د.محمد أحمد صالح

أثارت الأخبار التي تحدثت عن نجاح صاروخ إيراني في تجاوز طبقات الدفاع الجوي في إسرائيل ليصيب ملجأ إسرائيليا- فأحدث خسائر بشرية، بين قتيل وجريح، فيمن يحتمون فيه- الحديث عن هذه الملاجئ والتداعيات النفسية والاجتماعية لمن يلجأون إليها، وكيفية الحياة فيها، والعلاقات بين الأفراد داخلها، وحالة الهلع والصدمة أثناء الجري والارتباك مع سماع دوي صافرات الإنذار.

مقدمة

تُعد الحماية المدنية أحد العناصر الأساسية في إدارة المجتمعات الحديثة التي تعيش في ظل تهديدات أمنية مستمرة. وفي إسرائيل، حيث تشن منذ تأسيسها حروبا وتدخل كثيرا في صراعات مسلحة وعمليات عسكرية متواصلة، تطورت منظومة واسعة من الملاجئ والغرف المحصنة بهدف تقليل الخسائر البشرية وحماية السكان المدنيين أثناء الهجمات الصاروخية أو الجوية.

ومع مرور الوقت، لم تعد الملاجئ مجرد بنية تحتية للحماية المادية، بل أصبحت جزءًا من التجربة الاجتماعية والنفسية اليومية لقطاع واسع من السكان، خاصة في المناطق التي تتعرض بشكل متكرر لردود أفعال على العدوان الإسرائيلي عبر شن هجمات صاروخية.

من هنا، فإن دراسة الحياة داخل الملاجئ لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تشمل أيضًا الأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية التي تؤثر في سلوك الأفراد والجماعات أثناء فترات الخطر.

لهذا باتت الملاجئ والغرف المحصنة تشكل جزءًا أساسيًا من منظومة الحماية المدنية في إسرائيل، نتيجة حالات العدوان التي تشنها والحروب المتكررة التي تدخلها، فتفرض نتائجها وتداعياتها على المجتمع، وبالتالي باتت تتعرض لهجمات صاروخية عبر عقود. ومع تكرار فترات التوترات والتصعيد، أصبح اللجوء إلى الملاجئ تجربة اجتماعية ونفسية متكررة لقطاع واسع من سكانها.

لا يقتصر دور هذه الملاجئ على الحماية الجسدية، بل تمتد آثارها إلى الجوانب النفسية والاجتماعية والمعنوية للمجتمع، ما يجعلها موضوعًا مهمًا للدراسة في إطار علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي في أوقات الصراعات والنزاعات والحروب.

تطور نظام الملاجئ في إسرائيل

تطور نظام الملاجئ في إسرائيل بشكل تدريجي عبر مراحل تاريخية مختلفة، ارتبطت في معظمها بالتغيرات في طبيعة العمليات العسكرية التي تشنها وردود أفعال الأطراف الأخرى.

في السنوات الأولى بعد قيام الدولة عام 1948م، اعتمدت الحماية المدنية أساسًا على الملاجئ الجماعية تحت الأرض التي كانت تُبنى في المباني السكنية أو في الأماكن العامة مثل المدارس والمصانع. وكانت الفكرة الأساسية تقوم على انتقال السكان إلى هذه الملاجئ عند اندلاع الحرب أو تعرض المدن للقصف.

يعود تطور فكرة الملاجئ في إسرائيل إلى عقود صراعها العسكري وحروبها المتكررة في المنطقة، إلا أن التحول الأبرز حدث بعد حرب الخليج الأولى عام 1991م، عندما تعرضت مدن إسرائيلية لهجمات صاروخية. وقد أدت تلك التجربة إلى تغيير فلسفة الحماية المدنية، حيث انتقلت الدولة من الاعتماد على الملاجئ الجماعية تحت الأرض إلى فرض إنشاء غرف محصنة داخل كل شقة سكنية في المباني الجديدة.

أي أن نظام الملاجئ الجماعية واجه تحديات كبيرة مع تطور الأسلحة الصاروخية، خصوصًا خلال حرب الخليج الأولى عام 1991م، عندما أُطلقت صواريخ سكود على مدن إسرائيلية، مثل تل أبيب وحيفا. وقد كشفت تلك التجربة عن صعوبة وصول السكان بسرعة إلى الملاجئ الجماعية، إضافة إلى المخاوف من استخدام أسلحة كيميائية، فاتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارًا استراتيجيًا بتغيير فلسفة الحماية المدنية.

