د. خلود عبد الحفيظ
باحثة في وحدة الدراسات الإيرانية
تحتل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي المقرر إجراؤها في 3 نوفمبر 2026 مكانة متزايدة في الصحافة الإيرانية، ليس باعتبارها شأنًا أمريكيًا داخليًا وإنما لأنها تجري في ظل مواجهة مباشرة بين طهران وواشنطن، كما أنها تأتي في وقت يواجه فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطًا سياسية واقتصادية متزايدة بسبب الحرب مع إيران.
وتكشف متابعة الصحف الإيرانية الأصولية والإصلاحية أن هناك اتفاقًا على أهمية الانتخابات بالنسبة إلى مستقبل سياسة ترامب، لكن الخلاف يظهر في تفسير دلالتها، فلا تدور المسألة في الصحافة الإيرانية حول سؤال بسيط من نوع “هل سيفوز الديمقراطيون أم الجمهوريون؟”، وإنما حول سؤال أكثر أهمية بالنسبة إلى طهران “كيف يمكن أن تؤثر الحاجة الانتخابية لترامب في قراره بشأن الحرب والتفاوض مع إيران؟”.
الأصوليون: انتخابات نوفمبر اختبار لترامب وللحزب الجمهوري
تقدم صحيفة “كيهان” الأصولية (بالعربية: العالم) واحدة من أوضح القراءات المحافظة للانتخابات، ففي مقال لها حمل عنوان “ترامپ ممکن است زودتر از موعد به اردک لنگ تبدیل شود”، أي (قد يتحول ترامب إلى بطة عرجاء قبل الموعد)، نشر بتاريخ 30 مايو ربطت الصحيفة بين الحرب على إيران وبين احتمال تراجع قدرة ترامب على إدارة المرحلة المقبلة.
واستخدام تعبير “البطة العرجاء” يحمل معنى سياسي فهو مفهوم سياسي أمريكي يشير إلى رئيس أو مسؤول فقد أو يوشك أن يفقد جزءًا من قدرته السياسية على فرض أجندته خصوصًا عندما تتغير موازين القوى داخل الكونغرس، وبهذا المعنى تنظر كيهان إلى انتخابات نوفمبر باعتبارها اختبارًا ليس لترامب وحده وإنما لقدرة الحزب الجمهوري على تحمل نتائج سياسته الخارجية، وهذه نقطة مهمة في الخطاب الأصولي فالصحيفة تحاول نقل النقاش من سؤال “من الأقوى عسكريًا؟” إلى سؤال “من يستطيع تحمل تكلفة الحرب سياسيًا؟”.
أما صحيفة “وطن امروز” الأصولية (بالعربية: الوطن اليوم) فتقدم زاوية أخرى أكثر ارتباطًا بتغير المجتمع السياسي الأمريكي ففي مقال لها بعنوان “نه آمریکایی‌ها به سیستم دوحزبی”، أي (الأمريكيون يديرون ظهورهم لنظام الحزبين)، ركزت الصحيفة على صعود الناخبين الذين يقدمون أنفسهم كمستقلين ونقلت عن تحليل لمؤسسة جالوب أن 45 بالمئة من الناخبين الأمريكيين مستقلين، ودلالة هذا الرقم مهمة جدًا فالصحيفة لا تريد أن تقول فقط إن ترامب قد يخسر بعض الناخبين وإنما تحاول الإشارة إلى تغير عميق في السياسية الأمريكية، فالناخب الذي لا يرتبط بصورة ثابتة بالجمهوريين أو الديمقراطيين يصبح أكثر قابلية للتأثر بالقضايا اليومية مثل الاقتصاد وأسعار الوقود والحرب وهذا يجعل الانتخابات غير خاضعة لتحكم الحزبين بشكل كبير.
