د/محمد أحمد صالح
مقدمة
لم تعد مسيرة الأعلام (מצעד הדגלים متسعاد هدجاليم) الإسرائيلية في القدس مجرد فعالية أو احتفالية مرتبطة بما تسميه إسرائيل “يوم القدس” (יום ירושלים يوم يروشالايم)، بل تحولت خلال العقود الأخيرة إلى أداة سياسية ودينية وأمنية مركبة، تُستخدم لاختبار حدود السيطرة الإسرائيلية على القدس الشرقية، وفرض رمزية السيادة في قلب البلدة القديمة، وخصوصًا عند باب العمود، والحي الإسلامي، ومحيط المسجد الأقصى.
وفي عام 2026م تكتسب هذه المسيرة خصوصية استثنائية؛ لأنها تأتي في عام انتخابي إسرائيلي حساس، إذ يُفترض أن تجري انتخابات الكنيست في موعد أقصاه أكتوبر من العام نفسه، وسط أزمة داخلية عميقة في إسرائيل بعد العدوان على غزة وتداعيات أحداث السابع من أكتوبر2023م، وتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية، وتصاعد المنافسة بين تيارات اليمين واليمين الديني واليمين القومي المتطرف. وتشير تقارير تحليلية إلى أن انتخابات 2026م ستكون من أكثر الانتخابات الإسرائيلية حساسية؛ لأنها أول انتخابات عامة بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023م، والعدوان على غزة، وما تلاهما من تحولات داخلية وإقليمية ودولية.
في هذا السياق، تصبح مسيرة الأعلام أكثر من مجرد مسيرة، إنها منصة انتخابية ميدانية، وطقس سيادة رمزي، واختبار عملي للوضع القائم في المسجد الأقصى، ورسالة إلى الداخل الإسرائيلي والفلسطيني والعربي والدولي بأن اليمين الديني الصهيوني يسعى إلى نقل الصراع من مستوى الاحتلال والسيطرة الأمنية إلى مستوى إعادة تعريف هوية القدس دينيًا وسياسيًا.
مسيرة الأعلام في القدس
مسيرة الأعلام، أو ما يعرف إسرائيليًا أحيانا بـ”رقصة الأعلام” (ריקוד הדגלים ريكود هدجاليم)، هي فعالية سنوية تنظم في ذكرى احتلال إسرائيل للقدس الشرقية عام 1967م وضمها إلى القدس الغربية. تحتفل إسرائيل بهذا اليوم بوصفه “يوم توحيد القدس”، بينما يراه الفلسطينيون والعرب والمسلمون يومًا لتكريس الاحتلال الإسرائيلي وطمس الهوية الفلسطينية والعربية والإسلامية للمدينة.
تبدأ المسيرة عادة من القدس الغربية، ثم تتجه نحو أبواب البلدة القديمة، وخصوصًا باب العمود، قبل أن تمر عبر أحياء فلسطينية حساسة، وتنتهي عند حائط البراق، وهو مايسمى في الأدبيات الإسرائيلية “الحائط الغربي”، أو “حائط المبكي”. وترافقها إجراءات أمنية مشددة، وإغلاق طرق، وإجبار تجار فلسطينيين على إغلاق محالهم، وتقييد حركة المقدسيين داخل البلدة القديمة.
وتكمن خطورة هذه المسيرة في أنها لا تمر في فضاء محايد، بل في مناطق ذات رمزية سياسية ودينية شديدة الحساسية، مثل باب العمود، والحي الإسلامي، وطريق الواد، وباب السلسلة، ومحيط المسجد الأقصى. لذلك يراها الفلسطينيون استعراضًا للقوة لا احتفالًا مدنيًا، ورسالة تقول إن السيادة الإسرائيلية لا تكتفي بالسيطرة العسكرية والإدارية، بل تريد أن تُرى وتُسمع وتُفرض في المجال العام الفلسطيني.
وقد ذكرت تقارير أن مسيرة 14 مايو 2026م شهدت مرور آلاف المتشددين القوميين الإسرائيليين عبر الحي الإسلامي في البلدة القديمة، وسط انتشار أمني واسع، وإغلاق محال فلسطينية، وقيود على وصول الفلسطينيين إلى مناطق مثل باب العمود. كما رصدت تقارير أخرى هتافات عنصرية خلال المسيرة، من بينها “الموت للعرب”، واعتداءات واحتكاكات مع فلسطينيين ونشطاء وصحفيين.