في عام 1992م تم سن قانون يلزم أن يحتوي كل مبنى سكني جديد على غرفة محصنة مبنية من الخرسانة المسلحة ومجهزة بباب فولاذي ونافذة محمية داخل الشقة تُعرف بالعبرية باسم (مماد ממ”ד اختصار لعبارة מרחב מוגן דירתי أي مربع أمن داخل الوحدة السكنية).

ومنذ ذلك الحين أصبحت هذه الغرف جزءًا من التخطيط العمراني لكل المنشآت المدنية، إلى جانب شبكة من الملاجئ العامة والملاجئ المشتركة في المباني.

الحياة اليومية داخل الملاجئ

عند إطلاق صفارات الإنذار، يُطلب من السكان التوجه بسرعة إلى أقرب غرفة محصنة أو ملجأ عام. ويختلف الوقت المتاح للوصول إلى الملاجئ حسب المنطقة الجغرافية؛ ففي المناطق القريبة من قطاع غزة قد يكون الوقت المتاح أقل من 15 ثانية، بينما قد يصل إلى دقيقة أو أكثر في مناطق أخرى.

داخل الملاجئ تتشكل بيئة اجتماعية مؤقتة تجمع أفرادًا من خلفيات مختلفة. ففي الملاجئ المشتركة في المباني السكنية يجتمع الجيران والعائلات في مساحة محدودة، وقد تستمر هذه الحالة لدقائق أو ساعات حسب طبيعة التصعيد ونوعية العملية والسلاح المستخدم.

وفي كثير من الحالات تتحول الملاجئ إلى مساحات اجتماعية مؤقتة يتبادل فيها الناس الأخبار ويتابعون التطورات عبر الهواتف أو وسائل الإعلام. كما تظهر أشكال من التضامن الاجتماعي مثل مساعدة كبار السن والأطفال أو مشاركة الطعام والمياه.

غير أن هذه البيئة قد تشهد أيضًا بعض التوترات، خاصة عندما تكون الملاجئ مكتظة، أو عندما يضطر السكان للبقاء فيها لفترات طويلة.

التأثيرات النفسية للحياة في الملاجئ

تعد التأثيرات النفسية أحد أهم الجوانب الخطيرة المرتبطة بالحياة في الملاجئ. فالتعرض المتكرر لصفارات الإنذار والانفجارات القريبة قد يؤدي إلى مستويات مرتفعة من التوتر والقلق والهلع والخوف لدى السكان.

تشير دراسات نفسية إلى أن الأطفال هم الفئة الأكثر تأثرًا بهذه الظروف، فقد يعانون من اضطرابات النوم أو الخوف المستمر أو صعوبات في التركيز. كما قد تظهر أعراض القلق أو الصدمة لدى بعض البالغين، خاصة في المناطق التي تتعرض لقصف متكرر.

في المقابل، يطور بعض السكان آليات للتكيف النفسي تساعدهم على التعامل مع هذه الظروف. ومن بين هذه الآليات: تحويل الغرف المحصنة إلى أماكن مريحة نسبيًا داخل المنزل، وإشغال الأطفال بالألعاب أو الأجهزة الإلكترونية أثناء وجودهم في الملاجئ، واستخدام الدعابة أو الحديث الجماعي لتخفيف التوتر.

وتشير بعض الدراسات إلى أن تكرار التجربة قد يؤدي لدى بعض السكان إلى نوع من التكيف النفسي التدريجي، حيث يصبح اللجوء إلى الملاجئ جزءًا مألوفًا من الحياة اليومية. اي أنه رغم أن وجود الملاجئ يمنح شعورًا نسبيًا بالأمان، فإن استمرار التهديد لفترات طويلة قد يؤدي إلى إرهاق نفسي أو شعور بعدم الاستقرار والتوتر الدائم.

البعد الاجتماعي والتضامن المجتمعي

إحدى الظواهر اللافتة في الحياة داخل الملاجئ هي ظهور بعض الأشكال المختلفة من التضامن الاجتماعي بين السكان. لكن في المقابل تظهر أيضًا توترات اجتماعية نتيجة ضيق المساحة والاكتظاظ والازدحام أو اختلاف الخلفيات الثقافية أو السياسية بين الأفراد: مثل الشرقيين والغربيين، الذين أصولهم سوداء أو بيضاء وغير ذلك، متدينون وعلمانيون، فلسطينيين او يهود. اي أن التوترات الاجتماعية التي يعيشها المجتمع تنتقل أيضا إلى الملاجئ.

