أحمد يحيى – باحث في وحدة الدراسات الإيرانية
يشعر المسؤولون الإسرائيليون بقلق متزايد إزاء توسع إيران في إنتاج برنامجها للصواريخ الباليستية، الذي تضرر جراء الضربات العسكرية الإسرائيلية في وقتٍ سابق من هذا العام، ويستعدون الآن لإحاطة الرئيس دونالد ترامب بالخيارات المتاحة لشن هجوم جديد عليه.
mostbetونقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، علي فائز، قوله: “المصانع الصاروخية الإيرانية تعمل 24 ساعة يوميًا”، مبرزًا أن مسؤولين إيرانيين أخبروه أن “إيران تستعد لإطلاق 2000 صاروخ دفعة واحدة” على إسرائيل في الحرب المقبلة، “لإغراق الدفاعات الإسرائيلية”، بعدما أطلقت 500 صاروخ فقط خلال الجولة السابقة.
البرنامج الصاروخي وتشابك الملفات
أظهرت الحرب الأخيرة، برغم استهداف إسرائيل لقدرات إيران الصاروخية ونجاحها في التصدي لأغلب الصواريخ الإيرانية، أن الملف الصاروخي الإيراني هو الخطر الأهم الذي يواجه إسرائيل في الوقت الراهن، ربما بما يفوق الملف النووي وملف الوكلاء الإقليميين. وكذلك ترى إسرائيل في ترميم وتطور قدرات إيران الصاروخية- بجانب ترميم منظومة الدفاع الجوي وقدرات الوكلاء، والعمل على معالجة الاختراقات والثغرات الأمنية- عوامل تساعد إيران على حماية ما تبقى من قدراتها النووية وإعادة تفعيل مشروعها النووي.
وعليه لم يعد من الممكن- وفق الرؤية الإسرائيلية- فصل الملفات، والعودة للتفاوض على تنازلات إيرانية فيما يخص الملف النووي فقط، بل يجب أن تشمل المفاوضات ما تراه إسرائيل طيف التهديدات الإيرانية بالكامل، بما يشمل الملفين النووي والصاروخي، بجانب ملف عناصر محور المقاومة، وهو ما يتضمن خطوطًا حمراء للنظام الإيراني لا يقبل التفاوض بشأنها وفق ما يعلنه.
محفزات عودة العمل العسكري
من المهم التأكيد على أن حرب الـ12 يوما أسقطت الخطوط الحمراء وقواعد الاشتباك، وبالتالي جعل هذا الأمر الذهاب للعمل العسكري خيارا غير مستبعد، وكذلك عدم التوصل لأي ترتيبات سياسية ملزمة بين الأطراف عقب وقف إطلاق النار يجعل من الطرفين في حالة حرب مفتوحة بالفعل.
بالتالي فإن التأثيرات السلبية لحرب الـ12 يوما على إيران وإعادة تفعيل العقوبات عليها ومختلف الأطراف وحقيقة نواياهم وجدوى المسار الدبلوماسي، مع غياب أي أفق للحل الدبلوماسي حتى الآن، في ظل تحول الردع من مانع للحرب وضامن للسلام إلى مجرد عامل يحدد الفواصل الزمنية بين جولات الحرب.
إضافة إلى ذلك فإن الوقت يتيح لإيران ترميم منظومات الدفاع الجوي، وقدراتها الصاروخية، ومساعدة وكلائها على إعادة بناء قوتها، خاصة حزب الله، بجانب سعيها لتطوير سلاح الجو بطائرات مقاتلة روسية، وهو ما يصعب تصور قبوله من قبل إسرائيل.
سياسة الغموض النووي
من المؤكد أن استخدام إيران إستراتيجية الغموض، فيما يخص قدراتها النووية، وحقيقة نواياها فيما يخص سياستها الإقليمية وإستراتيجيتها الدفاعية، كورقة ردع ومساومة، يحفز إسرائيل للتحرك لكسر حالة الغموض.
ومن المهم التأكيد على أن عقيدة إسرائيل الاستباقية، في ظل دروس السابع من أكتوبر، وكذلك دروس حرب الـ12 يوما ضد إيران، واحتفاظ إسرائيل بالمبادرة وحرية العمل، يعزز احتمالية التحرك عسكريًا ضد إيران وقدراتها الدفاعية وأصولها في المنطقة، في ظل سعي إيران لترميم قدراتها والاستفادة من دروس الجولة السابقة، وعملها على معالجة الاختراقات والثغرات الأمنية التي شكلت سلاحا رئيسا لإسرائيل في الجولة السابقة.
وتشير تلك التطورات إلى أن الترتيبات الإقليمية وفق الرؤية الأمريكية الشاملة تعجل من الرغبة في معالجة التهديد الذي يمثله النظام الإيراني في الإقليم جنبا إلى جنب مع احتياج نتنياهو إلى استمرار حالة الحرب للبقاء سياسيا.
خاتمة
الأمر لم يعد محصورا في تقديم إيران تنازلات بخصوص مشروعها النووي، بل أصبحت المساومة على أسس إستراتيجية إيران الدفاعية- الأسلحة الإستراتيجية، والوكلاء، والملف النووي- بشكل صريح ومعلن، وهي خطوط حمراء لإيران، خاصة الملف الصاروخي، ما يزيد من تعقيد الموقف ويعرقل العودة للمسار التفاوضي ويرجح مسار العمل العسكري، ما يجعل السؤال ليس “هل تعود الحرب بين إيران وإسرائيل؟” بل “متى تنطلق الجولة القادمة؟”.

