حسين محمود التلاوي
المستلخص:
يشهد القرن الأفريقي تحولات استراتيجية كبرى، تبرز في إنشاء قاعدة عسكرية إماراتية بمدينة بربرة تخدم مصالح أمريكية وإسرائيلية، ما يمنح تل أبيب موطء قدم لتأمين الملاحة في باب المندب، ويفرض تهديدات مباشرة على الأمن القومي المصري وقناة السويس. وبالتوازي، تسعى إثيوبيا لتعزيز دورها كلاعب إقليمي عبر استضافة حوارات حول الحوكمة البحرية رغم وضعها كدولة حبيسة، إضافةً إلى طموحها لتحقيق سيادة طاقية عبر مصادر متجددة ونووية. ومع ذلك، تصطدم هذه الطموحات بعقبات جيوسياسية، وتحديات تمويلية، وأزمات شرعية مع الصومال، ما يجعل المساعي الإثيوبية تواجه تعقيدات ميدانيّة وقانونية بالغة.
حفلت الصحف العالمية ومراكز الأبحاث الإثيوبية بالعديد من الموضوعات حول ملفات تتعلق بمنطقة القرن الإفريقي؛ وفي مقدمتها التنافس على البحر الأحمر وأمن الممرات البحرية. وتقدم هذه الورقة إضاءة على أبرز تلك التقارير مع نظرة تحليلية سريعة توضح آثار تلك التطورات على الأمن القومي لمصر والقرن الإفريقي بوجه عام.
إسرائيل في باب المندب
نشرت الجريدة الفرنسية “لوموند” تقريرًا بعنوان “مطار بربرة.. قاعدة عسكرية استراتيجية في طور النمو”، عن تشييد قاعدة عسكرية في إقليم أرض الصومال الانفصالي، في تطور لافت في منطقة القرن الإفريقي. وأشار التقرير إلى أن هذه القاعدة تخدم مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل. فذكرت الجريدة أن الإمارات العربية المتحدة تُسارع الخطى لتطوير مطار مدينة بربرة الساحلية وتحويله إلى قاعدة عسكرية تخدم مصالحها ومصالح حلفائها في واشنطن وتل أبيب. وأضاف التقرير أن صور الأقمار الاصطناعية تكشف توسعًا ملحوظًا في هذه المنشأة الاستراتيجية منذ أكتوبر 2025م، استغلالًا لموقعها الفريد الذي يطل مباشرةً على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، موضحًا أن هذا التحرك العسكري، الذي جاء بعد اعتراف إسرائيل المفاجئ باستقلال صوماليلاند، خطوةً دبلوماسيةً تهدف أساسًا إلى إيجاد موطء قدم استراتيجي في خليج عدن. وأشار التقرير إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يسعى، عبر هذا المركز المتقدم، إلى تأمين الملاحة في مضيق باب المندب ومواجهة التهديدات الصادرة من السواحل اليمنية؛ وبوجه خاص بعد إعلان المليشيات الحوثية الحرب وتوعدها بإغلاق باب المندب.
وفي حال كون ما ورد في التقرير صحيحًا فإنه يمثل تطورا مهما من قبل الإمارات وإسرائيل، وسوف يكون له تداعيات على أمن البحر الأحمر، والقرن الإفريقي، وشرق القارة الإفريقية. ويمكن إجمال تلك التداعيات فيما يلي:
1-سوف يتيح هذا التحرك منصة أمنية وعسكرية لإسرائيل تسمح لها بالتحكم في حركة الملاحة في باب المندب، ما ينعكس بدوره على قناة السويس؛ مثلما حدث عندما أطلق الحوثيون عملياتهم العسكرية الصاروخية ضد إسرائيل على خلفية الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة.
2-في ظل العلاقات الجيدة بين الإمارات وإثيوبيا وإسرائيل، يمكن إتاحة خدمات ميناء بربرة لإثيوبيا في إطار اتفاقيات بين الإمارات وإثيوبيا تماثل اتفاق القاعدة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ ما يمنح إثيوبيا منفذًا على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
3- تكرس هذه الخطوة انفصال إقليم أرض الصومال عن دولة الصومال، ويجعل من مهمة استعادة الصومال السيطرة على الإقليم أكثر صعوبة.