هل تعزز الملاجئ مفهوم الصمود المجتمعي؟

في الدراسات الأمنية الإسرائيلية يُستخدم مصطلح “الصمود المجتمعي” لوصف قدرة المجتمع على الاستمرار في الحياة اليومية رغم التهديدات الأمنية. ويُنظر إلى الملاجئ كجزء أساسي من هذه الاستراتيجية؛ لأنها تساعد على تقليل الخسائر البشرية والحفاظ على استمرارية الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

كما تُستخدم صور الحياة داخل الملاجئ في الخطاب الإعلامي لنشر وتعزيز فكرة قدرة المجتمع على التكيف مع الأزمات. ففي وسائل الإعلام كثيرًا ما تُعرض مشاهد لعائلات تجلس بهدوء داخل الملاجئ أو لأطفال يلعبون أثناء فترات القصف، في محاولة لإظهار تماسك المجتمع رغم التهديدات.

الانتقادات والتحديات المرتبطة بحياة الأفراد في الملاجئ

رغم الدور الوقائي للملاجئ، يثير هذا النظام عددًا من الانتقادات. فبعض الدراسات تشير إلى وجود فجوات في توفر الملاجئ بين مناطق مختلفة، خاصة بين المدن الحديثة والمناطق القديمة، والمدن اليهودية والمدن الفلسطينية وغير ذلك.

كما يلفت مختصون في علم النفس وعلم الاجتماع إلى الآثار النفسية طويلة المدى الناتجة عن التعايش المستمر مع التهديدات الأمنية.

إضافة إلى ذلك، وفي سياق آخر يرى بعض الباحثين أن الاعتماد الواسع على الملاجئ قد يسهم في تطبيع حالة الطوارئ والتوتر الأمني في الحياة اليومية.

ومن ناحية اجتماعية، يرى آخرون أن الفجوات في توفر الملاجئ قد تؤثر على الشعور بالمساواة بين السكان. كما يلفت بعض الباحثين إلى أن الصور الإعلامية للحياة داخل الملاجئ قد تُستخدم أحيانًا في الخطاب السياسي لتعزيز روايات معينة حول الصراع.

الفجوات في توفر الملاجئ وتأثيرها الاجتماعي

رغم انتشار الملاجئ والغرف المحصنة في معظم المدن الإسرائيلية، تشير بعض الدراسات إلى وجود تفاوت في توفر هذه البنية التحتية بين مناطق مختلفة.

فعلى سبيل المثال، تحتوي العديد من المدن الحديثة على نسبة عالية من المباني التي تضم غرفًا محصنة داخل الشقق، بينما تفتقر بعض الأحياء القديمة إلى هذه المرافق، وقد برر محللون ذلك بعوامل التخطيط العمراني وقدم المباني وتفاوت الموارد بين السلطات المحلية.

كما أثيرت في النقاشات الحقوقية مسألة الفجوات بين بعض البلدات العربية واليهودية في توفر الملاجئ العامة، وهو موضوع أصبح جزءًا من النقاش السياسي والاجتماعي داخل إسرائيل، لما يثيره من شعور بعض السكان بعدم المساواة والتمييز في الحماية، مما ينعكس بدوره على الثقة بالمؤسسات وعلى مفهوم الصمود المجتمعي.

ختاما

تشكل الملاجئ في إسرائيل أكثر من مجرد بنية تحتية للحماية المدنية؛ فهي جزء من تجربة اجتماعية ونفسية صعبة وقاسية ومؤلمة يعيشها السكان خلال فترات الحروب والأزمات والصراعات.

وبينما توفر هذه الملاجئ حماية مهمة من المخاطر المباشرة، فإن الحياة داخلها تكشف أيضًا عن أبعاد نفسية واجتماعية معقدة تتعلق بالتكيف مع المخاطر، والتضامن المجتمعي، والتحديات المرتبطة باستمرار التوتر الأمني.

من هنا ينظر البعض إلى الملاجئ في إسرائيل على أنها تجسد مثالًا على كيفية تكيّف المجتمعات مع ظروف الحروب والصراعات الطويلة الأمد. فهي توفر حماية مادية مهمة للسكان المدنيين، لكنها في الوقت نفسه تخلق تجربة اجتماعية ونفسية معقدة ومريرة تتداخل فيها مشاعر الخوف والهلع والصدمات والتكيف والتضامن المجتمعي.

ومن خلال دراسة الحياة داخل الملاجئ يمكن فهم كيفية تأثير الصراعات المسلحة على الحياة اليومية للمجتمعات، ليس فقط من حيث الخسائر المادية، بل أيضًا من حيث التحولات النفسية والاجتماعية التي تصاحبها.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version