د.محمد أحمد صالح
تشير المعطيات الاستراتيجية إلى أن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران تمثل نمطًا جديدًا من الحروب المركبة متعددة الجبهات، حيث تتداخل العمليات العسكرية المباشرة مع الضغط الاقتصادي، والحرب النفسية، والتفاعلات الداخلية.
تُظهر هذه الورقة أن الحرب الحالية تمثل اختبارًا بنيويًا عميقًا للمجتمع الإسرائيلي، حيث لا يُقاس النجاح فقط بالنتائج العسكرية، بل بقدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها الداخلي، فالتأثير الأعمق للحرب لا يقتصر على النتائج العسكرية، بل يمتد إلى إعادة تشكيل البنية الداخلية للمجتمع الإسرائيلي، مع احتمالية انتقال الصراع إلى مستوى داخلي: اجتماعيا وسياسيا. وهذا يؤكد على أن الحروب الحديثة تُحسم بقدر ما في الداخل، كما في الميدان.
الطبيعة الاستراتيجية للحرب الحالية
-خصائص الحرب: حرب متعددة الجبهات تشمل إيران، ولبنان، والعراق، واليمن، واستهداف متبادل بين العمقين: الإسرائيلي والإيراني، واستهداف القواعد والمصالح الأمريكية في بعض دول الخليج، ودمج بين القوة العسكرية التقليدية، والحرب السيبرانية، والضغط الاقتصادي,
–مستوى التصعيد: تصعيد قابل للامتداد الزمني: من أيام إلى أسابيع وقد يصل إلى شهور، وقابل أيضا للتحول إلى حرب إقليمية شاملة.
التأثيرات على المجتمع الإسرائيلي
أ-التأثيرات النفسية والاجتماعية: رغم أن المجتمع الإسرائيلي يعتمد على مايسميه الجاهزية الأمنية فإنه بات يعيش صدمة جماعية نتيجة تهديدات غير مسبوقة، فقد طالته الصواريخ بعيدة المدى، فارتفعت معدلات القلق، والاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، فضلا عن انهيار روتين الحياة اليومية مع تعطل حركة المواصلات وإغلاق الطرق، لتغلق المؤسسات التعليمية، وتعطّل الحياة العامة، والاعتماد على العيش في الملاجئ.
-التماسك مقابل التفكك:
| المرحلة | التأثير |
| بداية الحرب | وحدة وطنية قوية |
| منتصف الحرب | بداية التساؤلات |
| طول الحرب | انقسام داخلي حاد |
التأثيرات الاقتصادية
-الانكماش وشلل جزئي في الاقتصاد: توقف السياحة بشكل كامل، وانخفاض الاستثمارات الأجنبية، لتكون النتيجة تراجع الناتج المحلي 5% إلى 12%.
-قطاع التكنولوجيا (النقطة الحرجة): يشكل هذا القطاع عمود الاقتصاد الإسرائيلي، وقد تأثر بتجنيد قوات الاحتياط، وهروب بعض الشركات ونقل عملياتها إلى الخارج.
-العبء المالي: ارتفاع الإنفاق العسكري بشكل ضخم، لتصل تكلفة الحرب من 50- 120 مليار دولار، وهذا يترتب عليه ارتفاع العجز، وزيادة الدين العام، وفرض المزيد من الضرائب.
ب-التأثيرات العسكرية والأمنية
-استنزاف عسكري: تعبئة مئات الآلاف من الجنود والضباط واستدعاء قوات الاحتياط، ما يمثل ضغطا على الموارد البشرية.
-الجبهة الداخلية: على عكس الحروب التقليدية تحوّلت المدن الكبرى، مثل تل ابيب وحيفا وغيرهما إلى أهداف مباشرة، وضغط على منظومات الدفاع، مثل القبة الحديدة وحيتس وغيرهما.
-ارتفاع الخسائر: خسائر بشرية تعني آلاف القتلى والجرحى، وأضرار واسعة بالبنية التحتية.
