د. محمد صالح
يدور الحديث في إسرائيل الآن حول تعيين رومان جوفمان لرئاسة جهاز الموساد، بعدما تم اختياره وترشيحه فعليًا،على أن يتولى المنصب في يونيو 2026م خلفا للرئيس الحالي دافيد برنياع.
من هو رومان جوفمان؟
ضابط برتبة لواء في الجيش الإسرائيلي، ويشغل حتى الآن منصب السكرتير العسكري لرئيس الوزراء، رشحه بنيامين نتنياهو في ديسمبر 2025م، مع مصادقة رسمية لاحقًا، على أن يبدأ مهامه في يونيو 2026م خلفًا لدافيد برنياع.
سيرته الذاتية
عمل جوفمان ضابطا عاملا في الجيش الإسرائيلي، وتحديدا في سلاح المدرعات، كما تولّى مناصب عملياتية وقيادية، منها قيادة وحدات مدرعة، ورئاسة مراكز عمليات حكومية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أصبح لاحقًا سكرتيرًا عسكريًا لنتنياهو، وهو منصب حساس قريب جدًا من مركز صناعة القرار واتخاذه، وشارك ميدانيًا في أحداث 7 أكتوبر 2023م وأُصيب خلالها. من هنا ينظر إلى جوفمان على أنه ليس من داخل جهاز الموساد، وهو مايثير جدلًا واسعًا؛ لأن المنصب يُمنح عادة لشخصيات استخباراتية مخضرمة.
منطلقاته الأيديولوجية
لا يُعرف جوفمان كمنظّر أيديولوجي صريح، لكن يمكن استنتاج توجهاته من مسيرته وعلاقاته، فيُصنفه البعض ضمن التيار الأمني العسكري الصلب (Security-first approach)؛ لأنه قريب من توجهات اليمين الإسرائيلي، خاصة دعم الحلول العسكرية، والميل لاستخدام القوة في غزة، وتشير تقارير إلى أنه طرح أفكارًا مثل إدارة عسكرية مباشرة لقطاع غزة بعد الحرب، فمنطلقاته ليست أيديولوجية بقدر ما هي براجماتية-عسكرية تميل للتشدد.
علاقته بنتنياهو
علاقة جوفمان بنتياهو هي المفتاح لفهم هذا التعيين، فهو من أقرب الشخصيات لنتنياهو، فقد عمل معه مباشرة كسكرتير عسكري ومستشار أمني ملازم له، فيوصف بأنه شديد الولاء، ويحافظ على أسراره، ويدافع عنه حتى في القضايا السياسية والقضائية. هكذا يُفهم تعيينه على نطاق واسع على أنه تعيين ثقة وولاء أكثر من كونه تعيين خبرة استخباراتية.
دور سارة نتنياهو
تقارير إعلامية إسرائيلية أشارت إلى وجود تأثير غير مباشر لـسارة نتنياهو في دوائر التعيين بشكل عام، لكنها ليست جهة رسمية، وبالتالي الدور هنا غير موثق مؤسسيًا، ويُفهم ضمن سياق نفوذها المعروف داخل محيط نتنياهو، أي لا توجد أدلة قاطعة على أنها “قررت”، لكن يُرجح أنها ضمن شبكة التأثير المحيطة بالقرار.
الجدل والانتقادات
وجهت انتقادات داخل جهاز الموساد نفسه بأن جوفمان “يفتقر للخبرة الاستخباراتية العميقة”، لتبرز المخاوف من الاستقالات داخل جهاز الموساد، وتسييس المؤسسة الأمنية. لهذا وصف محللون التعيين بأنه محاولة من نتنياهو لإحكام السيطرة على الأجهزة الأمنية عبر شخصيات موالية له.
مستقبله السياسي
هناك سيناريوهان رئيسيان حول مستقبله داخل الموساد:
-سيناريو النجاح: إذا نجح في إدارة الموساد قد يتحول إلى لاعب أمني-سياسي كبير، وربما يدخل حلبة السياسة لاحقًا، كما حدث مع رؤساء أجهزة سابقين.
-سيناريو الفشل: بسبب نقص الخبرة الاستخباراتية قد يواجه صدامًا مع النخبة المهنية داخل الموساد، أو يفشل في إدارة العمليات المعقدة.
دلالات تعيين جوفمان في بنية القرار الإسرائيلي
يحمل تعيين جوفمان ثلاث رسائل أساسية، أولها انتقال مركز الثقل من الموساد بوصفه مؤسسة استخباراتية متخصصة تقليدية إلى مكتب رئيس الوزراء بوصفه غرفة قيادة فعلية، أي تقل استقلالية التقدير الاستخباراتي لصالح التوجيه السياسي المباشر، ثانيها صعود “عقيدة الولاء” عبر اختيار شخصية عسكرية قريبة من نتنياهو على حساب كوادر الموساد المهنية وقياداته المخضرمين، مايؤدي إلى أن يتحول الموساد جزئيًا إلى أداة تنفيذ استراتيجية شخصية وليس فقط مؤسسات دولة، ثالثها تغليب المقاربة العسكرية عبر خلفية جوفمان التي تعني الميدان والدبابات وإدارة العمليات وليس العمل الاستخباراتي التقليدي، وهذا يعكس زيادة الميل إلى العمليات العسكرية، والمخاطر العالية، والحلول المباشرة بدل العمل السري طويل النفس.
