د. محمد محسن أبو النور

رئيس وحدة الدراسات الإيرانية

 

في مساء الجمعة 30 أكتوبر 2026م، نشرت وسائل إعلام عربية مسودة عمل أولية للإطار المقترح للمفاوضات الأمريكية ــ الإيرانية تضمنت استكشاف التزام مبكر من الجانب الإيراني بشأن مخزونه من اليورانيوم عالي التخصيب، بما في ذلك إمكانية نقل هذه المواد إلى دولة ثالثة متفق عليها أو خفض مستوى تخصيبها، وذلك رهنا بترتيبات فنية وتدابير تحقق متفق عليها بين الطرفين.

ويتضمن إطار العمل أيضا مناقشة ترتيبات إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية الدولية في غضون سبعة أيام من التوصل إلى تفاهم مبدئي، من خلال تدابير بناء ثقة متبادلة تنفذها الأطراف يومياً، بهدف خفض حدة التوترات وضمان سلامة وأمن الملاحة البحرية الدولية، وجاء في المقترح استكشاف إنشاء آلية دولية لضمان التنفيذ المتبادل للالتزامات التي تعهدت بها الولايات المتحدة وإيران، بما في ذلك النظر في دور محتمل للصين كضامن لتنفيذ أي اتفاق ينتج عن ذلك واستدامته، وهو ما يحاول هذا التحليل تتبع أسبابه وفرص نجاحاته.

أولا: الثقل الاقتصادي الصيني كضامن للوساطة الأمريكية ــ الإيرانية

لا يمكن تقييم قدرة الصين على ضمان أي اتفاق أمريكي إيراني بمعزل عن ثقلها الاقتصادي والنفطي داخل إيران، ووفقا للجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأمريكية الصينية USCC، تستوعب الصين نحو 90 بالمئة من صادرات النفط الإيرانية، وتوفر لطهران أحد أهم مصادر الإيرادات في مواجهة العقوبات الأمريكية، وقد قدر مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، استنادا إلى بيانات شركة كبلر لتتبع الناقلات، واردات الصين من النفط الإيراني بنحو 1.38 مليون برميل يوميا خلال 2025، من إجمالي واردات صينية قياسية بلغت 11.6 مليون برميل يوميا في العام نفسه.

وكذلك بلغت التجارة الصينية ــ الإيرانية المسجلة رسميا 13.37 مليار دولار في 2024، وفق وزارة الخارجية الصينية، بينما قدرت USCC التجارة الثنائية في 2025 بنحو 9.96 مليار دولار، إضافة إلى نحو 31.2 مليار دولار من صادرات النفط الإيراني غير المسجلة في البيانات الجمركية الصينية.

ومن المؤكد أن هذه الأرقام تمنح بكين قدرة فعلية على التأثير في الموارد الاقتصادية الإيرانية، لكنها تكشف أيضا حدود هذا النفوذ، ذلك أن الصين تستطيع الضغط على طهران من خلال مشترياتها النفطية، لكنها لا تستطيع إجبارها على تقديم تنازلات تمس تصورها لأمنها القومي، كما أن إيران تمثل نحو 10 إلى 15 بالمئة من واردات الصين النفطية، وفق تقرير USCC، بما يعني أن بكين تمتلك بدائل متعددة لمصادر الطاقة ولا ترتبط بإيران وحدها.

ثانيا: الخبرة الصينية في تسوية النزاعات الإيرانية

تستند أهلية الصين للوساطة إلى تجربة دبلوماسية سابقة ذات دلالة، وهي الاتفاق السعودي ــ الإيراني الذي أُعلن في بكين يوم 10 مارس 2023، بعد مفاوضات استمرت من 6 إلى 10 مارس، وأسفرت عن اتفاق لاستئناف العلاقات الدبلوماسية وإعادة فتح السفارات خلال شهرين، إلى جانب تفعيل اتفاقية التعاون الأمني الموقعة عام 2001.