جـ-التأثيرات على القطاع الصحي
تمثلت هذه التأثيرات في ضغط شديد على المستشفيات، لنجد أقسام الطوارئ ممتلئة، ونقص الكوادر الطبية بسبب استدعاء الأطباء للاحتياط، وأزمة متصاعدة في الصحة النفسية، وزيادة الطلب على العلاج النفسي، وخدمات الدعم الاجتماعي، والعمل بنظام طوارئ طويل الأمد، وتحويل مرافق مدنية إلى طبية.
د-التأثيرات على القطاع التعليمي
تمثلت هذه التأثيرات في توقف التعليم الحضوري لإغلاق المدارس لفترات طويلة، والانتقال إلى التعليم الإلكتروني عبر الانترنت، مايعني فجوة تعليمية طويلة المدى بين المناطق الأكثر قصفًا، وتأثير طويل المدى على التحصيل الدراسي.
هـ-التأثيرات على البنية التحتية
تمثلت هذه التأثيرات في تدمير جزئي لأحياء ومباني سكنية، وتعطّل خدمات أساسية مثل الكهرباء والمياه في بعض المناطق، وتكلفة إعادة إعمار ضخمة، فضلا عن الضغط على الشرطة، والإسعاف، والدفاع المدني.
و-التفاعلات الداخلية: تمثل هذه التفاعلات وتداعياتها أكبر تهديد للاستقرار الداخلي:
-العلمانيون في مواجهة المتدينين: على الرغم من أن العلاقة بين المتدينين والعلمانيين داخل إسرائيل أصلًا متوترة نسبيًا، والحرب الكبيرة-خصوصًا مع دولة بحجم إيران- تعمل كـ”اختبار ضغط” لهذه العلاقة: أحيانًا توحّدهم مؤقتًا، وأحيانًا تفجّر الخلافات بشكل أعمق. الحرب فجرت أزمة التجنيد، فمع استدعاء الاحتياط بكثافة ضغط ذلك على المجتمع، ليسأل العلمانيون: لماذا نحن نقاتل بينما فئات لا تخدم؟ هذا أدي إلى احتجاجات ضد إعفاء الحريديم ومطالب بتجنيد إجباري للجميع. كما كشف الصراع على هوية الدولة: المتدينون يرون الحرب “معركة دينية وجودية”، والعلمانيون يرونها قضية أمن وسياسة. أضف إلى ذلك أن الضغط الاقتصادي زاد التوتر، فإذا تضرر الاقتصاد، العلمانيون (الطبقة العاملة) يشعرون أنهم يتحملون العبء، والحريديم (الذين يعتمد بعضهم على دعم حكومي) يصبحون هدفًا للانتقاد. أي كلما زادت مدة الحرب والخسائر، زادت احتمالية أن تتحول العلاقة بين المتدينين والعلمانيين من “توتر مزمن” إلى “أزمة داخلية حقيقية”.
-الأمن في مواجهة السلام: نجد في البداية تعزيزا دور الحكومة والجيش مؤقتًا، لكن لاحقًا نجد محاسبة سياسية شديدة، واحتمال سقوط حكومات، وتصاعد الجدل بين التيارات الأمنية والتيارات الداعية للحلول السياسية.
-الحريديم: ضغط كبير لمطالبتهم بأداء الخدمة العسكرية، واحتمال نشوب المزيد من الاحتجاجات الداخلية.
-فلسطينيو الداخل في إسرائيل: كانوا قبل الحرب مواطنين إسرائيليين لكن بهوية مزدوجة: فلسطينية ثقافيًا، إسرائيلية قانونيًا، ويعانون من تمييز واضح. وإذا كانت الحرب مع إيران غالبًا ترتبط بالصراع الإقليمي، يشعر فلسطينو الداخل بالتضامن مع الفلسطينيين، لكنهم يعيشون داخل إسرائيل، فهذا تسبب فى توترا داخليا شديدا، وهذا في النهاية يعني توتر الهوية، واحتمالية نشوب اضطرابات داخلية.
