د/محمد أحمد صالح
أثار المقترح التشريعي الذي طرح مؤخرا في البرلمان المغربي، ويتعلق بمنح الجنسية المغربية لأبناء اليهود المغاربة وأحفادهم المقيمين بالخارج، جدلاً واسعاً تجاوز أبعاده القانونية المباشرة ليتحول إلى نقاش حول الهوية المغربية الوطنية، والأمن القومي المغربي، والعلاقات المغربية الإسرائيلية، ومستقبل مفهوم المواطنة في المغرب.
ورغم أن المقترح البرلماني ما يزال في مرحلة جمع التوقيعات ولم يتحول إلى قانون يجب تنفيذه، فإن أهميته لا تنبع من فرص تمريره الحالية بقدر ما تنبع من دلالاته الرمزية والاستراتيجية، فهو يطرح سؤالاً عميقاً حول ما إذا كان المغرب يتجه نحو إعادة تعريف علاقته بـالجماعات المغربية اليهودية بالخارج، باعتبارها امتداداً دائماً للشعور الوطني، أم أن الأمر مجرد مبادرة فردية ذات أثر سياسي محدود.
الخطأ الذي يقع فيه بعض المحللين هو التعامل بسطحية مع هذا المقترح البرلماني باعتباره قضية دينية تتعلق باليهود، أو قضية سياسية تتعلق بالإسرائيليين الذين ينحدرون من أصول مغربية. في الواقع القضية ليست دينية يهودية-إسرائيلية بقدر ما هي قضية دولة، وقضية هوية، وقضية سيادة، وقضية إعادة تشكيل شبكات النفوذ. فالدول لا تفكر بمنطق الطوائف بل بمنطق القوة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه ليس: هل اليهود المغاربة سيحصلون على الجنسية؟ بل: ما هدف الدولة المغربية من توسيع ارتباطها القانوني بجماعات بشرية موجودة خارج الحدود؟
الخلفية التاريخية
يمثل المغاربة اليهود حالة استثنائية داخل العالم العربي والإسلامي، فوجود اليهود في المغرب سابق لقيام الدولة الحديثة، وقد تعزز هذا الوجود بعد موجات الهجرة السفاردية القادمة من الأندلس في نهاية القرن الخامس عشر. كما أن الرافد اليهودي-العبري أصبح جزءاً من التعريف الدستوري للهوية المغربية المعاصرة. فدستور المغرب يعترف بأن المكوّن العبري-اليهودي يُعد أحد الروافد التاريخية والثقافية التي أسهمت في تشكيل الهوية المغربية، إلى جانب روافد أخرى، فتم التأكيد في دستور عام 2011م أن الهوية المغربية الموحدة والغنية بتعدد روافدها تتغذى من عدة مكونات، من بينها الرافد العبري (اليهودي)، إضافة إلى المكونات العربية الإسلامية والأمازيغية.
لكن هذه الخصوصية التاريخية اصطدمت منذ منتصف القرن العشرين بواقع جديد تمثل في انتقال أعداد كبيرة من المغاربة اليهود إلى إسرائيل واندماجهم داخل مؤسساتها السياسية والعسكرية والاقتصادية. من هنا تبلورت إشكالية مفادها: هل يُنظر إلى هؤلاء باعتبارهم “مغاربة غادروا وطنهم؟” أم “إسرائيليون من أصول مغربية؟” أم “جماعة تحمل هويتين تاريخيتين متداخلتين؟” هذه التساؤلات والإجابات عليها هي جوهر الجدل أكثر من قضية منح الجنسية نفسها من عدمه.
التحول التاريخي في مفهوم الدولة المغربية
منذ الاستقلال وحتى بداية القرن الحادي والعشرين كان مفهوم الدولة المغربية قائماً على الأرض، والسكان المقيمين، والسيادة على الأرض. لكن مع العولمة بدأت تظهر فكرة جديدة: المغرب العالمي. أي أن المغرب لم يعد فقط ما يوجد داخل حدوده، بل أصبح يشمل الجالية المغربية في أوروبا، ورجال الأعمال المغاربة بالخارج، والشبكات المالية، والنخب الأكاديمية، والجاليات اليهودية المغربية القديمة. في هذا التصور تصبح الأمة المغربية فضاءً بشرياً عابراً للحدود. وهنا تكمن الأهمية العميقة للمقترح البرلماني.