الخلفية التاريخية للمسيرة
بدأت مسيرة الأعلام بعد حرب يونيو عام 1967م، بعدما احتلت إسرائيل القدس الشرقية، بما فيها البلدة القديمة ومحيط المسجد الأقصى. وقد ارتبطت المسيرة منذ نشأتها بتيار “الصهيونية الدينية” الذي رأى في احتلال القدس الشرقية حدثًا ذا معنى ديني خلاصي مرتبط بالوعد الإلهي، لا مجرد انتصار عسكري.
في بداياتها كانت المسيرة محدودة العدد، يشارك فيها طلاب مدارس دينية (ישיבות يشيفوت) وشباب من التيار القومي الديني. لكنها مع مرور الوقت تحولت إلى حدث جماهيري ضخم يشارك فيه عشرات الآلاف، وتحظى بدعم بلدية القدس ووزارات إسرائيلية ومؤسسات استيطانية ودينية. ومع صعود اليمين الديني المتشدد داخل السياسة الإسرائيلية ولعب دور رئيس في الائتلافات الحاكمة، أصبحت المسيرة أكثر تطرفًا في خطابها ومسارها وشعاراتها.
وتحوّل باب العمود، تحديدًا، إلى نقطة مركزية في المسيرة؛ لأنه يمثل في الوعي الفلسطيني بوابة القدس العربية والإسلامية، ومكانًا للحياة اليومية والتجمع الشبابي والاقتصادي. لذلك فإن السيطرة الرمزية عليه عبر الرقص بالأعلام والهتافات القومية ليست حدثا عابرًا، بل جزء من معركة على معنى المكان.
الدلالات الدينية والسياسية لمسيرة الأعلام
تحمل مسيرة الأعلام ثلاث دلالات رئيسية:
-دلالة السيادة: ترفع المسيرة العلم الإسرائيلي بكثافة داخل فضاء مقدسي فلسطيني محتل. والهدف هنا ليس فقط الاحتفال، بل إعلان السيطرة. فالعلم في هذه الحالة يتحول من رمز دولة إلى أداة فرض حضور سياسي فوق مكان مقدس وجغرافيا متنازع عليها. لذلك فإن مرور المسيرة من باب العمود والحي الإسلامي يحمل عمليًا رسالة مفادها “نحن أصحاب السيادة هنا”. وهذه الرسالة موجهة إلى الفلسطينيين أولًا، وإلى العالم العربي والإسلامي ثانيًا، وإلى الناخب الإسرائيلي ثالثًا وربما أولا.
-دلالة دينية توراتية: بالنسبة لتيارات الصهيونية الدينية ومايسمى “جماعات الهيكل” (תנועות המקדש تنوعوت همكداش)، لا تنفصل القدس عن فكرة مايسمى بـ”جبل الهيكل” (הר הבית هار هبايت). لذلك ترتبط المسيرة بمحاولات متزايدة لاقتحام ساحات المسجد الأقصى، وأداء طقوس تلمودية داخلها، ورفع الأعلام الإسرائيلية في ساحاته، وترديد النشيد الإسرائيلي. وهنا تصبح المسيرة بوابة رمزية للانتقال من “السيادة على المدينة” إلى “السيادة على ماهو مقدس”.
-دلالة انتخابية داخلية: في عام 2026م تحديدًا، تتضخم أهمية المسيرة؛ لأنها تأتي قبل انتخابات إسرائيلية حاسمة. في هذا المناخ، يسعى كل طرف في اليمين إلى إثبات أنه الأكثر تشددًا في ملف القدس وترتيبات المسجد الأقصى. ومن ثم تتحول المسيرة إلى ساحة تنافس بين أحزاب مثل “ليكود”، و”القوة اليهودية”، و”الصهيونية الدينية”، وأوساط الحريديم القومية، وجماعات الهيكل.
