يمثل الغموض النووي الإسرائيلي أداة استراتيجية لترسيخ الردع والتفوق الإقليمي، مع تجنب الاعتراف الرسمي بالترسانة النووية، ويجسد “الخيار شمشون” تصوراً للرد الأخير في حال تهديد وجود الدولة، دون دليل على اعتماد قرار معلن باستخدامه. كما يعكس ضرب مفاعلي العراق عام 1981م وسوريا عام 2007م سياسة منع ظهور منافسين نوويين. وفي المقابل، يفرض البرنامج الإيراني المتقدم تحدياً جديداً لهذه السياسة، ويزيد مخاطر سباق التسلح. أما مشروع الضبعة، فيمثل مساراً سلمياً مصرياً يستلزم الحماية والرقابة. وتخلص الدراسة إلى ضرورة بناء نظام إقليمي متوازن لمنع الانتشار النووي.

تنطلق هذه الورقة من التحول المحتمل في سياسة الغموض النووي الإسرائيلية، وتضعها في سياق أوسع يتجاوز السؤال التقليدي المتعلق بامتلاك إسرائيل السلاح النووي إلى أسئلة أكثر حساسية: كيف نشأت هذه السياسة؟ وما الوظيفة الاستراتيجية التي أدتها؟ وما الظروف التي قد تدفع إسرائيل إلى التلويح بقدراتها النووية أو استخدامها؟ وما دلالة الخيار المعروف باسم “شمشون”؟ وكيف يرتبط ذلك بضرب مفاعلي العراق وسوريا، وبالمخاوف المتعلقة بمنشأة الضبعة المصرية، وبالتطورات النووية الإيرانية؟

الغموض النووي الإسرائيلي.. من سرّ ديمونا إلى معادلة الردع غير المعلنة

لا تكمن أهمية البرنامج النووي الإسرائيلي في عدد الرؤوس النووية التي يُعتقد أن إسرائيل تمتلكها فحسب، وإنما في طبيعة العلاقة التي أقامتها بين امتلاك السلاح وعدم الاعتراف به، وبين التلويح بالقدرة النووية والامتناع عن إعلان عقيدة استخدام واضحة، فإسرائيل بنت جزءاً مهماً من معادلتها الأمنية على إبقاء الخصوم أمام احتمال وجود قدرة تدميرية استثنائية، من دون أن تمنحهم معلومات مؤكدة عن حجم الترسانة أو مستوى جاهزيتها أو الظروف التي قد تستدعي استخدامها.

وتعود جذور هذه السياسة إلى اكتشاف الدبلوماسيين الأمريكيين، في مطلع الستينيات، أعمال إنشاء مفاعل ديمونا في صحراء النقب، وإلى المراوغة الإسرائيلية بشأن طبيعة المنشأة، التي جرى وصفها في إحدى الوقائع بأنها “مصنع للنسيج”، ثم تطورت المسألة من إنكار طبيعة المنشأة إلى صيغة أكثر تعقيداً، تقوم على عدم تأكيد امتلاك السلاح النووي أو نفيه، مع الإبقاء على إشارات سياسية متقطعة تسمح للآخرين باستنتاج وجود قدرة نووية إسرائيلية. وتتفق هذه الرواية مع ما أوردته تحليلات وتقارير متخصصة عن البرنامج النووي الإسرائيلي؛ إذ توضح أن الانتقال إلى سياسة الغموض النووي تبلور في الفترة الممتدة بين حرب يونيو 1967م ونهاية الستينيات، وأن التفاهم الذي نشأ بين الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون (1913م-1994م) ورئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مئير (1898م-1978م) عام 1969م أسهم في ترسيخ هذه الصيغة. وكان جوهر التفاهم، وفق الوثائق والتفسيرات التاريخية المتاحة، ألا تعلن إسرائيل امتلاك السلاح النووي، وألا تجري تجربة نووية معلنة، ما يتيح لواشنطن مواصلة التعامل معها دون اضطرار إلى إعلان موقف رسمي يتعارض مع سياسة منع الانتشار النووي.

ومن ثم، فإن الغموض النووي لم يكن مجرد وسيلة لإخفاء معلومات عسكرية، بل تحول إلى ترتيب سياسي واستراتيجي له ثلاثة أبعاد متداخلة:

البعد الردعي: إقناع الخصوم بأن إسرائيل تمتلك قدرة قد تلجأ إليها إذا تعرض وجودها لخطر بالغ، من دون تقديم تفاصيل تساعد على تقدير حدود هذه القدرة.

البعد الدبلوماسي: تجنب التبعات القانونية والسياسية التي قد تترتب على إعلان امتلاك السلاح، وفي مقدمتها الضغوط المتعلقة بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

البعد الأمريكي: تمكين واشنطن من استمرار دعم إسرائيل والتعاون معها، مع تجنب مواجهة مباشرة بشأن وضعها النووي أو مطالبتها بإخضاع منشآتها لنظام رقابي دولي شامل.

وتكتسب هذه الأبعاد أهميتها من أن إسرائيل ليست طرفاً في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، كما أنها لم تعلن رسمياً امتلاكها ترسانة نووية، ولم تجر تجربة نووية معلنة. ومع ذلك، تقدر مؤسسات بحثية دولية، من بينها معهد ستوكهولم لأبحاث السلام والاتحاد الأمريكي للعلماء، الترسانة الإسرائيلية بنحو 90 رأساً نووياً. ويظل هذا الرقم تقديراً مفتوح المصدر، وليس إحصاءً رسمياً أو معلومة إسرائيلية معلنة.

وتكشف هذه المعادلة عن مفارقة أساسية: إسرائيل تطالب بمنع خصومها الإقليميين من الوصول إلى السلاح النووي، بينما تحتفظ هي بقدرة نووية خارج إطار معاهدة عدم الانتشار، وتستفيد من عدم إخضاع ترسانتها لنظام الإفصاح والرقابة نفسه الذي تطالب به في حالات أخرى. وهذا التفاوت لا يقتصر على الجانب القانوني، بل يمتد إلى توازن الردع الإقليمي، ويؤثر في ثقة الدول العربية والإقليمية بجدية منظومة منع الانتشار النووي.

أ-كيف نشأت سياسة الغموض؟ من الردع إلى تجنب المواجهة الدولية

ارتبطت نشأة البرنامج النووي الإسرائيلي بتصور مبكر لدى القيادة الإسرائيلية بأن التفوق العسكري التقليدي لا يضمن وحده بقاء الدولة في بيئة إقليمية معادية. وقد غذّى هذا التصور إدراك الجغرافيا الإسرائيلية، ومحدودية العمق الاستراتيجي، والخوف من احتمال تعرض الدولة لهزيمة عسكرية واسعة في حرب مستقبلية. ولذلك لم يُنظر إلى الخيار النووي باعتباره سلاحاً إضافياً فحسب، وإنما باعتباره ضمانة أخيرة لا ينبغي أن تدخل في الحسابات العسكرية اليومية، لكنها تظل حاضرة في خلفية القرارات الكبرى. وقد اتخذ هذا التصور شكلاً أكثر وضوحاً بعد حرب 1967م، حين أصبحت إسرائيل أكثر ثقة بقدراتها العسكرية التقليدية، وفي الوقت نفسه أكثر حرصاً على منع الدول العربية من امتلاك قدرة نووية موازية. أما الولايات المتحدة، فقد واجهت معضلة مزدوجة: فهي لا تريد انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، لكنها لا ترغب أيضاً في الدخول في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل بشأن برنامجها. وتوضح وثائق أمريكية أن مسؤولين أمريكيين أدركوا مبكراً أن الضغط العلني على إسرائيل قد يخلق أزمة سياسية، ويكشف في الوقت نفسه عن معرفة واشنطن بالبرنامج، ويضعف قدرتها على الاعتراض على البرامج النووية لدول أخرى.