لليهود المغاربة أهمية خاصة
يكتسب اليهود المغاربة أهمية خاصة لأنهم يختلفون عن أي جالية مغربية أخرى، فهم يجمعون بين أربعة عناصر أساسية:
العنصر الأول – الامتداد التاريخي: وجود يمتد لقرون داخل المغرب.
العنصر الثاني – النفوذ الاقتصادي: وجود شخصيات مالية وتجارية نافذة في أوروبا وأمريكا وإسرائيل.
العنصر الثالث – النفوذ السياسي: وصول عدد من ذوي الأصل المغربي إلى مواقع مهمة في إسرائيل.
العنصر الرابع – النفوذ الرمزي: اعتبار المغرب في الوعي اليهودي السفاردي حالة مختلفة عن بقية العالم العربي.
لهذا فإن القيمة الاستراتيجية المغاربة اليهود لا تُقاس بأعدادهم الحالية داخل المغرب بل بموقعهم داخل الشبكات الدولية.
السياق الجيوسياسي
لا يجب فهم المقترح البرلماني خارج سياق التحولات التي عرفتها العلاقات المغربية الإسرائيلية منذ استئنافها سنة 2020م. فالعلاقة لم تبدأ مع التطبيع، بل انتقلت من مستوى التعاون المحدود وغير المعلن إلى مستوى التعاون المؤسسي العلني.
ومن منظور الدولة المغربية، ترتبط هذه العلاقة بعدة اعتبارات، منها تثبيت الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، والحصول على تقنيات متقدمة في الأمن والمياه والزراعة، وتعزيز النفوذ داخل دوائر القرار الأمريكية.
أما إسرائيل فتنظر إلى المغرب باعتباره بوابة استراتيجية إلى إفريقيا، وشريكاً عربياً ذا شرعية تاريخية، وجسراً بشرياً عبر الجالية اليهودية ذات الأصول المغربية.
قراءة استراتيجية للمقترح البرلماني
هناك ثلاثة مستويات لفهم هذا المقترح البرلماني، مستوى قانوني يرى أن المقترح البرلماني لا يزال مجرد مقترح ولم يتحول إلى قانون ملزم. وبالتالي فإن كثيراً من المخاوف المتداولة تتعلق بفرضيات مستقبلية وليس بوقائع قانونية قائمة. أما المستوى السياسي فيرى أن إعادة تقديم المقترح البرلماني بعد إخفاق سابق قد تعكس اعتقاد أصحابه بأن البيئة السياسية أصبحت أكثر تقبلاً للفكرة من السابق. أما المستوى الرمزي وهو المستوى الأهم، فيرى أن المقترح البرلماني لا يناقش فقط الجنسية، بل يناقش تعريف الأمة المغربية نفسها: هل الأمة المغربية محصورة داخل الحدود؟ أم أنها تشمل جماعات تاريخية موزعة عبر العالم؟، وهنا يكمن جوهر الإشكالية ونقطة الحساسية؛ لأن المدخل يبدو شكليا لايتعلق باليهود وإنما يتعلق بالمغاربة وهويتهم في الداخل والخارج، سواء كان يهودا أو غير ذلك.
الجهات المستفيدة المحتملة من هذا المقترح
-الدولة المغربية: إذا تم اعتماد المقترح البرلماني مستقبلاً فقد تستفيد الدولة من توسيع الشبكة الدولية للنفوذ المغربي ، وتعزيز القوة الناعمة، وجذب الاستثمارات ورؤوس الاموال، وتكريس صورة المغرب كدولة متعددة الروافد. أي من الزاوية المغربية الحسابات مختلف؛ لأن المغرب ينظر إلى الملف من منظور آخر يشغل حساباته السياسية والاستراتيجة وهو منظور الصحراء، فكل شبكة نفوذ إضافية في الخارج تعتبر رصيداً دبلوماسياً. وإفريقياً المغرب يبني منذ سنوات استراتيجية نفوذ إفريقية طويلة المدى. واقتصاديا الجاليات العابرة للحدود مصدر استثمارات وعلاقات. والقوة الناعمة كلما توسعت الدائرة البشرية المرتبطة بالمغرب زادت قوته الناعمة عالمياً.