التحليل الزمني لمراحل الحرب: المظاهر والنتائج والتداعيات
-المرحلة الأولى (0–3 أشهر): الصدمة والتماسك والضغط الشامل: على المستوى الاجتماعي تماسك نسبي، وتبني شعار “كلنا ضد الخطر”، وقبول بالتضحيات، أي وحدة وطنية، ودعم كامل للحكومة، عبر تعبئة عسكرية ضخمة، وصدمة نفسية جماعية، وتعطّل جزئي للاقتصاد.
-المرحلة الثانية (3–6 أشهر): التآكل الداخلي: مع طول أمد الحرب يبدأ المجتمع في “التآكل” من الداخل، فترتفع معدلات الاكتئاب والقلق والتعب من حياة الطوارئ، وتزداد معدلات البطالة وتراجع وجود شركات واستثماراتها، ما يضغط على الطبقة الوسطى، كما تنظم الاحتجاجات وتبرز الخلافات حول إدارة الحرب، والتجنيد (خصوصًا الحريديم)، والخسائر. هنا يُطرح السؤال: “هل الحرب تستحق هذا الثمن؟”.
-المرحلة الثالثة (6–12 شهر): الانقسام الحاد: إذا استمرت الحرب طويلًا يحدث تصدع اجتماعي واضح بين المتدينين والعلمانيين، واليهود وفلسطيني الداخل. كما ستنظم احتجاجات واسعة ضد الحكومة وضد فئات معينة داخل المجتمع، وتتزايد معدلات التوترات الأمنية الداخلية، لتسود الاضطرابات في مدن مختلطة مثل اللد حيفا، كما حدث في أحداث مايو 2021م في إسرائيل لكن بشكل أكبر.
-المرحلة الرابعة (سنة وأكثر): نقطة التحول: إعادة تشكيل المجتمع، أو حدوث أزمة داخلية عميقة، عبر أربعة سيناريوهات على النحو التالي:
-السيناريو الأول – إعادة تشكيل المجتمع (الأكثر واقعية): يشهد المجتمع تغييرا في قوانين التجنيد، والعلاقة بين الدين والدولة، وصعود قوى سياسية جديدة، وإعادة تعريف “العقد الاجتماعي”. وهذا يعني أن المجتمع يتغير، لكنه لا ينهار.
-السيناريو الثاني – أزمة داخلية عميقة: تأخذ مظاهر عديدة منها فقدان الثقة بالحكومة، وانقسامات حادة جدًا، وموجات هجرة عكسية، أي نزوح من البلاد. وهذا يعني أن تظل الدولة قائمة، لكنها ضعيفة داخليًا.
–السيناريو الثالث – انهيار شامل (ضعيف الاحتمال): يحتاج تحقيق هذا السيناريو حرب طويلة جدًا وخسائر ضخمة جدًا، وانهيار اقتصادي حاد، وانقسام داخل الجيش نفسه. هذا السيناريو غير مرجح حاليًا بسبب قوة المؤسسات والدعم الخارجي.
السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو: إلى أي حد يمكن أن يصل التأثير؟ الحقيقة هي أن أقصى مدى واقعي هو تآكل شديد في التماسك الاجتماعي، وتصاعد الانقسامات الداخلية، وإعادة تشكيل الواقع سياسيا واجتماعيا بصورة عميقة. لكن ليس من السهل أن يتحول إلى انهيار كامل أو حرب أهلية شاملة. والحقيقة هي أن الخطر الحقيقي من الحرب الطويلة ليس فقط الصواريخ، بل ما تفعله ببطء داخل المجتمع نفسه.
المنطق يقول إن أي دولة قد تحقق مكاسب عسكرية واضحة، وفي الوقت نفسه تدفع ثمنًا داخليًا يضعفها سياسيًا واجتماعيًا. لكن هذا ليس سيناريو حتميا؛ يحيث عتمد على مدة الحرب، وحجم الخسائر، وطريقة إدارة الداخل.