وهكذا نشأ ما يمكن تسميته التفاهم القائم على عدم الاعتراف المتبادل: إسرائيل لا تعلن امتلاك السلاح، وواشنطن لا تتعامل معه علناً باعتباره حقيقة تستوجب إجراءات سياسية وقانونية مباشرة. وبمرور الوقت، لم تعد هذه الصيغة مجرد مخرج مؤقت من أزمة دبلوماسية، بل أصبحت جزءاً من بنية العلاقات الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية. غير أن صلاحية هذه السياسة ارتبطت بظروف إقليمية ودولية محددة، فقد كانت قابلة للاستمرار طالما لم يظهر منافس نووي إقليمي يفرض على إسرائيل إعادة تعريف ردعها، وطالما استمرت الولايات المتحدة في توفير الغطاء السياسي اللازم، وطالما لم يتحول الغموض نفسه إلى عبء على التنسيق العسكري بين الحليفين.

ب-الغموض النووي في مواجهة الشفافية الدولية

أدى استمرار سياسة الغموض إلى نشوء تفاوت واضح بين مستوى المعلومات المتاحة عن البرامج النووية الإسرائيلية والبرامج النووية لدول أخرى، فبينما تخضع الدول الأطراف في معاهدة عدم الانتشار لالتزامات رقابية وإعلانية محددة، تظل المعلومات المتعلقة بالبرنامج الإسرائيلي محاطة بالسرية، وتستند التقديرات بشأنه إلى وثائق تاريخية وشهادات وتسريبات وتحليلات فنية.

وقد مثلت قضية مردخاي فعنونو عام 1986م نقطة تحول في كشف تفاصيل البرنامج الإسرائيلي؛ إذ نشر صوراً ومعلومات عن منشآت ديمونا، ما أضعف قدرة إسرائيل على إبقاء وجود البرنامج في دائرة الشك النظري. ومع ذلك، لم يؤد الكشف إلى إنهاء الغموض، بل أعادت إسرائيل إنتاجه في صيغة أكثر مرونة، تسمح بالنقاش داخل حدود الرقابة الإسرائيلية، شريطة نسبة المعلومات إلى “تقارير أجنبية”.

والأهم أن الغموض لا يعني غياب الردع؛ فقد يكون عدم اليقين ذاته جزءاً من الردع، فالدولة التي لا تكشف حجم ترسانتها أو شروط استخدامها تترك خصومها أمام احتمالات متعددة، وهو ما قد يدفعهم إلى الحذر. لكن هذه الميزة تحمل وجهاً آخر: إذ يمكن أن يؤدي غياب المعلومات إلى سوء تقدير، أو إلى افتراض أن إسرائيل ستستخدم السلاح في ظروف لا تنوي فعلياً استخدامه فيها، أو إلى عدم معرفة حدود التصعيد التي قد تعتبرها تهديداً وجودياً. من هنا تبرز إحدى أهم مشكلات الغموض النووي في المرحلة الراهنة: أنه لم يعد يخص العلاقة بين إسرائيل وخصومها فقط، بل أصبح يؤثر في حسابات الولايات المتحدة نفسها، خصوصاً عندما تعمل القوات الأمريكية والإسرائيلية في مسرح عمليات واحد، أو عندما تتعرض منشآت نووية أو عسكرية في المنطقة لهجمات متبادلة. وقد طرح أعضاء كونجرس مخاوف بشأن غياب الوضوح حول الخطوط الحمراء الإسرائيلية، وخطط الطوارئ في حال تعرض منشآت نووية لضربات أو ظهرت احتمالات لاستخدام السلاح النووي.

الخيار شمشون.. العقيدة القصوى وحدود التهديد النووي

يُعد تعبير “الخيار شمشون” من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في تحليل الاستراتيجية النووية الإسرائيلية، وهو تعبير يستحضر الرواية التوراتية عن شمشون الذي هدم أعمدة المعبد على نفسه وعلى خصومه، ليصبح رمزاً لفكرة أن الدولة، إذا واجهت خطر الفناء، قد تلجأ إلى استخدام قوة تدميرية هائلة حتى لو ترتب على ذلك دمار واسع يتجاوز حدود المعركة التقليدية.

لكن من الضروري التمييز بين ثلاثة مستويات كثيراً ما تختلط في الكتابات السياسية:

-الخيار شمشون مفهوم تحليلي: أي افتراض أن إسرائيل قد تلجأ إلى رد نووي واسع إذا اعتقدت أن وجودها نفسه أصبح مهدداً.

-الخيار شمشون تهديد ردعي: أي إبقاء الخصوم على علم باحتمال وجود رد تدميري أخير، من دون إعلان رسمي عن شروطه.

-الخيار شمشون قرار باستخدام السلاح: وهو أمر مختلف تماماً، ولا توجد وثيقة علنية تثبت أن إسرائيل أعلنت اعتماد خطة استخدام نووي محددة بهذا الاسم أو أنها أصدرت أمراً بتنفيذها.

وقد تناول باحثون هذا المفهوم باعتباره تصوراً لردع أخير، لا عقيدة حرب نووية تقليدية. ويشير تحليلات إلى أن الخيار يرتبط بتهديد ضمني برد نووي واسع في مواجهة اعتداءات محددة تمس وجود الدولة، وأن مصداقيته تتطلب أن يكون محصوراً في ظروف قصوى أو شبه قصوى.

أ-متى يمكن أن تفكر إسرائيل في استخدام السلاح النووي؟

لا يمكن تحديد موعد أو واقعة مستقبلية بعينها، كما لا توجد قائمة رسمية إسرائيلية منشورة تحدد شروط استخدام السلاح النووي، لكن الأدبيات الاستراتيجية التي تناولت الردع الإسرائيلي تسمح بتحديد مجموعة من الظروف التي قد ترفع مستوى التفكير في الخيار النووي:

1-تهديد وجود الدولة بصورة مباشرة: يمثل هذا العامل جوهر الفرضية التي يقوم عليها الخيار شمشون، فليس المقصود مجرد تعرض إسرائيل لخسائر عسكرية أو هجمات صاروخية، وإنما نشوء تصور لدى القيادة بأن الدولة قد تتعرض لتدمير شامل أو احتلال واسع أو انهيار لا يمكن احتواؤه بالوسائل التقليدية.

2-انهيار القدرة على الردع التقليدي: إذا تعرضت إسرائيل لهزيمة عسكرية واسعة، وفقدت قدرتها على منع تقدم الخصم أو حماية مراكزها الحيوية، فقد تتزايد الضغوط داخل المؤسسة السياسية والعسكرية للنظر في خيارات استثنائية، لكن الانتقال من التفكير إلى الاستخدام يظل أمراً بالغ الخطورة، ولا يمكن افتراض أنه سيحدث تلقائياً.

جـ-استخدام أسلحة دمار شامل ضد إسرائيل: قد يؤدي تعرض المدن الإسرائيلية لهجوم كيميائي أو بيولوجي أو نووي واسع إلى إعادة تقييم عتبة الرد، غير أن طبيعة الرد، ومدى تناسبه، والاعتبارات القانونية والإنسانية والسياسية، ستظل عناصر مؤثرة في القرار.

د-اعتقاد القيادة الإسرائيلية بأن الخصم يقترب من فرض واقع استراتيجي لا رجعة فيه: قد يتصل ذلك بامتلاك خصم إقليمي قدرة نووية، أو بتشكل تحالف عسكري يغير ميزان القوى جذرياً. لكن امتلاك دولة أخرى للسلاح النووي لا يعني بالضرورة أن إسرائيل ستستخدم سلاحها؛ فقد يكون الردع المتبادل، أو التفاهمات الدولية، أو الضمانات الأمنية، بديلاً عن المواجهة النووية.

هـ-فقدان الثقة بالضمانات الأمريكية: يُعد الارتباط الاستراتيجي بالولايات المتحدة عنصراً مهماً في البيئة الأمنية الإسرائيلية، وإذا اعتقدت القيادة الإسرائيلية أن واشنطن لن تتدخل لمنع تهديد وجودي، فقد يزداد وزن الخيارات الذاتية القصوى في الحسابات الإسرائيلية.