-الجاليات اليهودية المغربية: قد تستفيد من استعادة رابطة قانونية مع بلدهم الأصل، وتسهيل الاستثمار والتملك، وتعزيز الهوية المغربية لدى الأجيال الجديدة.
-إسرائيل: قد تحقق مكاسب رمزية واستراتيجية تتمثل في إظهار استمرار الروابط بين إسرائيل والعالم العربي، وتعزيز سردية اندماج اليهود العرب داخل المجتمع الإسرائيلي، والاستفادة من توسيع شبكات التواصل مع المغرب وإفريقيا. وتتعزز مكاسب إسرائيل أكثر لأنها ترى في اليهود المغاربة أحد أهم الجسور مع العالم العربي؛ لأن كثير منهم يتحدث العربية أو اللهجات المغربية، ويحملون ذاكرة إيجابية عن المغرب، ويشكلون كتلة بشرية داخل إسرائيل. ولهذا فإن أي توسيع للعلاقة القانونية معهم يمنح إسرائيل مكاسب غير مباشرة، ليس بالضرورة مكاسب أمنية، بل مكاسب ثقافية، ورمزية، ودبلوماسية، وسردية. إسرائيل تستطيع أن تقول: أكبر جالية يهودية عربية ما زالت مرتبطة ببلدها الأصلي، وهذه رسالة مهمة في معركتها في سعيها نحو البحث عن الشرعية الدولية.
إعادة طرح المقترح البرلماني
هنا يطرح سؤال جوهري: لماذا الإلحاح على إعادة طرح المقترح البرلماني رغم الإخفاق في قبوله من قبل؟، هنا نصل إلى جوهر هذه الورقة؛ لأنه في العلوم السياسية لا يُعاد طرح فكرة ماتت سياسياً إلا لأحد ثلاثة أسباب:
السبب الأول – اختبار الرأي العام: قد يكون الهدف الإجابة على التساؤلات التالية: هل تغير المزاج الشعبي؟ هل ما زالت القضية حساسة؟ هل أصبح التطبيع أكثر قبولاً؟ وهذا يسمى سياسياً: Political Trial Balloon بالون اختبار سياسي.
السبب الثاني – نقل فكرة من الهامش إلى المركز: كثير من السياسات الكبرى والتحولات الجوهرية مرت بمراحل: اولها الفكرة الصادمة، مرورا بالنقاش العام، والجدل، والاعتياد، انتهاء بالتشريع، وإعادة الطرح أحياناً تكون جزءاً من هذه العملية.
السبب الثالث – خلق أمر واقع فكري: حتى لو فشل قبول المقترح البرلماني وإقراره، فإن مجرد تكرار النقاش يؤدي إلى تطبيع الفكرة ذهنياً، وإدخالها إلى المجال العمومي، وتحويلها من “مستحيل” إلى “ممكن”، وهذه نقطة شديدة الأهمية.
المخاطر الاستراتيجية الحقيقية
بعيداً عن الخطاب العاطفي، توجد أربعة مخاطر لهذا المقترح البرلماني جديرة بالنقاش:
-إشكالية الولاء السياسي: في حال منح الجنسية لأعداد كبيرة من مزدوجي الجنسية، قد تظهر تساؤلات حول: المناصب السيادية، والوظائف الحساسة، والخدمة العسكرية السابقة في جيوش أجنبية.
-تنامي النفوذ العابر للحدود: الخطر الأكبر ليس الهجرة الجماعية من إسرائيل إلى المغرب، بل نشوء شبكات نفوذ عابرة للحدود Transnational Influence Networks قادرة على التأثير في الاقتصاد، والإعلام، والاستثمار، ومراكز القرار، تضم رجال أعمال، وسياسيين، وإعلاميين، وجماعات ضغط، ومراكز أبحاث، ترتبط بالمغرب وإسرائيل في الوقت نفسه. هذا النوع من النفوذ أخطر بكثير من الهجرة السكانية لأنه طويل المدى وغير مرئي غالباً.