وتكمن أهمية التجربة في أن الصين استطاعت جمع خصمين إقليميين يمتلكان مصالح متعارضة، والاستفادة من علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الطرفين للوصول إلى تفاهم، لكن يجب عدم المبالغة في إسقاط هذه التجربة على الملف الأمريكي ــ الإيراني، لأن الاتفاق السعودي ــ الإيراني كان تسوية دبلوماسية ثنائية، بينما يتضمن الملف الإيراني قضايا أكثر تعقيدا تتعلق بالتخصيب النووي والعقوبات والصواريخ الباليستية والوجود العسكري الأمريكي وأمن الملاحة.

كذلك شاركت الصين ضمن مجموعة الدول الست (P5+1) في الاتفاق النووي الإيراني المبرم في 14 يوليو 2015، وأسهمت في ترتيبات التعاون النووي، ومنها إعادة تصميم مفاعل آراك، ومع ذلك، فإن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في 8 مايو 2018، بقرار من الرئيس دونالد ترامب، رغم مشاركة الصين والقوى الكبرى فيه، يقدم دليلا عمليا على أن وجود بكين طرفا في التفاوض لا يكفي لضمان استمرار الالتزام الأمريكي.

ثالثا: القبول الأمريكي بالوساطة الصينية مع إيران

من المهم التمييز بين قبول واشنطن بدور صيني، في الوساطة المساعدة وبين الوساطة الصينية الحصرية، بمعنى أن الولايات المتحدة تستطيع الاستفادة من قدرة بكين على التأثير في الاقتصاد الإيراني، خصوصا أن الصين هي المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، لكنها لا تبدو مضطرة إلى منحها سلطة مستقلة في إدارة المفاوضات أو تحديد مستقبل العقوبات الأمريكية.

وتزداد حساسية المسألة بالنظر إلى أن الصين نفسها تستفيد من استمرار تدفق النفط الإيراني بأسعار وظروف تجارية تتيحها العقوبات، وهو ما يجعلها طرفا يمتلك مصالح اقتصادية مباشرة في نتيجة التسوية، وليس وسيطا محايدا بالمعنى التقليدي، وهو ما يقال علنا في وسائل الإعلام الإيرانية الإصلاحية التي ترى أن الصين أحد أهم المستفيدين من الصراع الأمريكي ــ الإيراني على نحوه الراهن.

وفي المقابل، ترتبط بكين بمصالح أكبر مع بقية دول الخليج العربي، إذ أشار تقرير USCC إلى أن قيمة التجارة الصينية مع السعودية والإمارات في 2025 بلغت نحو 108 مليارات دولار مع كل منهما، كما أن مضيق هرمز يمثل مصلحة صينية حيوية، فقد أفادت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) بأن متوسط تدفقات النفط عبر المضيق بلغ نحو 20 مليون برميل يوميا في 2024، بما يعادل قرابة 20 بالمئة من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، فيما تشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن نحو 80 بالمئة من النفط الذي يعبر المضيق يتجه إلى الأسواق الآسيوية رأسا.

عليه فإن بكين لديها مصلحة مباشرة في منع إغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة، حتى لو تطلب ذلك ممارسة ضغوط على طهران، ومن هنا، يمكن لواشنطن قبول الدور الصيني في استخدام هذه المصالح لتشجيع إيران على التفاوض، من دون أن تقبل بالضرورة تحويل الصين إلى شريك في صياغة السياسة الأمريكية تجاه إيران.

وتتمثل المشكلة الرئيسية في أن الضمانات السياسية والاقتصادية التي تستطيع الصين تقديمها تختلف عن الضمانات القانونية والأمنية والتنفيذية، فبكين يمكنها التعهد باستخدام علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية للحفاظ على الاتفاق، وربط بعض أشكال التعاون والاستثمار مع إيران بمدى التزامها ببنوده، والمشاركة في آليات المتابعة الدولية، لكن اتفاق التعاون الإستراتيجي الشامل الموقع بين الصين وإيران في مارس 2021، والممتد على مدى 25 عاما، والذي ارتبط بتقديرات استثمارية تصل إلى 400 مليار دولار، لم يتحول إلى استثمارات منفذة بهذا الحجم، كما أن العلاقة بين البلدين لا تتضمن معاهدة دفاع مشترك تلزم الصين بالتدخل عسكريا لحماية إيران.

