حسين محمود التلاوي

تتضح ازدواجية الخطاب الأكاديمي الإثيوبي وانتقائيته في معالجة قضايا القرن الأفريقي. ففي الملف الصومالي، يظهر ترويج الباحثين الإثيوبيين للفيدرالية لتفتيت الصومال، مع تجاهل دور تدخل بلادهم العسكري عام 2006م في نشأة حركة الشباب. وفي ملف آخر هو ميناء عصب، يظهر تلاعب الباحثين بالاتفاقيات الاستعمارية وتجاهلهم الأحكام الحديثة للقانون الدولي، في محاولة لشرعنة أطماع توسعية تحت غطاء “الحقوق الوظيفية”؛ ما يحول مراكز الأبحاث الإثيوبية إلى أدوات “بروباجندا” تفتقر للمنهجية والحياد.

تناولت مراكز الأبحاث والأقلام الأكاديمية الإثيوبية أوراق بحثية ذات صلة بالقرن الإفريقي؛ من بينها التطورات الميدانية في الصومال، وتداعيات حرب إيران على دول الإقليم .

وتنظر هذه الورقة في بعض تلك الأوراق؛ وبوجه خاص المتصلة بالاهتمامات المصرية؛ ومن بينها الملف الصومالي.

إثيوبيا والصومال: تغييب التاريخ والمنهجية

أورد معهد الشئون الخارجية الإثيوبي ورقة بعنوان “تشظي السيادة واتساع رقعة الحرب: أزمة جنوب غرب الصومال في مسرح حرب أوسع”، تناولت التوترات القائمة في الصومال حاليًّا حول مدينة بيداوا. بدأت الورقة بالقول إن القوات الصومالية التي تتقدم نحو مدينة بيداوا حاليًّا تبدو حلقة في محاولات الحكومة الصومالية فرض السلطة المركزية على ولاياتها الفيدرالية. بعد ذلك تردد الورقة مزاعم تقفز فوق الحقائق التاريخية والضرورات الجيوسياسية. ومن بين الأمثلة على ذلك زعمها أن “التحشيد العسكري الفيدرالي” تجاه بيدوا يعكس ما وصفته بـ”الأزمة البنيوية في “المشروع الفيدرالي” الصومالي الذي تأُسس عام 2012م. وتشير إلى أن غياب التوافق كان العنصر الحاكم في هذا المشروع؛ فتحول النظام الفيدرالي إلى ما سمّته “ساحة التنافس الصفري” بين المركز والأقاليم، بدلًا من أن يكون أداة لاحتواء التنوع.

بقليل من التدقيق في الجزء السابق، يتضح للقارئ أن الورقة تحاول ضرب الفكرة الفيدرالية في الصومال لمصلحة انفصال الأقاليم؛ وهو ما يصب، بطبيعة الحال، في مصلحة إثيوبيا سواء من ناحية إتاحة الفرصة للحصول على منفذ مائي عبر إقليم أرض الصومال الانفصالي، أو من ناحية إضعاف الدولة الصومالية الموحدة والقضاء عليها تدريجيًّا، أو إبقائها في حالة ضعف يجعل من السهل السيطرة عليها.

ولكن الورقة تتجاهل، في نقاشها لهذه النقطة، تاريخ الدولة الصومالية في أن مركزية الحكم أكسبها قوة وتماسكًا مكّناها من التغلب على إثيوبيا في حرب أوجادين في سبعينيات القرن العشرين، لولا تدخل الاتحاد السوفييتي وكوبا لمصلحة إثيوبيا؛ فكسبت الحرب في النهاية. كذلك تتناسى أن الصومال كانت من أكثر الدول الأفريقية تجانسًا في اللغة والدين والعِرق، تحت الحكم المركزي قبل الانهيار.

ويتجلى تجاهل الحقائق التاريخية في نقطة أخرى؛ هي “حركة الشباب” الإرهابية الصومالية. تورد الورقة أن حركة الشباب تُعَدُّ المستفيد الأكبر من “هذا الانقسام”، حيث تتبع نموذج “الصمود المترسخ”، فتستغل الحركة انشغال القوات الفيدرالية بالخلافات السياسية لتوسيع أنظمة حكمها الموازية الممثلة في جباية الضرائب والمحاكم الموازية التي تسميها “قضاء الظل”؛ أي أن حركة الشباب “تستثمر في الفراغ” الناجم عن الخلافات بين المركز والولايات في الصومال.