علاقة مسيرة الأعلام بانتخابات أكتوبر 2026م
من المتوقع أن تشكل انتخابات عام 2026م الإسرائيلية استفتاءً واسعًا على قضايا كبرى، مثل مسؤولية أحداث السابع من أكتوبر، وإدارة العدوان على غزة، ومستقبل نتنياهو، وعلاقة الدين بالدولة، والتجنيد الإجباري للحريديم، والأمن، والأسرى، ومستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة، ومكانة القدس. وقد أشارت التحليلات إلى أن الانتخابات المقبلة ستعيد رسم الخريطة السياسية الإسرائيلية، وأنها ستكون مرتبطة مباشرة بإرث السابع من أكتوبر ومستقبل العقد الاجتماعي داخل إسرائيل. في هذا السياق، تؤدي مسيرة الأعلام عدة وظائف انتخابية:
-تعبئة قاعدة اليمين الديني: يحتاج اليمين الديني إلى قضايا رمزية عالية التأثير. والقدس والأقصى هما أكثر الملفات قدرة على تحريك الجمهور اليهودي الديني القومي. لذلك يستخدم قادة هذا التيار المسيرة لإظهار أنهم حراس مايسمونه “السيادة اليهودية” على القدس.
-إحراج نتنياهو وحزب الليكود: يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو غالبًا الموازنة بين الضغوط الدولية والأمنية وبين مطالب شركائه من اليمين المتطرف. لكن شخصيات مثل إيتمار بن جفير وبتسلئيل سموتريتش تدفع باتجاه تصعيد رمزي دائم في القدس والأقصى، لإظهار أن نتنياهو متردد أو خاضع للضغوط. وهذا يجعل المسيرة أداة ضغط على الحكومة من داخلها، لا مجرد حدث خارجي.
-تحويل الفشل الأمني في غزة إلى خطاب سيادة على القدس: بعد أحداث السابع من أكتوبر، تضررت وتآكلت صورة الردع الإسرائيلي. لذلك يحاول اليمين اليهودي المتطرف تعويض هذا التراجع والتآكل عبر مشاهد قوة رمزية: اقتحام ساحات المسجد الأقصى، ورفع العلم الإسرائيلي، والسير في الحي الإسلامي في القدس، وإغلاق محال الفلسطينيين، وإظهار الشرطة كحامية للمشروع القومي الديني. بمعنى آخر إذا كان العدوان على غزة لم يمنح الإسرائيليين إحساسًا كاملًا بالنصر، فإن مسيرة الأعلام تقدم مشهدًا بديلًا لـ”النصر الرمزي” في القدس.
-منافسة انتخابية داخل معسكر اليمين: في انتخابات 2026م، لا يدور الصراع فقط بين اليمين والوسط أو اليسار، بل داخل اليمين نفسه. كل حزب يريد إثبات أنه الأكثر قدرة على فرض السيادة، والأقل خضوعًا للمجتمع الإقليمي والدولي، والأكثر التزامًا بالمشروع الاستيطاني والديني. ولهذا تظهر القدس كملف انتخابي شديد الجاذبية؛ لأنها تجمع بين الأمن والدين والهوية والقومية.
العدوان على غزة ومسيرة الأعلام عام 2026م
كان للعدوان على غزة دور مركزي ومباشر على مسيرة الأعلام عام 2026م، فالحرب لم تبقَ محصورة في غزة، بل أعادت تشكيل كامل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. وقد أصبحت القدس والأقصى جزءًا من معركة الوعي والشرعية والردع. وتتجلى علاقة العدوان على غزة بمسيرة الأعلام في عدة مستويات:
-تعويض أزمة الردع: بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023م، دخلت إسرائيل في أطول وأعنف عملياتها العدوانية في غزة. ورغم الدمار الهائل، بقي سؤال الردع قائمًا داخل المجتمع الإسرائيلي. لذلك يسعى اليمين إلى تقديم القدس بوصفها مساحة لإعادة إنتاج صورة القوة. المسيرة هنا تقول للداخل الإسرائيلي “رغم الحرب والضغوط، ما زلنا نسيطر على القدس”.
