الائتلافات بين الأحزاب، وتؤثر على استقرار الحكومة الحالية وقد تُسهم في دعوة لانتخابات مبكرة قبل موعدها المقرر.

3-جـ-مستقبل حلّ الدولتين والهوية الإسرائيلية: الاستيطان ومشروعاته في الضفة الغربية تزيد من الانقسامات حول مفهوم الهوية الوطنية الإسرائيلية ومستقبل العلاقات مع الفلسطينيين ومع العالم العربي، كما يضع ضغوطًا على إسرائيل في المحافل الدولية.

3-د-تحوّلات ديموجرافية وتأثير المجتمع المدني: هناك نقاشات في المجتمع الإسرائيلي بشأن العلمانية مقابل التديّن، حيث يشعر العلمانيون بأن تحوّلات اجتماعية وسياسية قد تضع مستقبل هذا التوجه في خطر، ما يجعله قضية انتخابية حسّاسة في 2026م.

3-هـ-توجهات الاحزاب الإسرائيلية واهتماماتها

الكتلة

التوجه

القاعدة الانتخابية

الخطاب المركزي

اليمين القومي– الديني

ليكود+ الصهيونية الدينية+ حريديم

المستوطنون-المتدينون- المحافظون

الأمن- رفض الدولة الفلسطينية-الاستيطان

الوسط البراجماتي

أحزاب جديدة بقيادة شخصيات عسكرية/أمنية

الطبقة الوسطى-

الاحتياط- العلمانيون

إصلاح الدولة- استعادة الردع-علاقات دولية متوازنة

اليسار+ الأحزاب العربية

ميرتس/العمل+ القوائم العربية

الليبراليون- العرب

حل الدولتين- إنهاء الحرب-العدالة الاجتماعية

4- سيناريوهات الانتخابات الإسرائيلية 2026م

هناك خمس سيناريوهات متوقعة للانتخابات الإسرائيلية عام 2026م  تحددها وتحسمها مجموعة من العوامل، منها ماهو داخلي وإقليمي ودولي، وهي: مستوى التهديد الإيراني عشية الانتخابات، ونتائج مايحدث على الأرض في غزة مع تطبيق المرحلة الثانية والثالثة من اتفاق شرم الشيخ، وموقف الولايات المتحدة،  وقدرة أحزاب الوسط على التوحد، ونسبة مشاركة فلسطيني الداخل في العملية الانتخابية،  وبقاء شخصية نتنياهو أو خروجه من الحلبة السياسية.

4-أ-السيناريو الأول- استمرار اليمين القومي: في حالة نجاح “ليكود” وحلفائه في استغلال القضايا الأمنية وحشد تصويت المتطرفين، من المرجّح استمرار الائتلاف اليميني–الديني، مع هيمنة قوية على السياسات الداخلية والخارجية، وقد يكون ذلك مصحوبًا بصراع متواصل حول السياسات الاجتماعية. أي من شروط تحقيق هذا السيناريو تصعيد أمني مع إيران أو حزب الله، وفشل مسار سياسي في غزة، وتعبئة وحشد خطاب “الخطر الوجودي”، فينتج عن ذلك فوز الليكود وحلفائه بأغلبية، واستمرار حكومة يمينية دينية متشددة، وتوسيع الاستيطان ورفض أي تسوية سياسية، الأمر الذي ينعكس إقليميا في استمرار المواجهة مع محور إيران، وتعثر التطبيع العربي، وتصاعد الضغوط الدولية على إسرائيل.

4-ب-السيناريو الثاني- الذهاب نحو حكومة وسطية-أمنية: إذا نجحت أحزاب الوسط والاعتدال في توحيد قاعدتها الانتخابية، بدعم من أحزاب جديدة، مثل “بينت” و”الاحتياط”، يمكن أن يتشكل ائتلاف وسط يقترح سياسات أكثر مرونة، خصوصًا في الخدمة العسكرية والسياسات الاجتماعية، وقد يُؤدّي ذلك لمعالجة قضايا الأمن في إطار دبلوماسي أوسع. من شروط تحقيق هذا السيناريو شعور الجمهور بالإرهاق من الحرب، وتحميل نتنياهو مسؤولية الإخفاق الأمني، والرغبة في إصلاح العلاقة مع واشنطن والعالم، فينتج عن ذلك فوز تحالف وسطي بقيادة شخصيات أمنية، وتشكيل حكومة وحدة أو حكومة وسط – يمين معتدل، ومقاربة “إدارة الصراع بدل الحسم العسكري”، الأمر الذي ينعكس إقليميا في التهدئة في غزة، ومحاولة إعادة مسار التطبيع، وتقليص العزلة الدولية.

4-جـ-السيناريو الثالث- مفاجآت سياسية كبرى أو صعود أحزاب جديدة: دخول أحزاب وكتل جديدة أو تعزيز دور الأحزاب الفلسطينية في الكنيست قد يخلق توازنات جديدة أو حتى مفاوضات مفاجئة لتشكيل حكومة، خصوصًا إذا لم يحصل أي حزب على أغلبية واضحة، ما يفرض سيناريوهات ائتلاف معقدة. ومن شروط تحقيق هذا السيناريو فضيحة سياسية أو أمنية كبيرة، ما يؤدي إلى انهيار شعبية نتنياهو بالكامل، ليتشكل ائتلاف غير مسبوق بين الوسط والأحزاب الفلسطينية، فينتج عن ذلك حكومة تغيير تاريخية، وإعادة فتح ملف التسوية السياسية، وإصلاح عميق لمؤسسات الدولة، الأمر الذي ينعكس إقليميا في فتح نافذة جديدة لمسار سياسي فلسطيني،  واستعادة علاقات إسرائيل الدولية.

4-د-السيناريو الرابع- برلمان منقسم بلا حسم:  من شروط تحقيق هذا السيناريو حصول الأحزاب والكتل على عدد مقاعد متقارب، وصعود أحزاب جديدة، وتصويت احتجاجي واسع، فينتج عن ذلك مفاوضات ائتلافية طويلة، وتشكيل حكومة هشة، واحتمال عقد انتخابات مبكرة متكررة كما حدث من قبل، الأمر الذي ينعكس إقليميا في حدوث شلل في اتخاذ القرار الاستراتيجي، بما يشكل فرصة لمحور إيران لملء الفراغ.

5-د-احتمال الانتخابات المبكرة: استمرار الانقسامات حول قضايا مثل الخدمة العسكرية، الميزانية، وسياسات الحرب والسلام قد يدفع إلى انتخابات مبكرة قبل موعدها الرسمي، ما قد يعيد تشكيل الأولويات السياسية سريعًا.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version