لكن الورقة تقع في “فجوة تاريخية” ناجمة عن تجاهلها الظروف التي أنشأت حركة الشباب؛ لأن البحث في صعود حركة الشباب دون ذكر التدخل العسكري الإثيوبي المنفرد عام 2006م في الصومال اجتزاء للواقع. كيف؟! تتجاهل الورقة أن التدخل الإثيوبي الذي أطاح باتحاد المحاكم الإسلامية، الذي كان قد بدأ بالفعل في فرض مستوى كبير من الاستقرار، هو الذي حوَّل الحركة من جناح شبابي متشدد وصغير إلى “حركة مقاومة” اكتسبت شرعية لدى شرائح صومالية نتيجة محاربتها الوجود الأجنبي الإثيوبي؛ ما يجعل إثيوبيا شريكًا في صناعة الوحش الذي تشكو منه الآن؛ وهو ما لم تجرؤ الورقة على ذكره لضمان إبقاء اللوم على “ضعف الدولة الصومالية” فقط، ولعدم كشف الدور الفاعل لإثيوبيا في عدم الاستقرار بالصومال.

وتتجاهل الورقة  موضوع كذلك النجاحات التي حققتها الدولة الصومالية ضد حركة الشباب؛ حيث تمكنت القوات الصومالية من اعتقال القيادي البارز في الحركة صلاح ماكالين كابديو الملقب بـ”صلاح دهيري” في عملية مشتركة في قرية سوماراي بمنطقة شبيلي السفلى. وتشير التقارير إلى أنه قيادي مخضرم مسئول عن تنسيق هجمات على قواعد عسكرية صومالية وعلى قوات الاتحاد الإفريقي، ويؤدي اعتقاله إلى قطع حلقة وصل في سلسلة تنسيق العمليات الإرهابية في منطقة بنادير.

ومن نقاط الضعف الأخرى في الورقة ميلها الواضح نحو “التعميم النظري” على حساب تقديم الأدلة الرقمية والوقائع المحددة؛ فالنص يسهب في استخدام مصطلحات أكاديمية رنانة؛ مثل “سيادة مجزأة”، و”مرونة متأصلة”، و”بيئات تهديد هجينة”، دون أن تدعم ذلك ببيانات إحصائية عن أعداد القوات، أو حجم الخسائر، أو أرقام دقيقة حول تأثير هجمات الحوثيين على عائدات الموانئ الصومالية؛ ما يجعل التحليل يبدو أقرب لمقالة رأي فكرية مجردة من التوثيق الرقمي والاحصائي.

ميناء عصب الإريتري: التفاف على اتفاقيات دولية

نشر موقع معهد الشئون الخارجية الإثيوبي أيضاً ورقة بعنوان “نظرة جديدة على عصب: حقائق قانونية واستراتيجية” للباحث “كوشيم سيليش”. تتناول الورقة الطموح الإثيوبي في الوصول إلى ميناء عصب الإريتري على البحر الأحمر، فتتناول ما تراه “المسوغات القانونية والاستراتيجية” لذلك.

أوردت الورقة أن مراجعة الاتفاقيات التاريخية الموقعة بين إثيوبيا وإيطاليا تكشف عن سجل قانوني تصفه بـ”الغامض” الذي يغذي تفسيراتها المتصارعة؛ إذ تزعم أن الاستحواذ الإيطالي الأوَّلي على عصب بين عامي 1869م و1870م كان “مجرد صفقة تجارية خاصة مع سلطات محلية”، ولم يكن تنازلًا رسميًّا من الدولة الإثيوبية. ويضيف أنه على الرغم من أن المعاهدات اللاحقة في أعوام 1900م و1902م و1908م تناولت ترسيم الحدود، فإنها “فشلت في حسم وضع عصب بدقة”.

هنا يقع الكاتب في مأزق من زاويتين. الزاوية الأولى أنه يستند إلى اتفاقيات جرت في الفترة الاستعمارية، على الرغم من أن الجانب الإثيوبي يرفض الاستناد إلى الاتفاقيات التي تنظم حصة مصر من مياه النيل بداعي أنها جرت في الحقبة الاستعمارية، في تناقض يوضح الازدواجية والانتقائية في الخطاب السياسي الإثيوبي.