وبناءً على ذلك، فإن الاستخدام النووي الإسرائيلي، إذا افترضنا وقوعه، يرتبط في المقام الأول بظروف استثنائية تمس بقاء الدولة، وليس بمجرد الرغبة في توسيع نطاق التفوق العسكري أو حسم مواجهة تقليدية.

ب-حرب أكتوبر 1973م.. اللحظة التي اقترب فيها النقاش من العتبة النووية

تُعد حرب أكتوبر 1973م الحالة التاريخية الأبرز التي يجري الاستشهاد بها عند مناقشة احتمال اقتراب إسرائيل من استخدام سلاحها النووي، ففي الأيام الأولى للحرب، تعرضت القوات الإسرائيلية لضغط عسكري شديد على جبهتي سيناء والجولان، وظهرت مخاوف داخل القيادة الإسرائيلية من اتساع الخسائر وتراجع السيطرة على الموقف. وتورد بعض الدراسات أن وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك موشيه ديان (1915م-1981م) أثار احتمال الاستعداد لخيار نووي استعراضي، أو على الأقل اتخاذ إجراءات أولية مرتبطة بجاهزية القدرات النووية، والأكثر أهمية أن دراسات خلصت إلى أن إسرائيل ربما اتخذت خطوات مرتبطة بتهيئة بعض القدرات النووية أو وسائل إيصالها في بداية الحرب، لكنها رأت أن هذه الخطوات كانت احترازية أو دفاعية، ولم يكن هدفها بالضرورة إرسال تهديد إلى العرب أو الولايات المتحدة. كما رجحت الدراسات أن موشيه ديان طرح فكرة الاستعداد لخيار استعراضي في 7 أكتوبر، لكن جولدا مائير وأعضاء آخرين في القيادة لم يستجيبوا للمقترح على نحو يقود إلى اتخاذ إجراء فعلي.

وتكشف هذه الواقعة عن ثلاثة استنتاجات:

-التفكير في الخيار النووي قد يظهر في أوقات الانهيار العسكري أو الخوف من الهزيمة، حتى إن لم يتحول إلى قرار استخدام.

-وجود السلاح النووي في الخلفية قد يؤثر في حسابات القيادة السياسية والعسكرية، من دون الحاجة إلى إطلاقه.

-القرار النووي لا يصدر عن قائد عسكري منفرد، وإنما يخضع لحسابات سياسية واستراتيجية تتصل بمستقبل الدولة والعلاقات الدولية وتداعيات التصعيد.

جـ-عملية شمشون عام 1967م.. بين الرواية التاريخية والدلالة الاستراتيجية

تظهر روايات أخرى مرتبطة بحرب يونيو 1967م، تتحدث عن تصور لعملية أطلق عليها اسم “شمشون”، وكان الغرض المنسوب إليها إحداث تفجير نووي استعراضي في منطقة نائية، ما يغير حسابات الأطراف العربية ويبعث رسالة بأن إسرائيل تمتلك خياراً أخيراً. وتشير دراسات إلى أن فريقاً صغيراً من العناصر الإسرائيلية كُلّف بمهمة تتصل بإمكانية تنفيذ تفجير استعراضي في إطار عملية “شمشون”، لكن الانتصار الإسرائيلي السريع في الحرب حال دون تنفيذها.

ومع ذلك، ينبغي التعامل مع هذه الرواية باعتبارها جزءاً من تاريخ البرنامج النووي كما أعادت بناءه شهادات وبحوث لاحقة، لا باعتبارها وثيقة رسمية إسرائيلية منشورة تثبت كل تفاصيل العملية. كما لا ينبغي الخلط بين هذه الرواية التاريخية وبين مفهوم “الخيار شمشون” الأوسع الذي أصبح يُستخدم في الدراسات الاستراتيجية لوصف التهديد النووي الأخير. وتكمن أهمية هذه الروايات في أنها تشير إلى أن التفكير الإسرائيلي في السلاح النووي لم يكن محصوراً في الرد على هجوم نووي مماثل، وإنما ارتبط أيضاً بفكرة استخدام القدرة النووية أو التلويح بها لإحداث أثر نفسي واستراتيجي في لحظة تهديد شديد.

مبدأ بيجين.. ضرب المفاعلات النووية ومنع نشوء منافس إقليمي

إذا كان “الخيار شمشون” يعبر عن الحد الأقصى للردع النووي الإسرائيلي، فإن ما يُعرف بـ”مبدأ بيجين” يعبر عن الوجه الهجومي للسياسة النووية الإسرائيلية؛ أي منع الخصوم الإقليميين من الوصول إلى قدرة نووية عسكرية، حتى إذا تطلب ذلك استخدام القوة العسكرية خارج الحدود.

وقد ارتبط هذا المبدأ بالضربة الإسرائيلية على المفاعل العراقي “تموز” أو “أوزيراك” في يونيو 1981م، ثم استُحضر لاحقاً عند تدمير المنشأة السورية في دير الزور عام 2007م. وتكشف الحالتان عن انتقال إسرائيل من سياسة الغموض بشأن ترسانتها الذاتية إلى ممارسة سياسة أكثر وضوحاً في منع الآخرين من امتلاك قدرات نووية يمكن أن تغير ميزان الردع في المنطقة.

أ-ضرب المفاعل العراقي عام 1981م.. منع المنافس النووي بالقوة

في السابع من يونيو 1981م، نفذت إسرائيل هجوماً جوياً على مفاعل أوزيراك العراقي قرب بغداد، ودمرت المنشأة قبل دخولها مرحلة التشغيل. وبررت الحكومة الإسرائيلية العملية بأنها إجراء استباقي لمنع العراق من تطوير سلاح نووي، في حين اعتبرتها بغداد وعدد من الأطراف الدولية اعتداءً على منشأة نووية ذات طابع سلمي وخاضعة لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وقد أدان مجلس الأمن الدولي الهجوم بالإجماع في قراره رقم 487 الصادر في 19 يونيو 1981م، واعتبره انتهاكاً واضحاً لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، كما أكد حق العراق وسائر الدول في تطوير الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ودعا إسرائيل إلى إخضاع منشآتها النووية لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وتتجاوز أهمية هذه العملية تدمير منشأة عراقية؛ فقد أرست سابقة استراتيجية مفادها أن إسرائيل مستعدة لاستخدام القوة العسكرية لمنع نشوء قدرة نووية لدى خصم إقليمي، حتى قبل أن يتحول البرنامج إلى سلاح معلن أو إلى تهديد مباشر ووشيك.

ومن هنا يمكن تحديد الوظائف الاستراتيجية التي أدتها الضربة:

إبقاء التفوق النووي الإسرائيلي: منع ظهور قوة إقليمية قد تمتلك قدرة ردع مستقلة.

-تثبيت مبدأ الضربة الوقائية: التعامل مع احتمال نشوء تهديد نووي مستقبلي بوصفه مبرراً للتحرك العسكري المبكر.

-توسيع مفهوم الأمن القومي: اعتبار المنشآت النووية للخصوم جزءاً من معادلة التهديد، حتى إذا كانت لا تزال في مرحلة البناء.

-إرسال رسالة إلى دول المنطقة: أن امتلاك التكنولوجيا النووية قد يضع المنشآت المرتبطة بها ضمن حسابات العمل العسكري الإسرائيلي.

لكن هذه السياسة تنطوي على تناقض قانوني وسياسي واضح، فالهجوم على مفاعل خاضع للضمانات الدولية لم يقتصر على مخالفة مبدأ احترام السيادة، بل أثار أيضاً سؤالاً جوهرياً حول حق الدول في الاستخدام السلمي للطاقة النووية. والدرس الأهم أن الضربة العسكرية قد تؤخر برنامجاً نووياً أو تدمر منشأة محددة، لكنها لا تضمن إزالة المعرفة العلمية أو الكفاءات البشرية أو الدوافع السياسية التي تقف خلفه.