رابعا: إمكانية نجاح الوساطة الصينية بين أمريكا وإيران

من المؤكد أن بكين لا تستطيع أن تضمن امتناع الإدارات الأمريكية المقبلة عن الانسحاب من الاتفاق أو إعادة فرض العقوبات، وهي المشكلة التي كشفتها تجربة 2018، لذلك فإن أي اتفاق جديد يحتاج إلى آلية متعددة الأطراف تتضمن رقابة فنية مستقلة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وجدولا زمنيا متبادلا لرفع العقوبات وتنفيذ الالتزامات النووية، وإجراءات محددة للتعامل مع الخروقات، فضلا عن ترتيبات واضحة بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز، ويمكن للصين أن تكون طرفا في هذه الآلية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل المؤسسات الدولية أو الإرادة السياسية للطرفين.

في تقديري، فإن الدور الصيني الأكثر قابلية للتحقق يتمثل في المشاركة في منظومة ضمان متعددة الأطراف، وليس تولي مسؤولية الضمان منفردة، بمعنى أن التطورات الدبلوماسية الأخيرة تعكس استمرار أهمية الوساطة الإقليمية، إذ أفادت تقارير دولية يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026 بأن الوسطاء القطريين قدموا إلى طهران مسودة جديدة لإنهاء الحرب، تتضمن سبعة أيام من إجراءات بناء الثقة، مع بحث مشاركة عدة دول في ضمان الاتفاق، في وقت ظل فيه الخلاف قائما بشأن أولوية معالجة البرنامج النووي الإيراني مقابل إنهاء الحصار البحري والعقوبات على صادرات النفط.

كما نشرت إيران أن نائب الرئيس الأمريكي دي فانس راسل أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي يوم الخميس 29 أكتوبر 2026 بشكل مباشر من دون وسيط، كما تواجد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في العاصمة الروسية موسكو وحضر اجتماعات القمة الروسية ــ الإفريقية يومي الأربعاء والخميس 28 و 29 أكتوبر 2026 ومن المؤكد أن الجانبين الروسي والإيراني تناولا السبل الممكنة لإنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز برغم استفادة روسيا القصوى من إغلاق المضيق الحيوي المهم.

وفي مثل هذه الصيغة، يمكن للصين وروسيا والأطراف الإقليمية المشاركة في الضمانات السياسية، وتؤدي قطر وباكستان وسلطنة عمان أدوارا في الوساطة وتيسير الاتصال، بينما تتولى الوكالة الدولية للطاقة الذرية التحقق من الالتزامات النووية.

خاتمة

خلاصة ما أعلاه أن المفارقة الإستراتيجية هنا تكمن في أن الولايات المتحدة تحتاج إلى النفوذ الاقتصادي الصيني على إيران، لكنها تتحفظ على تحويل هذا النفوذ إلى مكسب سياسي وإستراتيجي لبكين في الخليج العربي في حين تريد الصين الحفاظ على علاقاتها مع طهران، من دون التضحية بمصالحها التجارية الأوسع مع دول المنطقة أو الدخول في التزامات عسكرية لا ترغب في تحملها في الظرف الراهن.

ولذلك، فإن المعيار الحقيقي لنجاح الدور الصيني لن يكون قدرتها على جمع واشنطن وطهران حول طاولة المفاوضات، وإنما قدرتها على جعل المصالح الاقتصادية والسياسية للطرفين مرتبطة باستمرار الاتفاق، ضمن آلية تحقق ومحاسبة لا يستطيع أي طرف تعطيلها منفردا.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version