-نقل مركز الصراع من غزة إلى القدس: كلما طال أمد الالعدوان على غزة أو تعقدت نتائجها، يحاول اليمين الديني نقل النقاش إلى ملفات رمزية جامعة مثل القدس والأقصى. وهذا يخدمه انتخابيًا؛ لأن القدس توحد قطاعات يمينية أوسع من ملف غزة، الذي أصبح مثقلًا بالخسائر والانقسامات.
-استثارة الفلسطينيين لاختبار قواعد الاشتباك: منذ “معركة سيف القدس” عام 2021م، باتت إسرائيل تدرك أن القدس يمكن أن تشعل غزة، وأن الأقصى يمكن أن يتحول إلى نقطة تفجير إقليمية. ومع ذلك، يستمر اليمين في دفع المسيرة والاقتحامات إلى حدود أعلى، إما لاختبار ردود الفعل، أو لفرض وقائع جديدة تحت حماية أمنية كثيفة.
-توظيف الحرب في خطاب ديني قومي: بعد أحداث السابع من أكتوبر، صعّد اليمين الديني خطابه المتشدد، فبات يرى النزاع وجوديا ودينيا. من هنا تصبح مسيرة الأعلام جزءًا من خطاب أوسع: غزة، والقدس، والأقصى، والضفة، فكلها ساحات في معركة واحدة على مايسميه “أرض إسرائيل الكبرى” وفق تصور تيار الصهيونية الدينية. وقد تزامنت مسيرة 2026م مع استمرار تداعيات العدوان على غزة، ومع نقاشات إسرائيلية حول محاكمات خاصة لمتهمين بالمشاركة في أحداث السابع من أكتوبر، ومع استمرار الأزمة الإنسانية والسياسية في غزة، وهو ما يجعل الحدث جزءًا من بيئة تصعيدية أوسع لا مجرد فعالية محلية.
مسيرة الأعلام واقتحام الأقصى
أخطر ما في مسيرة الأعلام أنها لم تعد منفصلة عن اقتحامات ساحات المسجد الأقصى. ففي السنوات الأخيرة، أصبحت ماتسمى “جماعات الهيكل” تربط بين ماتسميه “يوم القدس” وبين اقتحام ساحات الأقصى، ورفع الأعلام الإسرائيلية داخله، وأداء الطقوس الدينية اليهودية في ساحاته.
في عام 2026م، برزت هذه العلاقة بوضوح أكبر. فقد تحدثت تقارير عن اقتحام وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن جفير للمسجد الأقصى في يوم المسيرة، ورفعه العلم الإسرائيلي، وتصريحه بما يفيد تأكيد السيطرة اليهودية على المكان. كما أشارت تقارير- كما هو شائع ومتوقع- إلى اقتحامات واسعة للمستوطنين، وقيود على دخول الفلسطينيين، وإغلاق محال في البلدة القديمة.
وهنا يجب فهم المسألة على المستوى الاستراتيجي، إذا كانت مسيرة الأعلام تتحرك في شوارع القدس فإنها تستهدف وعيًا أعمق مفاده تحويل المسجد الأقصى من مسجد إسلامي خالص وفق الوضع التاريخي القائم إلى فضاء متنازع عليه عمليًا، ثم إلى فضاء مقسم زمنيًا ومكانيًا، ثم إلى فضاء سيادة إسرائيلية كاملة.
التقسيم الزماني والمكاني في الأقصى
يقصد بالتقسيم الزماني تخصيص أوقات معينة لدخول المصلين اليهود وأوقات أخرى لدخول المصلين المسلمين، كما حدث سابقًا في الحرم الإبراهيمي في الخليل. أما التقسيم المكاني فيعني تخصيص مناطق داخل المسجد الأقصى لوجود اليهود او أداء صلواتهم، مقابل مناطق للمسلمين. حتى الآن، لا تعلن إسرائيل رسميًا أنها تطبق تقسيمًا كاملًا في الأقصى زمانيا ومكانيا، لكنها تخلق وقائع تدريجية تشبه ذلك، فتم تحديد ساعات اقتحام صباحية ومسائية للمستوطنين، وتقييد دخول المصلين المسلمين في أوقات اقتحامهم، وإبعاد المرابطين والمرابطات وحراس الأوقاف، مع السماح المتزايد بطقوس يهودية داخل الساحات، وحماية الشرطة للمقتحمين بدل حماية الوضع القائم، ورفع الأعلام الإسرائيلية داخل أو قرب ساحات الأقصى، ومحاولة إدخال أدوات دينية يهودية مثل “تفيلين”، وشال الصلاة اليهودية (טלית طاليت)، وكتب الصلاة اليهودية. (סידור سيدور). وقد اعتبرت بلدية القدس أن دعوات جماعات “جبل الهيكل” عام 2026م لاقتحامات ساحات القدس المرتبطة بما تسمية “يوم القدس” تستهدف تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى. إذن.