ب-تدمير المنشأة السورية عام 2007م.. تكرار النهج في بيئة مختلفة

في السادس من سبتمبر 2007م، نفذت إسرائيل هجوماً على منشأة في منطقة دير الزور شرقي سوريا، عُرفت لاحقاً باسم “الكُبَر” أو “المنشأة النووية في دير الزور”. ولم تعلن إسرائيل تفاصيل العملية في حينها، بينما لم تقدم سوريا معلومات كاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية عن طبيعة المنشأة. وبعد فحص المعلومات والصور الفضائية والعينات البيئية، خلصت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 2011م إلى أن المنشأة التي دمرتها إسرائيل كانت، على الأرجح الشديد، مفاعلاً نووياً كان يتعين على سوريا الإعلان عنه بموجب اتفاق الضمانات. وأشارت المعلومات التي درستها الوكالة إلى أن المنشأة لم تكن قد دخلت التشغيل، ولم تكن قد أُدخلت إليها مواد نووية وقت تدميرها، كما تناولت التقارير احتمال وجود تعاون كوري شمالي في بنائها.

وتختلف الحالة السورية عن الحالة العراقية في طبيعة المعلومات المتاحة والسياق السياسي، ففي العراق، وقع الهجوم على مفاعل معروف وخاضع للضمانات الدولية، وأُدينت الضربة بقرار واضح من مجلس الأمن. أما في سوريا، فقد جاءت الضربة في ظل سرية المنشأة وعدم إعلان دمشق عنها، ثم أظهرت التحقيقات الدولية لاحقاً أن المنشأة كانت على الأرجح مفاعلاً غير معلن.

ومع ذلك، فإن القاسم المشترك بين الحالتين يتمثل في اعتماد إسرائيل على العمل العسكري المباشر لمنع اكتمال منشأة نووية لدى خصم إقليمي، وهذا يؤكد أن منع الانتشار النووي في التصور الأمني الإسرائيلي لا يقتصر على الضغوط الدبلوماسية أو العقوبات، بل قد يتحول إلى مبرر لعمل عسكري أحادي الجانب.

جـ-مبدأ بيجين وحدود فاعلية الضربة الوقائية

لا يمكن تقييم مبدأ بيجين من خلال عدد المنشآت التي دمرتها إسرائيل فقط، بل ينبغي النظر إلى أثره في سلوك الدول المستهدفة وفي البيئة الإقليمية الأوسع، فالتدمير المادي لمنشأة نووية لا يعني بالضرورة إنهاء البرنامج، وقد يؤدي أحياناً إلى نقل الأنشطة إلى مواقع أكثر سرية وتحصيناً، وتوزيع المنشآت والقدرات على مواقع متعددة، بما يصعب إخضاعها للرقابة أو تدميرها بضربة واحدة، وزيادة الاعتماد على الخبرات المحلية بدلاً من المنشآت الكبيرة الظاهرة، وتعزيز الاعتقاد بأن امتلاك قدرة ردع خاصة هو السبيل الوحيد لحماية البرنامج من الهجمات المستقبلية، ودفع الدولة المستهدفة إلى اعتبار التفاوض والضمانات الدولية غير كافيين لحماية حقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية.

وهنا تظهر المفارقة الاستراتيجية: كلما استخدمت إسرائيل القوة لمنع خصومها من امتلاك قدرة نووية، زادت احتمالات أن يرى بعض هؤلاء الخصوم أن السلاح النووي، أو الاقتراب من عتبته التقنية، يمثل ضمانة ضد تكرار الضربات الإسرائيلية. وبذلك قد يؤدي مبدأ بيجين إلى تأخير الانتشار النووي في حالة معينة، لكنه لا يضمن إزالة دوافعه، وقد يسهم في تعميقها على المدى البعيد.

مشروع الضبعة المصري.. التمييز بين محاولات الإعاقة وحوادث التخريب الفعلي

يمثل مشروع محطة الضبعة النووية المصرية تطوراً استراتيجياً مهماً في بنية الطاقة المصرية، ليس فقط بسبب قدرته المستقبلية على إنتاج الكهرباء، وإنما لأنه يضع مصر في مسار تطوير استخدامات الطاقة النووية السلمية، وبناء الخبرة الوطنية، وتنويع مصادر الطاقة، وتعزيز مكانتها في مجال التكنولوجيا النووية.

ومن ثم، فإن أي حديث عن محاولات تعطيل المشروع أو استهدافه ينبغي أن يُدرس في ضوء حساسية البنية التحتية النووية، وأهمية المشروع بالنسبة إلى الأمن القومي المصري، وطبيعة التنافس الدولي والإقليمي على النفوذ في مجال الطاقة والتكنولوجيا.

أ-ماذا قال رئيس روساتوم عن محاولات عرقلة الضبعة؟

أثارت تصريحات أليكسي ليخاتشوف، المدير العام لمؤسسة روساتوم الروسية، خلال القمة الروسية الأفريقية في موسكو في أكتوبر 2026م، نقاشاً حول ما وصفه بالممارسات التخريبية أو المحاولات الخارجية التي واجهت مشروع الضبعة. وقد ربط ليخاتشوف هذه التحديات بجائحة كورونا والعقوبات الدولية والضغوط الخارجية، من دون أن يقدم في التصريحات المنشورة تفاصيل موثقة عن عملية تخريب مادي داخل موقع المحطة أو يحدد جهة مسؤولة عنها.  لكن التطور الأهم جاء في التوضيح اللاحق الصادر عن روساتوم في 29 أكتوبر 2026م؛ إذ أفادت التغطيات الصحفية بأن المؤسسة أوضحت أن المقصود بالممارسات التخريبية والعدائية هو، في المقام الأول، حملات منظمة لنشر معلومات مضللة تستهدف سمعة المشروع والمؤسسة الروسية، وليس أعمال تخريب مادي مثبتة في موقع المحطة.

وهنا ينبغي التوقف عند التمييز بين ثلاثة مستويات:

-التشويش الإعلامي والمعلومات المضللة: حملات تستهدف ثقة الرأي العام في المشروع أو في الجهة المنفذة.

-الضغوط السياسية والاقتصادية: محاولات التأثير في التمويل أو التوريد أو التعاون الفني أو صورة المشروع دولياً.

-التخريب المادي أو السيبراني: أفعال تستهدف المعدات أو أنظمة التشغيل أو البنية التحتية أو سلامة المنشأة، وهي تحتاج إلى أدلة مستقلة وتحقيقات فنية واضحة.

ووفقاً للتوضيح المنقول عن روساتوم، فإن الحديث عن “التخريب” في هذه الواقعة يتعلق أساساً بالمستوى الأول، ولا يجوز تحويله إلى دليل على وقوع عمليات تفجير أو اختراق أو تخريب مادي داخل موقع الضبعة.

ب-لماذا تكتسب الضبعة أهمية استراتيجية؟

لا تتوقف أهمية الضبعة عند إضافة قدرة كهربائية جديدة إلى الشبكة المصرية، بل ترتبط ببناء بنية علمية وصناعية طويلة الأمد، وتدريب الكوادر، وتطوير نظم الرقابة والأمان النووي، وفتح مجالات أوسع للتعاون الدولي في التكنولوجيا والطاقة. وتنبع الأهمية الاستراتيجية للمشروع من عدة اعتبارات:

-تنويع مصادر الطاقة: يساعد المشروع على تنويع مزيج الطاقة وتقليل الاعتماد النسبي على مصادر بعينها، ما يعزز مرونة الاقتصاد المصري أمام تقلبات أسواق الوقود.

-اكتساب الخبرة التكنولوجية: تتيح الشراكة مع روساتوم نقل خبرات في الإنشاء والتشغيل والصيانة والتدريب، مع ضرورة استمرار بناء الخبرة الوطنية والقدرة الرقابية المصرية المستقلة.