4- يمنح هذا الإجراء إسرائيل موطء قدم مباشرًا في القرن الإفريقي؛ ما يجعلها لاعبًا رئيسًا له حضوره في قضايا الإقليم.
كل ما سبق يمثل تداعيات مباشرة أوليَّة، تمثل تهديدات حقيقية للأمن القومي المصري؛ حيث يعد القرن الإفريقي أحد المجالات الحيوية والاستراتيجية المهمة لمصر لتشابكه مع عدة ملفات؛ منها ملف سد النهضة، وأمن البحر الأحمر، والممرات المائية.
ورقة ميناء بوصاصو
ووسط هذه التطورات السياسية والأمنية في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر يظهر اسم ميناء بوصاصو الصومالي باعتباره “خيارًا سياديًّا” للدولة الصومالية يمكن من خلاله مواجهة خطوات تطوير ميناء بربرة ومطارها؛ ومن ثم كسب جولة ضد محاولات دعم انفصال إقليم أرض الصومال. يعزز ذلك الطرحَ عدةُ عوامل تتراوح بين الجغرافيا والعلاقات الدولية، ويمكن إجمال أهمها فيما يلي:
1-الأمن القومي المصري: بما أن العلاقات المصرية الصومالية تمر بمرحلة من التنسيق الاستراتيجي العالي، فإن ميناء بوصاصو يمثل نقطة ارتكاز مثالية للأمن القومي المصري. بينما تهدد قاعدة بربرة أمن قناة السويس بوجود إسرائيلي مباشر، يمكن لمصر- عبر دعم استقرار وتطوير موانئ الصومال السيادية (مثل بوصاصو ومقديشو)- أن توجِد توازنا قويا يمنع انفراد أي قوة معادية لها بالتحكم في خليج عدن.
2-خيار سيادي صومالي: يمثل تطوير بوصاصو وتعزيز دوره الرد العملي من الصومال وحلفائها لكسر الحصار الجيوسياسي الذي يحاول محور “أديس أبابا – تل أبيب” فرضه عبر بربرة؛ حيث يمثل الميناء سيادة الدولة الصومالية على الرغم من طبيعة الحكم الفيدرالي.
3-الاستقرار ليس في الانفصال: في حالة نجاح تطوير ميناء بوصاصو ما يجعله منافسًا لميناء بربرة، يمكن أن يمثل خطوة مهمة نحو تفكيك سردية قادة أرض الصومال بأن الإنفصال ضرورة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي. لذلك يمثل تطوير بوصاصو إشارة مهمة إلى أن الصومال بيئة تنموية واستثمارية ناجحة لا داعي للانفصال عنها لتحقيق النمو.
مؤتمر عن البحر الأحمر في “دولة حبيسة“
أورد “معهد الشئون الخارجية الإثيوبي” التابع لوزارة الخارجية الإثيوبية تقريرًا بعنوان “انطلاق حوار البحر الأحمر وخليج عدن في أديس أبابا”. ذكر التقرير أن المعهد استضاف في السابع من أبريل 2026م، الدورة الرابعة من “حوار البحر الأحمر وخليج عدن”، بحضور “مجموعة من الخبراء وصناع القرار”؛ حيث بحث المشاركون سبل تعزيز الحوكمة البحرية تحت شعار “الشمولية والربط من أجل المصالح المشتركة”، سعيًا إلى صياغة رؤية إقليمية موحدة “تخدم تطلعات الدول المطلة على هذه الممرات الحيوية”. وأضاف التقرير أن النقاشات تركزت حول محاور الأمن البحري والتعاون المشترك، إضافةً إلى استكشاف الفرص الاقتصادية الكامنة في تعزيز الربط الإقليمي.