هكذا بات واضحا أن التقسيم الزماني والمكاني بين المصلين المسلمين والمصلين اليهود لا يجري دفعة واحدة، بل عبر سياسة “القضم التدريجي”، أي يتم كل عام اختبار خطوة جديدة. فإذا لم تواجه هذه السياسة بردع سياسي أو شعبي أو دولي كافٍ، تتحول في العام التالي إلى قاعدة مسلم بها.
الجماعات والأحزاب الدينية والصهيونية الدينية التي تنظم المسيرة
تقف خلف مسيرة الأعلام شبكة واسعة من الجماعات والأحزاب والمؤسسات الصهيونية والدينية اليهودية. ويمكن تقسيمها إلى أربع دوائر رئيسية:
أ-أحزاب اليمين الديني والقومي
-حزب القوة اليهودية (עוצמה יהודית عوتسما يهوديت): يقوده إيتمار بن جفير، وهو امتداد سياسي وفكري لتيار مئير كهانا (1932م-1990م) المتطرف. يدفع الحزب باتجاه تشديد السيطرة على القدس، وتوسيع اقتحامات الأقصى، وتغيير قواعد تعامل الشرطة مع الفلسطينيين. بن جفير، بصفته وزيرًا للأمن القومي، يمتلك تأثيرًا مباشرًا على الشرطة الإسرائيلية، وهذا يعطي مواقفه تجاه الأقصى ومسيرة الأعلام وزنًا عمليًا على الأرض لا رمزيًا فقط. وقد زار بن جفير الأقصى عدة مرات منذ توليه المنصب، وتحدثت تقارير في 2026م عن زيارات جديدة وتصريحات تؤكد شعوره بالسيطرة على المكان.
-حزب الصهيونية الدينية (ציונות דתית تسيونوت داتيت): يقوده بتسلئيل سموتريتش، ويمثل التيار الاستيطاني الديني الذي يرى الضفة والقدس جزءًا من مشروع مايسمى “أرض إسرائيل الكبرى”. يدعم هذا التيار توسيع الاستيطان، ورفض الدولة الفلسطينية، وتعزيز السيادة الإسرائيلية في القدس والضفة.
-ليكود (ליכוד): رغم أن الليكود ليس حزبًا دينيًا بالمعنى المتعارف عليه، فإنه يعتمد على تحالفه مع اليمين الديني والمتطرف ضمن الأئتلاف السياسي للبقاء في الحكم. لذلك غالبًا ما يسمح بتمرير أجندات رمزية في القدس، أو يغض الطرف عنها، حتى لا يخسر شركاءه.
-أحزاب حريديم (חרדים): شاس (ש”ס) ويهدوت هتورا (יהדות התורה): هذه الأحزاب ليست دائمًا في مقدمة اقتحامات الأقصى، وبعض المرجعيات الحريدية التقليدية كانت تتحفظ دينيًا على دخول ماتسميه “جبل الهيكل”. لكنها تشارك في الائتلافات اليمينية وتوفر الغطاء السياسي لبقاء حكومات تسمح بتوسع نفوذ الصهيونية الدينية.