-تعزيز المكانة الإقليمية: إن امتلاك محطة نووية مدنية متقدمة يوسع حضور مصر في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ويعزز دورها في النقاشات الإقليمية المتعلقة بالأمان النووي ومنع الانتشار.

-حماية الاستقلال الاستراتيجي: كلما امتلكت الدولة قدرات فنية ومؤسسية محلية، تراجعت درجة اعتمادها المطلق على المورد الخارجي، وأصبحت أكثر قدرة على إدارة المشروع في مواجهة الضغوط الدولية.

3-هل توجد أدلة على محاولات إسرائيلية لتخريب الضبعة؟

الربط بين سياسة إسرائيل تجاه البرامج النووية الإقليمية وبين الضبعة يظل فرضية تحليلية تتعلق بالمصالح والتنافس الاستراتيجي، لكن عدم وجود دليل منشور على تخريب مادي لا يعني أن المشروع خارج حسابات التنافس الدولي. فمن الممكن أن تتعرض المشروعات النووية المدنية لضغوط سياسية واقتصادية وإعلامية، أو لمحاولات التأثير في شروط التعاون والتوريد، من دون أن يصل ذلك إلى استهداف مادي للمنشآت.

وتقتضي المصلحة المصرية هنا بناء منظومة حماية شاملة تقوم على استقلال الرقابة الوطنية على السلامة والأمان النوويين، وتطبيق معايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية والاتفاقيات ذات الصلة، وتأمين المعلومات والأنظمة الرقمية والبنية التحتية الحيوية، وتنويع سلاسل الإمداد وتطوير الكفاءات الفنية المحلية، والتعامل مع الادعاءات المتعلقة بالتخريب من خلال الأدلة والتحقيقات، لا من خلال الاستنتاجات السياسية المسبقة. كما أن البيان الصادر عن هيئة المحطات النووية المصرية في أغسطس 2026م بشأن تقرير صحفي تناول جوانب السلامة والتنفيذ يوضح أن الجدل حول المشروع قد يتخذ أحياناً طابعاً إعلامياً وسياسياً، وأن الهيئة المصرية قدمت رداً رسمياً على ما اعتبرته عرضاً غير متوازن للموضوع.

القدرات النووية الإيرانية.. التحدي الذي يضع الغموض الإسرائيلي أمام اختبار جديد

يمثل البرنامج النووي الإيراني التحدي الأكثر تعقيداً لسياسة الغموض النووي الإسرائيلية؛ لأنه لا يتعلق بمجرد امتلاك دولة إقليمية مفاعلات نووية أو منشآت لتوليد الكهرباء، بل بامتلاك قاعدة علمية وصناعية للتخصيب، وتراكم خبرة فنية، ووجود مخزون من اليورانيوم عالي التخصيب، إلى جانب استمرار الخلاف الدولي حول طبيعة البرنامج وحدود أهدافه النهائية.

وتختلف الحالة الإيرانية عن العراق وسوريا في أن طهران تمتلك برنامجاً نووياً أكثر اتساعاً وتعقيداً، وتراكمت لديها خبرات يصعب محوها بضربة عسكرية واحدة. كما أن البرنامج موزع على منشآت متعددة، ويرتبط بمؤسسات علمية وصناعية وأمنية، وهو ما يجعل التعامل معه مختلفاً عن استهداف مفاعل منفرد.

أ-التمييز بين القدرة النووية وامتلاك القنبلة

من الأخطاء الشائعة في تحليل البرنامج الإيراني مساواة امتلاك اليورانيوم عالي التخصيب بامتلاك سلاح نووي جاهز للاستخدام. فهناك مراحل مختلفة ينبغي التمييز بينها، منها امتلاك دورة وقود نووي وقدرات تخصيب، وإنتاج مخزون من اليورانيوم المخصب بمستويات مرتفعة، وامتلاك المواد الانشطارية اللازمة لصناعة السلاح، وإنجاز عمليات التصميم والتصنيع والتجميع اللازمة لتحويل المادة النووية إلى رأس حربي، وامتلاك وسائل إيصال عسكرية موثوقة، إلى جانب منظومة القيادة والسيطرة اللازمة لإدارة السلاح.

وبالتالي، فإن امتلاك دولة مخزوناً كبيراً من اليورانيوم المخصب لا يعني تلقائياً أنها أصبحت دولة نووية عسكرية، لكنه قد يقلص الزمن التقني اللازم للوصول إلى المادة الانشطارية المطلوبة، إذا اتخذت القيادة السياسية قراراً بالانتقال إلى إنتاج السلاح.

وتشير تقديرات وتقارير منشورة خلال عام 2026م إلى أن البرنامج الإيراني تعرض لضربات عسكرية في يونيو 2025م وفبراير 2026م، وأن حجم الأضرار التي لحقت بمنشآت التخصيب وقدرة إيران على استئناف الإنتاج ظل موضع عدم يقين. كما أشارت تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى وجود مخزون إيراني سابق يضم نحو 440.9 كيلوجراماً من سادس فلوريد اليورانيوم المخصب حتى 60%، فضلاً عن مخزون آخر مخصب حتى 20%. كما أن ضعف قدرة الوكالة الدولية على الوصول إلى بعض المنشآت أو التحقق من المخزونات بعد الضربات يزيد صعوبة تقدير الوضع الحقيقي للبرنامج. فالمشكلة لم تعد تقتصر على معرفة كمية اليورانيوم التي تمتلكها إيران، وإنما تشمل أيضاً معرفة موقع المخزون، وحالة المنشآت، ومدى استمرار الأنشطة المرتبطة بالتخصيب، وإمكان التحقق المستقل من عدم تحويل المواد إلى أغراض عسكرية.

وتوضح جمعية الحد من التسلح أن تراجع نطاق الرقابة الدولية والوصول إلى بعض المنشآت يضعف قدرة الوكالة على تقديم ضمانات شاملة بشأن المواد والمعدات النووية الإيرانية، ويرفع مستوى المخاطر المرتبطة بإمكان استئناف أنشطة التخصيب أو تحويلها. هذا التمييز ضروري لتجنب المبالغة في وصف إيران بأنها تمتلك قنبلة نووية، أو التقليل في المقابل من خطورة امتلاكها قاعدة تقنية ومخزوناً نووياً متقدماً.

ب- إسرائيل تنظر إلى البرنامج الإيراني كتهديد مختلف

تختلف إيران عن العراق عام 1981م وسوريا عام 2007م في أربعة أوجه رئيسية:

1-اتساع البنية النووية: لم يعد البرنامج الإيراني مرتبطاً بمنشأة واحدة يمكن أن يؤدي تدميرها إلى تعطيل المشروع كله، فهناك منظومة علمية وصناعية، وخبرات بشرية، ومنشآت ومراكز متعددة، وهو ما يجعل إزالة القدرة النووية الإيرانية عسكرياً أمراً أكثر تعقيداً.

2-تراكم المعرفة الفنية: حتى إذا تعرضت المنشآت لأضرار مادية، فإن المعرفة العلمية التي اكتسبها العلماء والمهندسون لا تختفي بالضرورة، ومن ثم، قد يؤدي تدمير المعدات والمنشآت إلى تأخير البرنامج، لكنه لا يضمن إنهاء القدرة على استئنافه.

3-البعد السياسي والإقليمي: يرتبط البرنامج النووي الإيراني بمكانة إيران الإقليمية، وبصراعها مع إسرائيل والولايات المتحدة، وبحسابات الردع والأمن القومي. لذلك لا يمكن فصل المسألة النووية عن التنافس الاستراتيجي الأوسع في المنطقة.

4-احتمالات تغير طبيعة الردع: إذا وصلت إيران إلى امتلاك سلاح نووي، أو إلى وضع تقني يجعلها قادرة على إنتاجه خلال فترة قصيرة، فقد تتغير الحسابات الإسرائيلية بشأن التفوق النووي والغموض الاستراتيجي، وقد يصبح من الصعب على إسرائيل الاعتماد على التهديد الضمني وحده في مواجهة خصم يمتلك قدرة ردع مقابلة.