الخسارة من الداخل: المفهوم والتداعيات
هنا يطرح سؤال جوهري: ماذا تعني “الخسارة من الداخل؟”، ليس المقصود بها الهزيمة العسكرية، بل تآكل الثقة بين مكونات المجتمع، وأزمة شرعية سياسية، وضغط اقتصادي ونفسي طويل، وصعوبة تحويل “النصر العسكري” إلى استقرار دائم، أي تكسب المعركة، لكن تخرج بمجتمع أضعف.
تحدث الخسارة من الداخل إذا زادت معدلات الإرهاق الطويل ( (War Fatigue، فكلما طالت الحرب تتآكل القدرة النفسية للمجتمع، ويتزايد طرح الأسئلة: “إلى متى؟ ولماذا؟”، وتظهر احتجاجات وانتقادات لإدارة الحرب. كما يتعمق أيضا الانقسام الداخلي عبر ظهور ملفات حساسة ومثيرة للتوترات، مثل التجنيد (خصوصًا الحريديم)، والعلاقة بين الدين والدولة، والتوتر بين اليهود وفلسطيني الداخل، وقد تتكرر وتكبر أحداث مثل أحداث مايو 2021 في إسرائيل. أضف إلى ذلك التكلفة الاقتصادية الثقيلة التي تظهر في تراجع الاستثمار والسياحة، والضغط على الشركات، خصوصًا التكنولوجية، وزيادة الدين والضرائب. وهذا يعني ضغطا على الطبقة الوسطى، وهي وقود الاحتجاجات. كما يصعب تحويل النصر إلى استقرار، فقد تتحقق أهداف عسكرية، لكن التهديد لا يختفي بالكامل، والجبهات تبقى مفتوحة فيشعر الفرد أن “النصر غير مكتمل”.
هذه الخسارة الداخلية تكون مرجحة إذا طال أمد الحرب لشهور أو سنوات، وارتفعت معدلات الخسائر البشرية والاقتصادية، وأديرت الانقسامات الداخلية بشكل سيئ. وتصبح أقل احتمالًا إذا أصبحت الحرب قصيرة وواضحة الأهداف، وتشكل إجماع سياسي واسع، مع تعويض اقتصادي ودعم خارجي قوي. وهنا تبرز فكرة جوهرية مفادها أن الداخل قد يحسم نتيجة الحرب بقدر الميدان.
تقديرات كمية
| المؤشر | قبل الحرب | بعد سنة |
| النمو | +3% | -5% إلى -12% |
| البطالة | 3% | 8% – 12% |
| العجز | 3% | 8% – 15% |
| الخسائر | — | آلاف القتلى |
السيناريوهات الاستراتيجية
-سيناريو الحسم السريع: حرب قصيرة، واستقرار نسبي، وخسائر محدودة.
-سيناريو الاستنزاف (الأرجح): حرب طويلة، وتآكل اقتصادي واجتماعي، وانقسام داخلي.
-سيناريو الانفجار الداخلي: اضطرابات واسعة، وفقدان الثقة بالمؤسسات، وأزمة سياسية عميقة.
الاستنتاجات الاستراتيجية
-الحرب متعددة الجبهات تعني ضغطا شاملا على كل قطاعات الدولة.
-مدة الحرب تمثل العامل الحاسم في مستوى الأضرار والخسائر.
-الخطر الأكبر يأتي من الداخل وليس فقط على المستوى العسكري.
– هناك إمكانية تحقيق مكاسب عسكرية، يقابلها خسارة داخلية على المستوى السياسي والاجتماعية.
ختاما يمكن القول إن حربا بهذا الحجم لن تكون مجرد مواجهة عسكرية، بل تحول شامل في المجتمع الإسرائيلي، وضغط متزامن على كل القطاعات: النفسية، والاقتصادية، والأمنية، والتعليمية. وكلما طالت الحرب واتسعت جغرافيًا، زادت احتمالية تآكل الاستقرار الداخلي وليس فقط الخسائر المباشرة.