ب-جماعات الهيكل
هذه هي الدائرة الأخطر في ملف الأقصى. تشمل منظمات وحركات، مثل اتحاد منظمات الهيكل (إيحود إرجوناي همكداش איחוד ארגוני המקדש)، ومنظمة “في أيدينا” (بيدينو בידינו) ، ومنظمة “جبل الهيكل في أيدينا” (هار هبايت بيدينو הר הבית בידינו)، ومعهد الهيكل (ماخون همِقداش מכון המקדש) ، ومدرسة جبل الهيكل الدينية (يشيفات هار هبايت ישיבת הר הבית)، ونشطاء مثل الحاخام والناشط اليميني، والعضو السابق في الكنيست عن حزب الليكود يهودا جليك وآخرين. هدف هذه الجماعات هو تحويل الأقصى إلى “جبل الهيكل” في الوعي والسياسة والقانون، فتعمل عبر الحشد الإعلامي، وتدريب المقتحمين على الطقوس، والضغط على الشرطة والوزراء، ورفع دعاوى قانونية، وتنظيم اقتحامات جماعية في الأعياد اليهودية، واستغلال ماتسميه “يوم القدس” ومسيرة الأعلام لفرض سوابق جديدة.
في عام 2026م، تزايدت مطالب هذه الجماعات بفتح الأقصى أمام اليهود فيما تسميه “يوم القدس”، بل وامتدت بعض المطالب إلى السماح بالاقتحام في أوقات إضافية، بما فيها أيام الجمعة، صباحا ومساء، وهو ما يمثل تصعيدًا خطيرًا في منطق التقسيم الزماني.
جـ-الحركات الشبابية والمدارس الدينية: تشمل مدارس “بني عكيفا” الدينية (يشيفوت)، والمدارس الدينية للصهيونية الدينية، وطلاب “مركاز هراف”، ومجموعات شبابية استيطانية، وشبكات تعليمية دينية قومية. هذه المجموعات توفر الكتلة البشرية الأساسية للمسيرة. فالمسيرة تعتمد على آلاف الشباب المتدينين القوميين الذين يرون في رفع العلم داخل القدس الشرقية فعلًا دينيًا وقوميًا في آن واحد.
د-جماعات يمينية متطرفة وشبه فاشية: من أبرزها جماعة لاهافا להבה، المعروفة بخطابها المعادي للعرب والمسلمين والمسيحيين وبنزعتها العنصرية. هذه الجماعات لا تكتفي برفع العلم، بل تشارك في إنتاج الهتافات العدائية والاعتداءات على الفلسطينيين والصحفيين والنشطاء الإسرائيليين المعارضين للمسيرة.
خصوصية مسيرة الأعلام عام 2026م
تختلف مسيرة الأعلام في عام 2026م عن الأعوام السابقة في عدة نقاط رئيسية:
-توقيتها الانتخابي: تأتي هذه المسيرة قبل انتخابات أكتوبر 2026م، ما يجعلها أداة تعبئة للناخب اليميني والديني في إسرائيل. كل صورة لبن جفير في الأقصى، وكل علم إسرائيلي في باب العمود، وكل اقتحام جماعي، يمكن استخدامه في الحملات الانتخابية بوصفه دليلًا على “الحسم” و”السيادة”.
-ارتباط المسيرة بما بعد العدوان على غزة: تأتي المسيرة في ظل مجتمع إسرائيلي مأزوم بعد العدوان على غزة، يبحث عن رموز قوة وانتصار. لذلك يضخم اليمين مشاهد القدس لتعويض غياب الحسم الكامل في غزة.
-ارتفاع سقف “جماعات الهيكل”: لم تعد المطالب مقتصرة على مجرد المرور في البلدة القديمة، بل باتت تشمل اقتحامات أكبر لساحات المسجد لأقصى، ورفع العلم داخلها، والصلاة العلنية فيها، وربما فتحه في أوقات غير مسبوقة.
-دور بن جفير المؤسسي: في سنوات سابقة كان بن جفير ناشطًا أو عضو كنيست متطرفًا، ومطلوبا للجهات الأمنية والقضائية للتحقيق في قضايا مطلوب فيها. أما الآن فهو وزير أمن قومي، أي أن خطابه له أثر مباشر على الشرطة. وهذا يجعل المسيرة أكثر خطورة؛ لأن الجهة التي يفترض أن تضبط التصعيد قد تكون نفسها جزءًا من التصعيد.
