د/محمد أحمد صالح
العلاقة بين إسرائيل ودول “العيون الخمسة” ليست مجرد تعاون أمني تقليدي قائم على تبادل المعلومات أو التنسيق العسكري، بل تحولت خلال العقدين الأخيرين إلى بنية فوق-استخباراتية معقدة تشكل جزءًا من إعادة هندسة النظام الأمني الغربي عالميًا.
لم يعد التحالف- الذي يضم الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا- ينظر إلى إسرائيل باعتبارها “حليفًا شرق أوسطيًا” فحسب، بل باعتبارها منصة استخباراتية متقدمة، ومختبرًا للتكنولوجيا الأمنية، ومركزًا لتطوير الحرب السيبرانية، وذراعًا ميدانيًا متقدمًا للغرب في الشرق الأوسط.
وفي المقابل، أصبحت إسرائيل تعتمد بصورة بنيوية على المنظومة الغربية في التفوق العسكري، والسيطرة المعلوماتية، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي العسكري، والتفوق الفضائي، والاستطلاع الإلكتروني. بذلك نشأ نموذج جديد من التحالفات لا يقوم فقط على الجيوش أو الاتفاقيات السياسية، بل على “اندماج البنى الاستخباراتية والتكنولوجية”.
ماهية تحالف “العيون الخمسة”
نشأ هذا التحالف بعد الحرب العالمية الثانية عبر اتفاقية UKUSA السرية بين واشنطن ولندن بشكل أساسي، ثم توسع ليشمل الدول الأنجلو-ساكسونية الخمس. يمثل التحالف اليوم أكبر شبكة مراقبة واستخبارات تقنية في العالم، ويعتمد على:
-الاستخبارات الإشارية SIGINT(Signals – Intelligence): وتشمل اعتراض الاتصالات، والتنصت الفضائي، واعتراض الإنترنت والكابلات البحرية، ومراقبة الأقمار الصناعية، وتحليل البيانات الضخمة.
-الاستخبارات السيبرانية: يدير التحالف شبكات مراقبة عالمية، وعمليات هجومية إلكترونية، واختراق بنى تحتية، ومراقبة أنظمة مالية، واتصالات عالمية.
-الذكاء الاصطناعي الأمني: أصبح التحالف يعتمد بصورة متزايدة على خوارزميات التنبؤ، وتحليل الأنماط، والذكاء الاصطناعي القتالي، وأنظمة الاستهداف الآلي.
إسرائيل شريك استثنائي
-الجغرافيا السياسية: تقع إسرائيل في مركز حيوي يربط الخليج، وشرق المتوسط، والبحر الأحمر، وشمال أفريقيا، والمشرق العربي، ما يمنحها قدرة استثنائية على جمع المعلومات البشرية HUMINT، واختراق البيئات الإقليمية، ومراقبة التحركات العسكرية، وتشغيل شبكات ميدانية.
-التفوق التكنولوجي: تحولت إسرائيل إلى “دولة أمنية تكنولوجية”، حيث يتداخل الجيش، والجامعات، وشركات التكنولوجيا، والأجهزة الاستخباراتية ضمن منظومة واحدة. ومن أبرز المؤسسات “موساد”، و”شاباك”، ووحدة 8200. تُعد وحدة 8200 من أكثر المؤسسات تطورًا عالميًا في التنصت، وتحليل البيانات، والحرب السيبرانية، والذكاء الاصطناعي الأمني.
التحول بعد أحداث 7 أكتوبر عام 2023م
مثّلت أحداث 7 أكتوبر نقطة تحول استراتيجية عميقة، إذ أعادت عسكرة المنطقة، وتوسيع التعاون الاستخباراتي، ودمج الذكاء الاصطناعي بالحرب، ورفع مستويات التنسيق الغربي الإسرائيلي. يتمثل التحول الأهم في انتقال إسرائيل من “حليف أمني” إلى “مركز عمليات متقدم ضمن المنظومة الغربية”.
مجالات التعاون الاستخباراتي العميق
-الاستخبارات الإشارية والتنصت العالمي: يُعد التعاون بين وكالة الأمن القومي الأمريكية ووحدة 8200 من أعمق الشراكات التقنية عالميًا. يشمل التعاون اعتراض المكالمات، وتحليل الإنترنت، ومراقبة الكابلات البحرية، والتنصت الفضائي، وتحليل بيانات الهواتف. من الأهداف الرئيسية لهذا التعاون إيران، وفصائل المقاومة الفلسطينية، وحزب الله، وسوريا، والبحر الأحمر، والجماعات العابرة للحدود.