هنا تكمن نقطة التحول الأساسية: إن نجاح إيران في بلوغ العتبة النووية لا يعني بالضرورة نشوب حرب نووية، لكنه ينهي أو يضعف احتكار إسرائيل للقدرة النووية المفترضة في الشرق الأوسط، ويدفعها إلى إعادة النظر في أدوات الردع والسياسة الخارجية.

جـ-هل يمكن أن يؤدي امتلاك إيران السلاح النووي إلى إعلان إسرائيل ترسانتها؟

يُطرح هذا الاحتمال في نقاشات داخل الولايات المتحدة بشأن مستقبل الغموض النووي الإسرائيلي، فامتلاك إيران السلاح النووي قد يدفع إسرائيل إلى الحديث بصورة أكثر علنية عن استراتيجيتها النووية، وإجراء تدريبات تهدف إلى تعزيز صدقية الردع. وفي المقابل، تُطرح ضرورة مراجعة سياسة الغموض، خصوصاً في ظل وجود قوات أمريكية في المنطقة واحتمالات التصعيد. لكن لا توجد ضرورة حتمية لأن تعلن إسرائيل امتلاكها السلاح النووي إذا أصبحت إيران دولة نووية. فهناك ثلاثة اتجاهات محتملة:

-استمرار الغموض: قد ترى إسرائيل أن عدم الإعلان يظل أكثر فائدة من الكشف الرسمي عن الترسانة، حتى مع وجود منافس نووي إقليمي.

-الغموض المعزز: قد تزيد إسرائيل من الإشارات السياسية والعسكرية المرتبطة بقدرتها النووية، من دون إعلان رسمي أو تقديم تفاصيل عن حجم الترسانة.

-الانتقال إلى إعلان جزئي: قد تلجأ إلى قدر من الشفافية بهدف توضيح خطوط الردع، وطمأنة الحلفاء، وإيصال رسالة مباشرة إلى الخصم.

ويتوقف الاتجاه الذي قد تختاره إسرائيل على طبيعة القدرات الإيرانية، ومدى موثوقية التحقق الدولي، والموقف الأمريكي، ومستوى التهديد الذي تعتقد القيادة الإسرائيلية أنها تواجهه.

د-هل تستطيع الضربة العسكرية إنهاء البرنامج الإيراني؟

تُظهر التجربتان العراقية والسورية أن إسرائيل تمتلك تاريخاً من اللجوء إلى القوة لمنع اكتمال برامج نووية إقليمية. لكن إسقاط هذه التجربة على إيران دون مراعاة اختلاف الظروف قد يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة. ففي العراق عام 1981م، استهدفت إسرائيل مفاعلاً محدداً، بينما كانت المنشأة السورية عام 2007م غير مكتملة وغير عاملة. أما إيران، فتملك برنامجاً أوسع، وخبرات بشرية متراكمة، وقدرات صناعية وعلمية متعددة. ومن ثم، فإن الضربات العسكرية قد تؤثر في البنية المادية للبرنامج، وتؤخر بعض أنشطته، لكنها لا تضمن إزالة المعرفة أو إنهاء القدرة على إعادة البناء. وقد يؤدي استمرار الضغط العسكري إلى تعزيز الاتجاهات داخل إيران التي ترى أن امتلاك السلاح النووي هو الضمانة الوحيدة لمنع تكرار الهجمات.

وهنا تظهر المفارقة: قد تسعى إسرائيل إلى منع إيران من امتلاك القنبلة، لكن تكرار الضربات قد يعزز لدى طهران دوافع الوصول إليها. لذلك لا يمكن قياس نجاح السياسة الإسرائيلية بمجرد عدد المنشآت التي تتعرض للتدمير، بل ينبغي النظر إلى أثرها النهائي في سلوك إيران، ومدى قدرتها على استئناف البرنامج، واتجاهات الانتشار النووي في المنطقة.

الغموض النووي الإسرائيلي ومخاطر إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي

لم يعد الغموض النووي الإسرائيلي مسألة ثنائية بين تل أبيب وواشنطن، بل أصبح قضية إقليمية ترتبط بمستقبل الانتشار النووي في الشرق الأوسط، وبالترتيبات الأمنية الخليجية، وبموقع مصر، وبالخيارات التي قد تتخذها إيران والدول العربية الأخرى.

أ-احتمال نشوء سباق نووي إقليمي

إذا أصبحت إيران دولة نووية عسكرية، فقد تجد دول إقليمية أخرى نفسها أمام ضغوط متزايدة لإعادة تقييم سياساتها النووية، وقد تتجه بعض الدول إلى تطوير قدرات نووية مدنية أكثر تقدماً، أو إلى توسيع التعاون النووي مع قوى دولية، أو إلى تبني سياسات تحوط تضمن عدم الاعتماد الكامل على الضمانات الأمنية الخارجية. ويبرز في هذا السياق الموقف السعودي الذي ربط فيه ولي العهد السعودي، في تصريحات سابقة، بين حصول إيران على السلاح النووي وإمكان سعي الرياض إلى امتلاك قدرة مماثلة. كما أن المفاوضات الأمريكية السعودية حول التعاون النووي المدني تكتسب أهمية إضافية في ظل هذا التنافس. وقد أشارت تقارير إلى مخاوف الخبراء من أن يؤدي تآكل نظام الغموض النووي إلى تسارع سباق التسلح في المنطقة. غير أن نشوء سباق نووي ليس نتيجة حتمية؛ إذ يمكن أن تؤدي الضمانات الأمنية والتفاهمات الدولية والرقابة النووية إلى احتواء المخاطر. لكن غياب نظام إقليمي متوازن، واستمرار التفاوت بين وضع إسرائيل النووي والتزامات الدول الأخرى، قد يجعل من الصعب بناء ثقة مستدامة في منظومة منع الانتشار.

ب-الموقف المصري.. بين الاستخدام السلمي للطاقة والأمن الإقليمي

تحتل مصر موقعاً خاصاً في هذه المعادلة؛ فهي من الدول التي دعت تاريخياً إلى جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، وتؤكد حق الدول في الاستخدام السلمي للطاقة النووية وفقاً للالتزامات الدولية. ويعطي مشروع الضبعة هذه السياسة بعداً عملياً جديداً، إذ يعزز قدرة مصر على تطوير الاستخدامات المدنية للطاقة النووية، لكنه في الوقت نفسه يفرض مسؤوليات متزايدة تتعلق بالأمان النووي، والرقابة، وتأمين المنشآت، وحماية سلاسل التوريد.

ويمكن تحديد المصالح المصرية في منع تحول الشرق الأوسط إلى بيئة تتنافس فيها الدول على امتلاك السلاح النووي، وتأكيد حق مصر وسائر الدول في تطوير برامج نووية سلمية دون تمييز، ودعم إخضاع جميع المنشآت النووية في المنطقة، بما فيها المنشآت الإسرائيلية، لنظام رقابي دولي متوازن، وحماية مشروع الضبعة من الضغوط السياسية والإعلامية والاقتصادية، مع عدم تحويل الادعاءات غير المثبتة إلى اتهامات سياسية، وتعزيز القدرة الوطنية على إدارة التكنولوجيا النووية، وتطوير الكفاءات المحلية، وضمان استقلال منظومة الرقابة والسلامة.

وتبرز هنا أهمية التمييز بين امتلاك التكنولوجيا النووية المدنية وامتلاك السلاح النووي، فالتوسع في إنتاج الطاقة النووية لا يعني تلقائياً التوجه نحو التصنيع العسكري، كما أن بناء محطة نووية لا ينبغي أن يكون موضع اشتباه لمجرد وجودها في دولة تقع ضمن منطقة صراع. لكن المساواة في تطبيق معايير منع الانتشار تقتضي في المقابل عدم استثناء دولة من الشفافية والرقابة لمجرد أنها حليف لقوة دولية كبرى.