-تزامن المسيرة مع ذكرى نكبة فلسطين: في عام 2026م، تزامن تاريخ مسيرة الأعلام، الذي يحل عادة في28 إيار حسب التقويم اليهودي، ويتغيّر ميلاديًا كل عام، ليحل هذا العام في 14/5/1948م مع أجواء ذكرى النكبة الفلسطينية في 15/5/1948م، ما يضاعف رمزيتها. فبينما يحيي الفلسطينيون ذكرى التهجير وفقدان الأرض والاحتلال، يحتفل اليمين الإسرائيلي بفرض العلم في القدس الشرقية.
الأهداف الاستراتيجية لمسيرة الأعلام
يمكن تحديد أهداف المسيرة في عدة أهداف رئيسية، منها تثبيت السيادة الإسرائيلية الرمزية على القدس الشرقية، وكسر الحضور الفلسطيني في باب العمود والبلدة القديمة، وتطبيع مرور المستوطنين في الحي الإسلامي كأمر سنوي مفروض، وربط القدس الغربية بالبلدة القديمة (القدس الشرقية) وحائط البراق ضمن مسار سيادي واحد، واختبار قدرة الفلسطينيين على الرد أو الاحتجاج، ودفع الأقصى تدريجيًا نحو التقسيم الزماني والمكاني، وتعبئة اليمين الإسرائيلي انتخابيًا حول ملف القدس.
خصوصية باب العمود إسلاميًا وفلسطينيًا:
باب العمود أحد أهم أبواب البلدة القديمة في القدس، فهو ليس مجرد بوابة حجرية، إنه رمز للقدس الفلسطينية العربية الإسلامية، ويرتبط مباشرةً بالوصول إلى المسجد الأقصى والأسواق التاريخية، لذلك يحمل مكانة دينية وعمرانية بارزة.
تتشكل حوله باب العمود الحياة اليومية للفلسطينيين، ففيه التجارة، واللقاءات، والاحتجاجات، والحركة الشبابية، والوصول إلى المسجد الأقصى، والربط بين أحياء القدس الشرقية والبلدة القديمة. وفلسطينيًا، يُعدّ باب العمود رمزًا للهوية المقدسية والحضور الشعبي الفلسطيني في المدينة، ومسرحًا للتجمعات الوطنية والاجتماعية.
ولهذا تكتسب السيطرة عليه في يوم “مسيرة الأعلام” أو المرور الاستعراضي منه دلالة سياسية ورمزية عالية؛ لأنها تمثل محاولة لتحويل مركز الحياة الفلسطينية إلى مسرح احتفال إسرائيلي، وإغلاقه أمام الفلسطينيين وفتحه أمام المستوطنين اليهود يحمل رسالة سياسية واضحة “صاحب القوة يحدد من يتحرك ومن يُمنع”.
الأبعاد القانونية والدولية
وفق القانون الدولي، تعد القدس الشرقية أرضًا محتلة منذ عام 1967م، ولا يعترف معظم المجتمع الدولي بضم إسرائيل لها. كما أن الوضع التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى يقوم على أن إدارة شؤونه الدينية تعود للأوقاف الإسلامية، وأن غير المسلمين يسمح لهم بالزيارة لأداء الشعائر.
لكن ما يجري عمليًا هو تآكل تدريجي لهذا الوضع. فكلما سمحت الشرطة الإسرائيلية بطقوس دينية يهودية داخل الأقصى، وكلما قيدت دخول المسلمين في أوقات الاقتحام، فإنها تخلق واقعًا جديدًا يخالف جوهر الوضع القائم.
وقد أشارت تقارير دولية إلى أن المجتمع الدولي لا يعترف بضم إسرائيل للقدس الشرقية، وأن الفلسطينيين يرون المسيرة جزءًا من استراتيجية إسرائيلية أوسع لفرض الهيمنة اليهودية على أجزاء متنازع عليها من المدينة.
السيناريوهات المحتملة بعد مسيرة 2026م
السيناريو الأول – تثبيت الوضع الجديد بصمت: إذا مرت المسيرة والاقتحامات دون ردود فعل قوية، قد تعتبر جماعات الهيكل أن ما حدث أصبح سابقة قابلة للتكرار، فتطالب في 2027م بسقف أعلى من المطالب التي تحقق لها أهدافها.