وعلى الرغم من أن المؤتمر لم يشهد حضورًا قويًّا، إلا أن إثيوبيا تهدف من انعقاد المؤتمر الترويج لنفسها إعلاميًّا بأنها من الدول الفاعلة في منطقة البحر الأحمر وملفاته؛ وهو ما يتفق مع سياسة الدولة الإثيوبية في تنظيم الحملات الإعلامية الداخلية والخارجية للترويج لسردياتها في القضايا المختلفة. لكن المؤتمر انطوى على العديد من الإشكاليات التي يصعب إخفاؤها بحملات إعلامية، ونجمل هذه الإشكاليات فيما يلي:
1-إشكالية الشرعية والمشاركة: تثير استضافة إثيوبيا لهذا الحوار تساؤلات بعض القوى الإقليمية؛ لأن إثيوبيا دولة “حبيسة” ليس لها سواحل مباشرة على البحر الأحمر. ويرى منتقدون أن محاولة أديس أبابا قيادة منصة للحوكمة البحرية تمثل سعيًا لفرض دور محوري في ملف تراه الدول المشاطئة (مثل مصر والسعودية) حقًّا أصيلًا لها حصرًا؛ وهو ما يُحدِث نوعًا من التنافس على “شرعية المبادرة”.
2-التوترات مع الصومال: يأتي انعقاد المنتدى في ظل توتر حاد بين أديس أبابا ومقديشو؛ وبوجه خاص بعد توقيع إثيوبيا مذكرة تفاهم مع إقليم صوماليلاند الانفصالي للحصول على منفذ بحري وقاعدة عسكرية. يلقي هذا النزاع بظلاله على شعار “الشمولية” الذي يرفعه المنتدى؛ إذ ترى الصومال في التحركات الإثيوبية انتهاكًا لسيادتها؛ ما يجعل أي حديث عن “تعاون بحري” برعاية إثيوبية أمراً مثيراً للجدل قانونيًّا وسياسيًّا.
3-تضارب المصالح الدولية: يُعد البحر الأحمر ساحةً تصفية حسابات دولية كبرى؛ فبينما تسعى إثيوبيا عبر هذا المنتدى إلى جذب استثمارات وحلفاء جدد، تصطدم هذه الرؤية بوجود قواعد عسكرية متضاربة المصالح (أمريكية، وصينية، وأخرى إسرائيلية). يجعل هذا التزاحم من الوصول إلى “حوكمة شاملة” أمرًا معقدًا؛ حيث يخشى البعض أن يكون المنتدى غطاءً لشرعنة وجود عسكري لجهات معينة على حساب أمن المنطقة القومي.
أزمة الوقود في إثيوبيا: الطاقة النووية بديلًا؟
وفي خطوة توضح أثر الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، نشر معهد الشئون الخارجية الإثيوبي تقريرًا بعنوان “الرهان الإثيوبي الاستراتيجي: الطاقة المتجددة والنووية” يتناول ما يتعين على إثيوبيا فعله لتجاوز أزمة الوقود الحالية الناجمة عن تعطل الإمدادات بسبب الحرب في الخليج؛ بحيث يكون حلًّا مستدامًا. يقول التقرير إن إثيوبيا تطمح، عبر استراتيجيتها الطاقية الجديدة، إلى تحقيق سيادة وطنية تنهي ارتهانها لتقلبات سوق الوقود الأحفوري والأزمات الجيوسياسية في الممرات المائية. ويضيف أن هذه الرؤية الجديدة تهدف إلى رفع الإنتاج إلى 14 ألف ميجاوات بحلول عام 2030م من خلال تنويع الموارد المتجددة (رياح، وشمس، وطاقة حرارية) لتجاوز مخاطر المناخ وتأمين احتياجات الصناعة. ويقول التقرير أن الدولة تعمل، بالتوازي مع ذلك، على التأسيس لخيار الطاقة النووية السلمية كضمانة طويلة الأمد لتدفق الطاقة، مع التركيز حاليًّا على بناء الأطر المؤسسية والكوادر البشرية.