جـ-العلاقة بين الغموض الإسرائيلي ومشروع الضبعة

التنافس الإقليمي على التكنولوجيا والطاقة والنفوذ قد يخلق بيئة تتعرض فيها المشروعات الاستراتيجية لضغوط متعددة. والأهمية هنا ليست في افتراض أن إسرائيل ستستهدف الضبعة، وإنما في إدراك أن التوسع المصري في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية يدخل ضمن تحولات أوسع في ميزان القوى الإقليمي، ويعزز ضرورة حماية المصالح الوطنية المصرية وفق معايير فنية ومؤسسية واضحة. ومن ثم، ينبغي أن تتعامل القاهرة مع المشروع باعتباره بنية استراتيجية طويلة الأجل، لا مجرد مشروع إنشائي أو اتفاق تجاري مع مورد أجنبي. ويقتضي ذلك امتلاك قدرة مصرية مستقلة على تقييم المخاطر، ومراجعة معايير السلامة، ومراقبة الأداء، وتأمين المعلومات، وتطوير الخبرة الوطنية في جميع مراحل دورة حياة المحطة.

مستقبل سياسة الغموض النووي الإسرائيلي

في ضوء التحولات التي تشهدها المنطقة، يمكن تصور أربعة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الغموض النووي الإسرائيلي، مع التأكيد أن هذه السيناريوهات احتمالات تحليلية وليست تنبؤات مؤكدة.

السيناريو الأول.. استمرار الغموض النووي: استمرارية السياسة القائمة، حيث تواصل إسرائيل عدم الاعتراف الرسمي بامتلاك السلاح النووي، مع الإبقاء على التقديرات الدولية بشأن ترسانتها، وتجنب تقديم معلومات عن حجمها أو جاهزيتها أو شروط استخدامها. ويظل هذا السيناريو قائماً ما دامت إسرائيل ترى أن الغموض يوفر لها مزايا ردعية ودبلوماسية أكبر من الإعلان.

السيناريو الثاني.. الغموض المعزز: زيادة إشارات الردع، وقد تلجأ إسرائيل إلى زيادة التلميحات بشأن قدرتها النووية، أو إبراز عناصر من قدراتها الاستراتيجية، من دون إعلان رسمي. وقد يظهر هذا الاتجاه إذا اقتربت إيران من امتلاك سلاح نووي أو إذا تراجعت الثقة الإسرائيلية بفاعلية الردع التقليدي.

السيناريو الثالث.. الانتقال إلى إعلان جزئي: تغيير محدود في السياسة، وقد تصبح إسرائيل أكثر وضوحاً بشأن طبيعة ردعها النووي، من دون الكشف عن كامل الترسانة أو تفاصيلها. ويمكن أن يرتبط ذلك بتغير البيئة الأمنية الإقليمية أو بظهور منافس نووي يفرض إعادة تعريف قواعد الردع.

السيناريو الرابع.. تصعيد نووي إقليمي: مخاطره مرتفعة، ويتبلور إذا تداخل امتلاك إيران للسلاح النووي مع انهيار قنوات الاتصال والرقابة الدولية، وتصاعد الهجمات العسكرية، وتراجع قدرة القوى الكبرى على ضبط الأزمة. وفي هذه الحالة قد ترتفع احتمالات سوء التقدير أو التهديدات النووية المتبادلة، حتى دون اتخاذ قرار فعلي باستخدام السلاح.

أ-العوامل التي قد تدفع إسرائيل إلى تغيير سياستها

يمكن رصد مجموعة من العوامل التي قد تؤثر في مستقبل الغموض النووي:

-التحول في القدرات الإيرانية: خصوصاً إذا انتقلت إيران من امتلاك قدرات تخصيب متقدمة إلى امتلاك سلاح نووي مثبت.

-موقف الولايات المتحدة: استمرار الدعم الأمريكي أو تغيره قد يؤثر في حسابات إسرائيل المتعلقة بالردع والشفافية.

-تغير البيئة الإقليمية: سواء عبر ظهور ترتيبات أمنية جديدة أو توسع التعاون النووي المدني أو تنامي احتمالات الانتشار العسكري.

-الضغوط الداخلية والخارجية: بما في ذلك النقاشات الأمريكية حول ازدواجية المعايير النووية، ومطالب بعض المشرعين بمراجعة سياسة الغموض.

-مخاطر التصعيد العسكري: إذ قد يصبح الغموض عبئاً على التنسيق مع واشنطن إذا لم تكن هناك تفاهمات كافية بشأن الخطوط الحمراء النووية.

ب-هل يتراجع الغموض بسبب إيران أم بسبب تغير الموقف الأمريكي؟

من الصعب فصل العاملين؛ فالتحدي الإيراني يضع الغموض أمام اختبار أمني، بينما يضع تغير النقاش الأمريكي الغموض أمام اختبار سياسي ودبلوماسي. فإذا استمرت واشنطن في قبول الوضع القائم، فقد تظل إسرائيل قادرة على الحفاظ على سياستها التقليدية. أما إذا تصاعدت المطالب الأمريكية بربط التعاون العسكري والنووي بمزيد من الشفافية، فقد يصبح الغموض موضع تفاوض بين الحليفين.

وتبرز أهمية هذا في أن بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي باتوا يرون أن استمرار تجاهل الترسانة الإسرائيلية يضعف مصداقية السياسة الأمريكية في منع الانتشار النووي، خصوصاً عندما تتبنى واشنطن مواقف متشددة تجاه إيران ودول أخرى.

ما الذي تكشفه التجربة النووية الإسرائيلية؟

تسمح المقارنة بين الغموض النووي، والخيار شمشون، ومبدأ بيجين، والحالة الإيرانية، واستخدامات الطاقة النووية المدنية في مصر، باستخلاص عدة نتائج استراتيجية، منها:

-الغموض النووي ليس مجرد سرية عسكرية، بل أداة لإدارة التوازنات الدولية: فقد سمح لإسرائيل بالاحتفاظ بقدرة ردعية مفترضة، مع تجنب الإعلان الرسمي وما قد يترتب عليه من ضغوط سياسية وقانونية.

-الخيار شمشون يعبر عن تصور للرد الأخير، وليس دليلاً على قرار استخدام نووي وشيك: تظل الظروف التي قد تدفع إسرائيل إلى التفكير في الاستخدام مرتبطة، وفق الدراسات الاستراتيجية، بتهديد وجود الدولة، أو انهيار الردع التقليدي، أو التعرض لهجوم استثنائي واسع. لكن لا توجد قائمة رسمية منشورة تحدد تلك الظروف أو تحولها إلى قواعد استخدام معلنة.

-حرب أكتوبر 1973م تمثل حالة تاريخية مهمة، لكنها لا تثبت أن إسرائيل قررت استخدام القنبلة: الدراسات التي تناولت تلك الفترة تشير إلى نقاش بشأن الاستعداد أو الخيار الاستعراضي، لكنها لا تقدم دليلاً حاسماً على صدور أمر باستخدام السلاح النووي.

-مبدأ بيجين يعكس استعداد إسرائيل لاستخدام القوة لمنع ظهور قدرة نووية لدى خصومها: لكن التجربتين العراقية والسورية توضحان أن تدمير المنشآت لا يساوي بالضرورة إزالة المعرفة أو إنهاء الدوافع السياسية المرتبطة بالبرنامج النووي.

-الحالة الإيرانية تختلف جوهرياً عن الحالتين العراقية والسورية: اتساع البرنامج الإيراني وتراكم الخبرات وتعدد المنشآت يجعل إنهاءه بضربة واحدة أمراً غير مضمون، كما أن استمرار الضغط العسكري قد يدفع إلى تعزيز الاتجاهات الداعية لامتلاك السلاح النووي باعتباره ضمانة أمنية.