-الحرب السيبرانية: ينظر إلى إسرائيل على أنها أحد أهم مراكز الحرب الرقمية إقليميا وعالميًا. يشمل التعاون تطوير برمجيات هجومية، واختراق أنظمة، والدفاع عن البنى التحتية، والحرب الإلكترونية، والتشويش الإلكتروني. ومن الأمثلة على ذلك “عملية ستاكسنت” (2010م)، وهي هجوم سيبراني متطور هدفه إحداث أضرار مادية بأجهزة التحكم الصناعي (SCADA) داخل منشأة نطنز النووية في إيران، لتعطيل أجهزة الطرد المركزي المستخدمة في تخصيب اليورانيوم دون لفت الانتباه. كانت هذه العملية أول استخدام واسع لسلاح سيبراني لتعطيل منشآت نووية.
-الذكاء الاصطناعي العسكري: يمثل أخطر تطور في التعاون، ويشمل تحليل الصور الجوية، وتحديد الأهداف آليًا، ومراقبة التحركات، والتحليل اللحظي للبيانات، وبناء نماذج تنبؤية. تمثل التحول الجوهري في انتقال الحرب من “الاستجابة البشرية” إلى “الحرب الخوارزمية”.
-الأمن الفضائي والأقمار الصناعية: يشمل التعاون الفضائي الاستطلاع الفضائي، والأقمار الصناعية العسكرية، ومراقبة التحركات البحرية، ومراقبة الصواريخ، والرصد الحراري. تمثلت الأهمية الاستراتيجية في السيطرة على شرق المتوسط، والخليج، والبحر الأحمر، والممرات التجارية.
-حماية البنية الاقتصادية الغربية: التعاون لا يهدف فقط إلى الأمن العسكري، بل أيضًا إلى حماية الطاقة، وحماية التجارة العالمية، وتأمين الكابلات البحرية، وحماية الأنظمة المالية.
البعد الاقتصادي للتعاون
أصبح الاقتصاد الأمني أحد أهم أعمدة العلاقة والتحالف، فتحولت إسرائيل إلى “مجمع أمني-تكنولوجي عالمي”، حيث تتداخل الشركات الناشئة، والصناعات العسكرية، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني. من أهم مجالات التعاون الطائرات المسيّرة، وأنظمة المراقبة، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، وبرمجيات التجسس. ومن أبرز الأمثلة شركة NSO Group المتخصصة في تطوير برمجيات التجسس السيبراني، بهدف مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وبرنامج التجسس المتطور Pegasus الذي طورته شركة NSO Groupلاختراق الهواتف الذكية، فيستطيع الوصول إلى الرسائل، والكاميرا، والميكروفون، والموقع الجغرافي، والملفات، ليصبح من أشهر أدوات التجسس السيبراني عالميًا بعد تسريبات وتحقيقات كشفت استخدامه ضد شخصيات سياسية وإعلامية وحقوقية في عدة دول.
العلاقة مع كل دولة من العيون الخمسة
-الولايات المتحدة: تمثل العلاقة “اندماجًا استخباراتيًا شبه كامل”، وتشملNSA “وكالة الأمن القومي” المتخصصة في التجسس الإلكتروني وجمع الاتصالات والمعلومات الاستخباراتية وتحليلها، وCIA “وكالة الاستخبارات المركزية”، المسؤولة عن جمع المعلومات الخارجية والعمليات السرية الخارجية، والبنتاجون، وموساد، ووحدة 8200. من الأهداف المشتركة لهذا التعاون احتواء إيران والصين وروسيا، وحماية إسرائيل، والسيطرة على الممرات البحرية، والهيمنة السيبرانية.
-المملكة المتحدة: تركز التعاون على الأمن السيبراني، والاستخبارات التقنية، وأمن الطاقة، وحماية الملاحة، ويلعب جهاز الاستخبارات الإلكترونية البريطاني GCHQ- المسؤول عن التجسس السيبراني، واعتراض الاتصالات، وحماية الأمن الرقمي البريطاني، وفك وتحليل الشيفرات- دورًا محوريًا في هذا التعاون.
-كندا: تشارك عبر التكنولوجيا الأمنية، وتحليل البيانات، والأمن الإلكتروني، والتعاون البحثي.
-أستراليا: ترتبط استراتيجيًا بأمن المحيط الهندي، ومراقبة الملاحة، ومواجهة الصين، والحرب السيبرانية.
-نيوزيلندا: الأقل انخراطًا سياسيًا، لكنها جزء من تبادل البيانات، والشبكات التقنية، والبنية المعلوماتية للتحالف.