التأثير على السياسات الأمنية في الإقليم
1- مصر
-ملف غزة وسيناء: يُتوقع أن يدفع جوفمان نحو تشديد الرقابة على الحدود المصرية، وتوسيع النشاط الاستخباراتي قرب سيناء، ومحاولات أكبر لاختراق شبكات التهريب. السيناريو الأخطر هو ضغط إسرائيلي لدور أمني مصري أوسع في غزة، أو طرح ترتيبات انتقالية “تحت إشراف إقليمي”، هذا يضع مصر أمام معادلة صعبة: منع التهجير، والحفاظ على السيادة، دون الانجرار لدور أمني مباشر داخل غزة.
–ملف التهجير القسري: طرح اليمين الإسرائيلي سابقًا فكرة دفع سكان غزة نحو سيناء، وجوفمان، بمنطقه العسكري، قد يكون أكثر تقبّلًا لحلول “جذرية”، مايعني زيادة الضغط غير المباشر على مصر عبر العمليات العسكرية وخلق واقع إنساني ضاغط.
-التنسيق الأمني المصري–الإسرائيلي: رغم كل شيء سيستمر التنسيق؛ لأنه يمثل مصلحة متبادلة، لكنه سيصبح أكثر حساسية وربما أقل شفافية؛ لأن القرار أصبح أكثر “تسييسًا” داخل إسرائيل.
2-الخليج العربي:
زيادة الاعتماد على التعاون الاستخباراتي ضد إيران وأذرعها، لكن مع نزعة إسرائيلية هجومية أكثر، مايترتب عليه توتر بين الرغبة في الشراكة الأمنية والخوف من التصعيد.
3-الأردن
قلق متزايد من سيناريوهات الضفة الغربية أو نقل أزمات إليها، فمع قيادة أمنية أكثر تشددًا تتزايد احتمالات تفجير الوضع في الضفة.
4-لبنان وسوريا:
من المتوقع زيادة العمليات السرية والاغتيالات وتصعيد ضد إيران وحلفائها وأذرعها؛ لأن جوفمان أقرب إلى منطق “الضربة الوقائية”
طبيعة العمليات الإسرائيلية قبل جوفمان وبعده
| البعد | قبل | بعد جوفمان |
| القرار | مؤسسي نسبيًا | شخصي–سياسي |
| العمليات | دقيقة طويلة المدى | أسرع وأكثر خشونة |
| المخاطر | محسوبة | أعلى |
| التنسيق الدولي | أوسع | أقل أولوية |
السيناريوهات المستقبلية لجوفمان
–سيناريو الضبط: ينجح جوفمان في التكيف مع جهاز الموساد، فيحافظ على التوازن المؤسسي، مايعني الاستمرارية مع بعض التشدد.
–سيناريو التسييس المتزايد: أن يتحول جهاز الموساد إلى أداة في يد نتنياهو، فتُتخذ قرارات أكثر اندفاعًا، وتنشأ توترات إقليمية أعلى.
–سيناريو الصدام الداخلي: صراع مع قيادات الموساد، فتتم تسريبات وتُقدم استقالات، ما يمثل ضعفا مؤقتا في الأداء الاستخباراتي، لكن مع سلوك أكثر عدوانية لتعويض ذلك.
ختاما
يرتبط مستقبل جوفمان مباشرة بمستقبل نتنياهو السياسي، وليس مستقلاً عنه حتى الآن. من هنا يرى محللون أن تعيين جوفمان يعكس تحوّلًا مهمًا من الاحتراف الاستخباراتي إلى الولاء السياسي-الأمني، ومن مؤسسة مستقلة نسبيًا إلى أداة أقرب لمكتب رئيس الوزراء، وهذا له تداعيات ودلالات كبيرة على طبيعة القرار الأمني الإسرائيلي القادم ومستوى التسييس داخل الأجهزة الأمنية.
يعني تعيين جوفمان أن إسرائيل تتجه نحو نموذج أمني مركزي يقوده نتنياهو مباشرة، مع تراجع دور “العقل الاستخباراتي البارد”، وصعود العقل العملياتي السريع والخشن. أما عن تداعيات تعيين جوفمان بالنسبة لمصر فليس التهديد بحرب مباشرة، بل إعادة تشكيل بيئة غزة، والضغط غير المباشر، ومحاولات فرض وقائع تدريجية، وبالنسبة للإقليم يتوقع مرحلة عدم استقرار محسوب لكن قابل للانفجار.