-مشروع الضبعة لا ينبغي إدراجه في دائرة الاتهام أو الاستهداف دون دليل: التصريحات المنسوبة إلى رئيس روساتوم جرى توضيحها لاحقاً باعتبار أن المقصود أساساً حملات تضليل ومعلومات مضللة، وليس تخريباً مادياً مثبتاً، لكن حساسية المشروع تفرض على مصر مواصلة تطوير منظومة الأمان والحماية والرقابة المستقلة.

-استمرار التفاوت النووي يضعف مصداقية نظام منع الانتشار: من الصعب بناء نظام إقليمي مستقر إذا استمرت دولة في الاحتفاظ بقدرات نووية خارج نظام المعاهدة، بينما تواجه دول أخرى ضغوطاً لمنعها من تطوير برامج نووية سلمية أو عسكرية.

الشرق الأوسط بين احتكار الردع وتعدد مراكز القوة النووية

تشير التحولات الراهنة إلى أن الشرق الأوسط يقترب من مرحلة تصبح فيها الأسئلة النووية أكثر حضوراً في حسابات الأمن الإقليمي، فلم يعد الأمر مقتصراً على البرنامج الإسرائيلي غير المعلن، أو البرنامج الإيراني محل الخلاف الدولي، بل بات مرتبطاً أيضاً بتوجهات دول الخليج، ومستقبل التعاون النووي المدني، وموقع مصر في معادلة الطاقة والتكنولوجيا، ودور القوى الكبرى في إدارة التوازنات.

ومن منظور استشرافي، يمكن القول إن المنطقة تواجه ثلاثة تحديات مترابطة:

1-تحدي ازدواجية المعايير: إن استمرار الغموض النووي الإسرائيلي، مع عدم انضمام إسرائيل إلى معاهدة عدم الانتشار، يثير تساؤلات حول مدى عدالة النظام الدولي، ولا يعني ذلك أن جميع البرامج النووية متطابقة في طبيعتها أو مستوى التزامها، لكنه يعني أن أي نظام مستدام لمنع الانتشار ينبغي أن يقوم على قواعد عامة لا تستثني دولة بسبب تحالفاتها السياسية.

2-تحدي الانتقال من الضربة الوقائية إلى الردع المتبادل: أظهرت التجربتان العراقية والسورية أن إسرائيل مستعدة لاستخدام القوة لمنع نشوء قدرات نووية لدى خصومها، لكن الحالة الإيرانية توضح حدود هذا النهج؛ إذ قد لا يؤدي تدمير المنشآت إلى إنهاء البرنامج، بل إلى إعادة بنائه بصورة أكثر سرية أو إلى تعزيز الدوافع السياسية لامتلاك السلاح. وإذا تحولت إيران إلى دولة نووية، فقد يصبح الشرق الأوسط أمام معادلة ردع متبادل أكثر تعقيداً، تتراجع فيها فاعلية الضربات الوقائية، وترتفع فيها مخاطر سوء التقدير والتصعيد.

3-تحدي حماية البرامج النووية المدنية: تؤكد تجربة الضبعة أن التوسع في الاستخدام السلمي للطاقة النووية يجب ألا يتحول إلى مصدر توتر إقليمي، أو أن يُعامل باعتباره خطوة نحو امتلاك السلاح النووي. وفي الوقت نفسه، فإن حماية المشروعات المدنية لا تتحقق بالخطاب السياسي وحده، بل تحتاج إلى رقابة فنية مستقلة، ومعايير سلامة صارمة، وتأمين للبنية التحتية، وشفافية في التعامل مع أي ادعاءات أو حوادث.

د-ما الذي ينبغي أن تركز عليه مصر؟

تقتضي المصلحة الاستراتيجية المصرية التحرك في أربعة اتجاهات متوازية:

-دعم إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، باعتبارها إطاراً جماعياً لا يقتصر على مطالبة دولة واحدة بالتخلي عن قدراتها.

-تأكيد حق الدول في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، مع الالتزام الكامل بالضمانات الدولية وعدم الانتشار.

-تعزيز منظومة حماية الضبعة، وتطوير القدرات الوطنية في مجالات الأمان النووي والأمن السيبراني والرقابة والتشغيل.

-متابعة التحولات في البرنامجين الإسرائيلي والإيراني، ليس من خلال الخطاب الإعلامي وحده، بل عبر التقييمات الفنية والتقارير الدولية والوثائق الرسمية.

-تتحول مصر من مجرد مراقب لتطورات التوازن النووي الإقليمي إلى طرف فاعل في صياغة قواعده السياسية والقانونية، ما يحافظ على حقها في التطور التكنولوجي، ويحول دون انزلاق المنطقة إلى سباق تسلح يهدد أمنها واستقرارها.

ختاما

توضح دراسة الغموض النووي الإسرائيلي أن السلاح النووي لم يُنظر إليه باعتباره وسيلة عسكرية للطوارئ فحسب، بل مثّل أحد مرتكزات الاستراتيجية الإسرائيلية لتحقيق الردع وضمان التفوق الإقليمي وإدارة العلاقة مع الولايات المتحدة. وقد مكّنت سياسة الغموض إسرائيل من الاحتفاظ بقدرة نووية دون الإعلان الرسمي عنها، ما يضمن استمرار تأثيرها في حسابات الخصوم، ويجنبها في الوقت نفسه الضغوط السياسية والالتزامات القانونية والدولية التي قد تترتب على الاعتراف بامتلاك هذا السلاح.

وفي المقابل، يكشف “الخيار شمشون” عن الحد الأقصى الذي يمكن أن يصل إليه تفكير الردع الإسرائيلي في ظروف تهدد وجود الدولة، لكنه لا يمثل دليلاً على قرار معلن أو آلية مؤكدة للاستخدام. كما توضح حالتا العراق وسوريا أن إسرائيل اعتمدت سياسة هجومية لمنع خصومها من الوصول إلى قدرات نووية، وهو ما تجسد في ضرب مفاعل أوزيراك عام 1981م والمنشأة السورية في دير الزور عام 2007م.

غير أن التحدي الإيراني يختلف عن الحالتين؛ فامتداد البرنامج وتراكم الخبرة والقدرة على إعادة بناء المنشآت يجعل من الصعب افتراض أن الضربات العسكرية قادرة وحدها على إنهائه. وإذا وصلت إيران إلى امتلاك السلاح النووي، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام معادلة ردع مختلفة، تفرض عليها إعادة النظر في سياسة الغموض أو تعزيزها، بينما تزداد احتمالات انتشار القدرات النووية في المنطقة.

أما بالنسبة إلى مصر، فإن مشروع الضبعة يمثل مساراً للتطوير السلمي والتكنولوجي، ولا تتوافر أدلة كافية على تعرضه لمحاولات تخريب مادي إسرائيلية. والتوضيح الذي أصدرته روساتوم بشأن تصريحات مديرها العام يفرض التمييز بين حملات التضليل الإعلامي وبين التخريب الفعلي، مع ضرورة مواصلة حماية المشروع وفق أعلى المعايير الفنية والأمنية.

وهكذا يتضح أن الشرق الأوسط يواجه معادلة نووية غير متوازنة: إسرائيل تحتفظ بقدرة نووية غير معلنة، وإيران تمتلك قاعدة تقنية متقدمة تثير مخاوف الانتشار، ودول أخرى تعيد حساباتها الأمنية، بينما تسعى مصر إلى تطوير الاستخدام السلمي للطاقة النووية. وفي ظل هذه المعادلة، لن يكون الاستقرار الإقليمي مضموناً بمجرد منع دولة من امتلاك السلاح أو تدمير منشآتها، بل يتطلب معالجة أصل الاختلال، وإخضاع القدرات النووية في المنطقة لمعايير متوازنة، وبناء نظام إقليمي يضمن حق الاستخدام السلمي ويمنع التسلح النووي ويحد من مخاطر التصعيد.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version