وهنا يمكن فهم سبب اهتمام الإعلام الأصولي بفكرة خسارة الجمهوريين للأغلبية في الكونجرس فالمسألة بالنسبة لهم ليست أن الديمقراطيين سيصبحون أكثر صداقة مع إيران، ذلك أن الصحف المحافظة لا تقدم الديمقراطيين باعتبارهم طرفًا يمكن الوثوق به في الملف الإيراني، وإنما الفكرة هي أن أفضل نتيجة بالنسبة لهم ليست فوز الديمقراطيين بل ظهور كونجرس أكثر قدرة على محاسبة الرئيس وأقل استعدادًا لمنحه حرية واسعة في مواصلة الحرب.
ولعل هذا ما يفسر لماذا تركز الصحافة المحافظة على الانقسامات داخل الحزب الجمهوري وعلى النواب الجمهوريين الذين بدأوا يعترضون على استمرار الحرب.
كيف تتحول الانتخابات إلى ورقة ضغط على واشنطن؟
تقدم صحيفة “فرهیختگان” الأصولية (بالعربية: النخب) قراءة مختلفة قليلًا وأكثر تفصيلًا للعلاقة بين الحرب وانتخابات نوفمبر، ففي مقالها اللافت المنشور يوم 17 أغسطس تحت عنوان “ترامپ! چی فکر می‌کردی، چی شد؟”، أي (ترامب! ماذا كنت تعتقد؟ وماذا حدث؟)، تربط الصحيفة بين الحرب ومضيق هرمز وحركة ناقلات النفط وأسعار البنزين ثم تنتقل إلى الداخل الأمريكي، وهذه الطريقة في بناء المقال تكشف عن فكرة أساسية أن ما يحدث في المضيق لا يبقى في المضيق، فإذا أدى استمرار الحرب إلى تعطيل حركة النفط وارتفاع أسعار الطاقة، فإن تأثير ذلك ينتقل في النهاية إلى الانتخابات، فإيران من وجهة نظرهم لا تحتاج إلى التأثير مباشرة في الناخب الأمريكي يكفي أن تؤثر الحرب في أسعار الطاقة حتى تنتقل آثارها إلى الداخل الأمريكي، وتزداد أهمية هذه الفكرة عندما نضعها في سياق ما نشرته الصحافة عن انخفاض شعبية ترامب والقلق من أداء الاقتصاد.
لكن الصحافة الإصلاحية تقدم هنا تصحيحًا مهمًا لهذه القراءة، ففي صحيفة “هم‌میهن”، (بالعربية: بنو الوطن) نقلت عن الدبلوماسي الإيراني السابق “كوروش أحمدي” رأيًا أكثر حذرًا وهو أن استمرار الحرب يمكن بالفعل أن يضر بالحزب الجمهوري في الانتخابات، لكن إنهاء الحرب بصورة سريعة قد يضر بترامب أيضًا إذا ظهر أمام الناخب الأمريكي باعتباره رئيسًا بدأ حربًا ولم يحقق أهدافها، ولذلك لا يرى أحمدي أن ترامب سينهي الحرب لمجرد اقتراب انتخابات التجديد النصفي، وهذه نقطة فارقة بين الخطابين فبينما تميل بعض الصحف المحافظة إلى التركيز على أن الانتخابات تضغط على ترامب تطرح القراءة الإصلاحية سؤالًا معاكسًا ماذا لو أصبح الضغط الانتخابي نفسه سببًا يدفع ترامب إلى التصعيد؟
ولذلك فإن الصحافة الإصلاحية في قراءتها الأكثر حذرًا لا ترى الانتخابات طريقًا مضمونًا إلى التفاوض وإنما عاملًا يزيد حساسية ترامب تجاه نتائج الحرب وهذا فارق مهم جدًا لأن ارتفاع حساسية الرئيس للانتخابات قد يدفعه إلى التفاوض أو إلى التصعيد حسب طبيعة الوضع السياسي في ذلك الوقت.