الزاوية الثانية أن الورقة تتبنى بوضوح “المنطق التوسعي الإثيوبي” تحت غطاء القانون الدولي؛ حيث تحاول تجاوز حقيقة قانونية وتاريخية دامغة؛ وهي “اتفاقية الجزائر” عام 2000م، والقرار الملزم للجنة الحدود الإريترية الإثيوبية الذي حسم تبعية عصب لإريتريا بشكل نهائي.  تتجاهل الورقة هذا الحكمَ القضائي الدولي الحديث تمامًا، وتركز بدلًا من ذلك على الاتفاقيات الاستعمارية لمحاولة إيجاد “ثغرات قانونية” أو غموض مفتعل، يبرر إعادة فتح ملف السيادة الذي أغلقته الاتفاقيات الدولية والأحكام القضائية الدولية.

في نقطة أخرى يصوغ الكاتب أحكامًا “من وحي الخيال”؛ حيث يقول إن الوقائع التاريخية تؤكد أن إثيوبيا “مارست سلطة فعلية واضحة في عصب”؛ من خلال استثمارات ضخمة في البنية التحتية، من طرق ومنشآت ومرافق إدارية وخدمية، حولت الميناء إلى شريان اقتصادي وطني قبل استقلال إريتريا، ويزعم أيضًا أن هذا التحكم والإدارة طويلة المدى المستمرة يُنظر إليهما، في فقه القانون الدولي، كدليل قوي يعزز المطالبات بالحقوق الوظيفية والاقتصادية في المنطقة، “ولو كانت السيادة الرسمية محل نزاع”؛ ما وفرت أساسًا سياسيًّا وقانونيًّا للمطالبة بترتيبات تفضيلية مستقبلًا.

الكاتب هنا يغالط في استخدام مفهوم “التبعية الاقتصادية والاستثمارات السابقة” كذريعة للمطالبة بالسيادة أو الإدارة المشتركة؛ وهو منطق قانوني ضعيف جداً في هذا السياق؛ فاستثمار دولة ما في بنية تحتية على أرض كانت تديرها (أثناء فترة الوحدة أو الفيدرالية) لا يعطيها الحق في المطالبة بتلك الأرض بعد الانفصال القانوني المعترف به دولياً، وإلا لكان لكل دولة استعمارية سابقة الحق في المطالبة بالموانئ التي بنتها في مستعمراتها القديمة.

كذلك تقع الورقة في فخ المغالطة مرة ثانية، عند مقارنة حالة إثيوبيا وعصب بحالات دول حبيسة أخرى في أفريقيا؛ مثل تشاد أو مالي؛ فالدول التي استشهد بها تطلب “تسهيلات مرور” وتخفيضات جمركية بموجب اتفاقيات تجارية، ولا تطالب بـ”سيادة وظيفية” أو “إدارة مشتركة” تقتطع جزءاً من صلاحيات الدولة الساحلية على أرضها. وأيضًا تروج الورقة لفكرة أن لإثيوبيا “حقًّا قانونيًّا” يتجاوز مجرد الترانزيت ليصل إلى نوع من التحكم في الميناء؛ وهو خلط متعمد بين “حق المرور” و”حقوق الملكية أو الإدارة” التي تمس سيادة إريتريا.

ونقطة أخيرة أن الكاتب اعتمد بشكل شبه كليّ على مؤرخين وباحثين إثيوبيين أو مقربين من وجهة النظر الإثيوبية، مع تجاهل تام للوثائق القانونية الإريترية ولوجهة نظر خبراء القانون الدولي؛ ما يجعل الورقة تفتقر إلى التوازن الأكاديمي وتظهر كأداة “بروباجندا” ناعمة تهدف لتهيئة الرأي العام الدولي لتقبل فكرة تغيير الوضع الراهن في ميناء عصب.

خاتمة:

يتضح من هاتين الورقتين أن المجتمع البحثي الأكاديمي في إثيوبيا يقفز فوق حقائق التاريخ ويعتمد الازدواجية والانتقائية كأساس في التعامل مع الملفات الخارجية؛ وهو الأسلوب الذي يسم السياسة الخارجية الإثيوبية، باستنادها إلى الاتفاقات الحديثة تارة، ورفضها تارة أخرى، واستدعاء الاتفاقات الموقعة في الحقبة الاستعمارية أحيانًا واستبعادها أحيانًا أخرى؛ مع محاولة طمس ميراث إثيوبيا العدواني مع الجيران في الصومال وإريتريا بتصوير أية خلافات بين إثيوبيا وجيرانها على أنها ناجمة عن “تدخلات خارجية”، وليس نتيجة لذلك الميراث العدواني.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version