وفي نبرة تفاؤلية يقول التقرير أن مكاسب هذه الرؤية لا تتوقف عند الحدود المحلية، بل تمتد لتعزيز النفوذ الإقليمي عبر مشروعات الربط الكهربائي؛ مثل الخط الرابط مع كينيا، “ما يحول قطاع الطاقة إلى أداة فاعلة للتكامل الاقتصادي والريادة السياسية في القرن الأفريقي”. وعلى الرغم من هذه النبرة المتفائلة للتقرير فإنه يتجاهل العديد من الأمور وفي مقدمتها:
1-الفجوة بين التخطيط والتمويل الفعلي: يركز التقرير على الأهداف الطموحة لعام 2030م (الوصول إلى 14 ألف ميجاوات)، لكنه يغفل حجم الفجوة التمويلية الهائلة المطلوبة لتحقيق ذلك؛ فإثيوبيا تعاني من أزمة سيولة في العملات الأجنبية وارتفاع في حجم الدين العام؛ ما يجعل الاعتماد على “استثمارات القطاع الخاص” أمرًا محفوفًا بالمخاطر؛ وبوجه خاص في ظل بيئة استثمارية قد تتأثر بالاضطرابات السياسية الداخلية.
2-إشكالية الاعتماد المفرط على الطاقة الكهرومائية: على الرغم من أن الموضوع ذكر ضرورة التنويع، فإن الواقع يشير إلى أن الهيدروليكا لا تزال تهيمن على أكثر من 90% من الشبكة الوطنية. يؤدي هذا التركيز الشديد إلى جعل الأمن القومي الطاقي عرضةً لتقلبات المناخ وسنوات الجفاف المتكررة في منطقة القرن الأفريقي؛ فبدون تسريع حقيقي ومكلف لمشاريع الرياح والشمس، سيظل النظام الكهربائي الإثيوبي هشًّا أمام التغيرات الهيدرولوجية.
3-التحديات اللوجستية والأمنية لشبكات الربط: يفترض التقرير أن خطوط الربط الإقليمية (مثل الخط الإثيوبي-الكيني) أدوات نفوذ سياسي فقط، لكنه يتجاهل المخاطر الأمنية التي تحيط بهذه البنية التحتية؛ فمرور خطوط نقل الطاقة عبر مناطق تشهد نزاعات مسلحة أو نشاطًا لجماعات متمردة يجعل استمرارية تدفق الطاقة وتصديرها رهينةً للاستقرار الأمني الميداني؛ وهو أمر لا يمكن ضمانه كليًّا في الوقت الراهن.
4-إغفال مدى كفاءة الشبكة المحلية: يركز التقرير على “توليد” الطاقة وتصديرها، لكنه لا يتطرق بشكل كافٍ إلى مشاكل التوزيع الداخلي، فإثيوبيا تعاني من معدلات فقد عالية في الشبكة المتهالكة، كما أن نسبة كبيرة من السكان لا تزال تفتقر إلى الكهرباء أساسًا. لذلك فإن بناء السيادة الطاقية يتطلب إصلاحًا جذريًّا لشبكات التوزيع المحلية، وليس فقط بناء محطات توليد ضخمة للتصدير.
5-المبالغة في تقدير الجاهزية النووية: يتحدث التقرير عن الخيار النووي كـ”تحوط طويل الأمد”، لكنه لا يوضح الكلفة الزمنية والمادية والسياسية الباهظة لهذا المسار؛ فبناء محطة نووية واحدة قد يستغرق عقودًا، ويتطلب استثمارات تفوق ميزانية الدولة لسنوات. بالإضافة إلى ذلك، هناك التعقيدات المرتبطة بمعايير السلامة الدولية والتخلص من النفايات؛ ما يجعل طرحه حاليًّا أقرب إلى الطموح السياسي منه إلى الواقع التقني القريب، لاسيما وأنها دولة حبيسة وتلك المشروعات تحتاج لتأمين تدفق مائى مستدام.
6-القيود الجيوسياسية والأمنية: تثير الطموحات النووية، في منطقة مضطربة مثل القرن الأفريقي، مخاوف دولية وإقليمية؛ فالحصول على التقنية النووية يتطلب ضمانات أمنية صارمة لمنع تسرب المواد أو تعرض المنشآت لهجمات في ظل النزاعات الداخلية المستمرة. كذلك فإن بناء مفاعلات نووية يتطلب استقرارًا سياسيًّا طويل الأمد؛ وهو تحدٍ يواجه الدولة الإثيوبية التي تسعى جاهدةً لتثبيت أركان السلم الأهلي.