الإصلاحيون: خسارة ترامب لا تعني بالضرورة سياسة أمريكية أفضل لإيران
يميل الإعلام الأصولي إلى تقديم الانتخابات كفرصة لإظهار ضعف النظام الأمريكي وتناقضاته الداخلية، بينما يميل الخطاب الإصلاحي إلى التركيز على أن السياسة الأمريكية تجاه إيران لا يصنعها ترامب وحده، وهذا يعني أن تغيير تركيبة الكونغرس قد يؤثر في قدرة الرئيس على التحرك لكنه لا يعني أن واشنطن ستتحول فجأة إلى سياسة أكثر مرونة تجاه طهران، وهذه الفكرة تجعل القراءة الإصلاحية أقل احتفالًا باحتمال خسارة الجمهوريين وأكثر اهتمامًا بالسؤال ما الذي سيحدث لسياسة إيران إذا أصبح ترامب أضعف لكنه بقي في الوقت نفسه مقتنعًا بأن عليه تحقيق نتيجة قبل نهاية الدورة الانتخابية؟
وتكشف متابعة الخطاب الإصلاحي كذلك عن اهتمام أكبر بالتفاوض باعتباره وسيلة لتقليل الخسائر وليس انتصارًا لطرف على آخر، ففي هم‌میهن جرى التركيز على أن استمرار الحرب وارتفاع أسعار الطاقة قد يضغطان على ترامب لكن الصحيفة في الوقت نفسه نقلت تحليلات ترى أن الرئيس الأمريكي لن يتخلى بسهولة عن صورة الانتصار، ومن هنا تصبح الانتخابات في القراءة الإصلاحية نافذة للتفاوض أكثر منها وسيلة لتغيير سياسة ترامب، فإذا تمكنت طهران من إقناع واشنطن بأن استمرار الحرب سيكلف الرئيس انتخابيًا واقتصاديًا أكثر مما سيحقق له يمكن أن تتوسع فرص التفاوض أما إذا اعتقد ترامب أن التراجع سيجعله يبدو ضعيفًا فقد يحدث العكس تمامًا.
وهنا نصل إلى النقطة التي تجمع بين الصحافة الأصولية والإصلاحية فرغم اختلافهما لا يبدو أن أيًا منهما يرى أن إيران تستطيع بناء استراتيجيتها على اسم الحزب الذي سيفوز في نوفمبر فقط، فالأصوليون يركزون على إضعاف ترامب وتكلفة الحرب والانقسامات داخل الولايات المتحدة بينما يحذر الإصلاحيون من المبالغة في أثر الانتخابات ويشيرون إلى أن ضعف ترامب قد يقود إلى مزيد من التشدد، ولذلك فإن المصلحة الإيرانية من وجهة نظرهم لا تكمن في انتظار فوز الديمقراطيين وإنما في استثمار الضغوط التي تسبق الانتخابات لتحسين شروط التفاوض وتقليل قدرة ترامب على تحويل الحرب إلى إنجاز انتخابي.
خاتمة
تكشف متابعة الصحافة الإيرانية أن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية 2026 أصبحت جزءًا من حسابات طهران تجاه واشنطن، لكن الصحف الإيرانية لا تنظر إليها بالطريقة نفسها. فالصحافة الأصولية تركز بدرجات مختلفة على تكلفة الحرب داخل الولايات المتحدة وتحاول أن تثبت أن استمرار الحرب لا يضغط على إيران وحدها وإنما بدأ يفرض تكلفة على الرئيس الأمريكي نفسه.
أما الصحافة الإصلاحية فتتخذ موقفًا أكثر حذرًا فهي تقر بأن الانتخابات قد تصبح عامل ضغط على ترامب، لكنها ترفض اعتبار ذلك ضمانة لإنهاء الحرب لأن الرئيس قد يخشى أيضًا أن يظهر أمام الناخبين بمظهر الرئيس الذي بدأ حربًا ولم يحقق أهدافها.
ومن ثم فإن الاختلاف الحقيقي بين التيارين ليس في أهمية الانتخابات وإنما في تقدير كيفية تأثيرها في سلوك ترامب وفي الحالتين فإن أهم ما تكشفه الصحافة الإيرانية هو أن طهران لا تنظر إلى 3 نوفمبر باعتباره يومًا ستتحدد فيه سياستها تجاه واشنطن وإنما باعتباره نقطة نهاية لمرحلة من الضغوط التي يمكن استثمارها قبل وصول الناخب الأمريكي إلى صناديق الاقتراع.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version