السيناريو الثاني – تصعيد فلسطيني محدود: قد تؤدي الاقتحامات إلى احتجاجات في القدس والضفة، وربما مواجهات موضعية، خاصة إذا حدثت اعتداءات داخل الأقصى أو رفع أعلام في ساحاته.
السيناريو الثالث – ربط غزة بالقدس مجددًا: إذا تجاوزت إسرائيل خطوطًا حساسة في الأقصى، فقد تعود معادلة “القدس مقابل التصعيد”، كما حدث عام 2021م. لكن قدرة الفصائل على التصعيد مرتبطة بواقع غزة بعد العدوان والحسابات الإقليمية.
السيناريو الرابع – استثمار انتخابي يميني: حتى لو لم يحدث تصعيد كبير، سيستثمر اليمين الإسرائيلي المتشدد صور المسيرة والاقتحامات في حملته الانتخابية، خصوصًا بن جفير وسموتريتش، لإثبات أنهما فرضا تغييرًا عمليًا في القدس.
السيناريو الخامس – ضغط دولي محدود: قد تصدر إدانات عربية وإسلامية ودولية، لكنها غالبًا لن تغير السلوك الإسرائيلي ما لم ترتبط بأدوات ضغط سياسية أو اقتصادية أو دبلوماسية واضحة.
ختاما
مسيرة الأعلام عام 2026م ليست حدثًا منفصلًا، بل حلقة في مسار طويل عنوانه تحويل الاحتلال إلى سيادة معلنة، وتحويل السيادة إلى طقس ديني، وتحويل الطقس الديني إلى واقع قانوني وسياسي. والأخطر أن هذا المسار يحدث في ظل ثلاثة عوامل متزامنة: حكومة إسرائيلية يمينية متطرفة، والعدوان على غزة وتداعياته النفسية والسياسية، وانتخابات قريبة تدفع الأحزاب إلى المزايدة القومية والدينية.
لذلك فإن المسيرة هذا العام ليست فقط اختبارًا أمنيًا، بل اختبار لمستقبل القدس والأقصى، واختبار لقدرة الفلسطينيين والعرب والمسلمين والمجتمع الدولي لمنع تحويل السوابق المؤقتة إلى قواعد دائمة.
هكذا تمثل مسيرة الأعلام في القدس عام 2026م لحظة كاشفة في الصراع على المدينة. فهي تكشف كيف يستخدم اليمين الإسرائيلي الدين في خدمة السياسة، والسياسة في خدمة الاستيطان، والاستيطان في خدمة إعادة تعريف القدس. كما تكشف كيف تحولت القدس من ملف تفاوضي مؤجل إلى ساحة حسم رمزي يومي، وكيف أصبح المسجد الأقصى في قلب مشروع يستهدف تغيير الوضع القائم عبر خطوات متدرجة.
وفي ظل انتخابات أكتوبر 2026م، لن تكون المسيرة مجرد احتفال يميني، بل جزء من حملة انتخابية غير معلنة، عنوانها “من يثبت أنه الأقدر على فرض السيادة اليهودية على القدس والأقصى؟”.
أما العدوان على غزة، فقد منح هذه المسيرة بعدًا إضافيًا؛ إذ حولها إلى أداة لتعويض أزمة الردع، وإعادة إنتاج صورة القوة، وربط الصراع على غزة بالصراع على القدس. لذلك فإن خطورة مسيرة الأعلام لا تكمن فقط في يومها، بل في ما تتركه من سوابق: علم يُرفع، وطريق يُغلق، وصلاة تُؤدى، وفلسطيني يُمنع، ومكان مقدس يُعاد تعريفه خطوة بعد خطوة.
من هنا، فإن التعامل مع مسيرة الأعلام يجب ألا يكون بوصفها استفزازًا موسميًا فقط، بل بوصفها جزءًا من استراتيجية إسرائيلية يمينية دينية أوسع، تستهدف تحويل القدس الشرقية من مدينة محتلة وفق القانون الدولي إلى فضاء سيادة إسرائيلية دينية وقومية كاملة، وتحويل المسجد الأقصى من رمز إسلامي جامع إلى ساحة صراع مفتوحة على التقسيم والتهويد.

اترك تعليقاً