إسرائيل “مختبر للحروب الحديثة”
أحد أخطر أبعاد العلاقة بين هذه الدول أن إسرائيل أصبحت “بيئة اختبار ميدانية” لتقنيات الذكاء الاصطناعي القتالي، والمراقبة الجماعية، والاستهداف الخوارزمي، والحرب داخل المدن، والطائرات المسيّرة. ينظر الغرب إلى التعاون مع إسرائيل على أنه مهم لأن التجارب الميدانية الحقيقية تُسرّع تطوير التقنيات، وتمنح بيانات قتالية ضخمة، وتسمح بتحسين الخوارزميات.
التحالف والهيمنة الرقمية العالمية
لم تعد الصراعات عسكرية فقط، بل أصبحت صراعات على البيانات، والذكاء الاصطناعي، والفضاء الإلكتروني، والبنية الرقمية العالمية. إسرائيل هنا تؤدي دور العقدة التقنية، ومنصة التجريب، والمورد الأمني، والذراع السيبراني المتقدم.
التحديات والانتقادات
-المراقبة الجماعية: تواجه المنظومة اتهامات بالتنصت الواسع، وانتهاك الخصوصية، ومراقبة المدنيين.
-عسكرة الذكاء الاصطناعي: تُثار مخاوف من قرارات قتل خوارزمية، وأخطاء الاستهداف، وغياب المساءلة.
-خصخصة الاستخبارات: خلق ظهور شركات خاصة تعمل في التجسس، والاختراق، وتحليل البيانات “سوقًا عالميًا للأمن الرقمي”.
السيناريوهات المستقبلية
السيناريو الأول – تعمق التحالف: الأكثر ترجيحًا، ويشمل دمج الذكاء الاصطناعي بالكامل، وتوسيع المراقبة الرقمية، وبناء بنية أمنية عالمية موحدة.
السيناريو الثاني – صدام دولي رقمي: قد يتحول الفضاء الإلكتروني مع الصين، وروسيا، وإيران إلى “ساحة الحرب الرئيسية عالميًا”.
السيناريو الثالث- أزمة شرعية غربية: بسبب حقوق الإنسان، والمراقبة الجماعية، واستخدام الذكاء الاصطناعي عسكريًا.
ختاما
لا يمكن فهم العلاقة بين إسرائيل ودول تحالف “العيون الخمسة” فقط باعتبارها تحالفًا أمنيًا أو شراكة عسكرية، بل باعتبارها جزءًا من “إعادة تشكيل النظام العالمي الرقمي”، حيث أصبحت البيانات قوة، والذكاء الاصطناعي تفوقا استراتيجيا، والأمن السيبراني سيادة.
هكذا تكشف دراسة العلاقة بين إسرائيل ودول تحالف “العيون الخمسة” عن نشوء نموذج جديد من التحالفات العالمية يقوم على الاندماج الاستخباراتي، والسيطرة الرقمية، والحرب السيبرانية، والذكاء الاصطناعي العسكري، والاقتصاد الأمني.
أصبحت إسرائيل في هذا النموذج منصة متقدمة للغرب، ومركزًا للتكنولوجيا الأمنية، وشريكًا استخباراتيًا فوق تقليدي، بينما ترى دول تحالف “العيون الخمسة” أن الحفاظ على هذا التحالف ضرورة استراتيجية تتعلق بالهيمنة التقنية، وأمن الطاقة، والسيطرة المعلوماتية، وإدارة الصراعات المستقبلية.
لكن في المقابل، يفتح هذا التحالف أسئلة خطيرة حول مستقبل الخصوصية، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي العسكري، وعسكرة الفضاء الرقمي، وتحول العالم إلى منظومة مراقبة شاملة، ووهو ما يجعل هذه العلاقة واحدة من أهم الظواهر الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين.
أحدث المنشورات
- إسرائيل بين “التفوق المطلق” وإشكالية الأمن الدائم: حرب 1967م وحرب أكتوبر 1973م وتحديات غزة وإيران المعاصرة
- “العيون الخمسة” وإسرائيل: هندسة الهيمنة الرقمية العالمية
- العامل الأذربيجاني في الصراع الإيراني ــ الإسرائيلي
- من الإجماع إلى التصدّع: سياسات نتنياهو تحوّل الدعم الأمريكي التقليدي إلى عبء سياسي
- أهمية العمق الاستراتيجي في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر!
- إسرائيل على مفترق طرق”: تداعيات تمرير قانون حل الكنيست على الاستقرار السياسي والجبهة الداخلية
- أمن الطاقة وأُثره على قطاع السياحة في تركيا.
- صمود إيران بطعم النصر وهجوم إسرائيلي بطعم الفشل
الأحد, 7 يونيو