-الاستقطاب الداخلي: الملف يمس الهوية، والتطبيع، والقضية الفلسطينية، ومفهوم المواطنة. ولذلك قد يتحول إلى عامل انقسام سياسي طويل المدى.
-الاستخدام الدعائي الخارجي: يمكن أن يُستخدم الملف في الصراع السردي الدائر حول الشرق الأوسط لإبراز صورة معينة عن العلاقات العربية الإسرائيلية.
أبعاد الخطر الديموجرافي
من الناحية العلمية والعملية، لا توجد أدلة على وجود تحول ديموجرافي وشيك في حال الموافقة على المقترح البرلماني وتحوله إلى قانون نافذ. هذا الخطر يندرج ضمن الخطاب الشعبوي، فليست المشكلة الأساسية في انتقال مليون شخص إلى المغرب. هذا سيناريو غير واقعي عملياً. لأنه لكي يتحقق ذلك يجب توفر سلسلة كاملة من الشروط، منها الحصول على الجنسية، والانتقال الفعلي للإقامة، والاستقرار طويل الأمد، والاندماج السياسي والاجتماعي. ولا توجد مؤشرات قوية على تحقق هذه الإجراءات المتسلسلة حتى الآن. لذلك فإن الخطر الأكثر واقعية ليس ديموجرافياً بل جيواقتصادي وسياسي وعابر للحدود.
دور حركة BDS Morocco
تمثل حركة BDS Morocco أحد أهم الفاعلين المدنيين المعارضين لهذا المقترح البرلماني. وتتمحور حججها الرئيسية حول أن القضية ليست مرتبطة باليهودية كدين أو باليهود المغاربة كجماعة تاريخية، بل بوجود عدد كبير من المستفيدين المحتملين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية أو ارتبطوا بمؤسسات الدولة الإسرائيلية. وبالتالي فهي تنظر إلى المقترح البرلماني باعتباره قضية سياسية وأمنية أكثر من كونه قضية ثقافية أو تاريخية؛ لأن عدداً كبيراً من المستفيدين المحتملين ليسوا مجرد أحفاد مهاجرين، بل مواطنون في إسرائيل وبعضهم ربما خدم أو يخدم في مؤسساتها العسكرية والأمنية. ولهذا تعتبر الحركة أن الملف سياسي وأمني أكثر منه ملف مصالحة تاريخية.
السيناريوهات المستقبلية
السيناريو الأول – الفشل والانحسار: يفشل المقترح البرلماني في جمع الدعم الكافي، نتيجته أن يبقى الملف رمزياً، ويستمر الجدل دون أثر قانوني، احتمال حدوثه مرتفع.
السيناريو الثاني – اعتماد محدود: تُمنح الجنسية ضمن شروط صارمة ولحالات محددة، نتيجته أثر سياسي محدود، ومكاسب رمزية للدولة، وانخفاض المخاطر الأمنية، احتمال حدوثه متوسط.
السيناريو الثالث – توسع تدريجي: توسيع نطاق الاستفادة ليشمل أعداداً كبيرة من الأحفاد. نتيجته زيادة النفوذ العابر للحدود، وتصاعد الجدل الداخلي، وتعميق الارتباط المغربي الإسرائيلي، احتمال حدوثه متوسط إلى ضعيف.
السيناريو الرابع – إعادة تعريف مفهوم الأمة المغربية العالمية: السيناريو الأعمق والأبعد مدى، بحيث لايصبح اليهود المغاربة في الخارج مجرد جالية تاريخية، بل جزء من رؤية استراتيجية أوسع تعتبر أن المغربي يمكن أن يكون في الدار البيضاء، أو باريس، أو مونتريال، أو تل أبيب. أي تصور جديد للأمة المغربية العابرة للحدود، على غرار نماذج الشتات الإيرلندي أو الأرمني أو اليهودي العالمي. هذا السيناريو ستكون آثاره هوياتية واستراتيجية أكثر من كونها قانونية، ويبقى ضمن المجال الوطني المغربي الرمزي والقانوني.
السيناريو الخامس – غياب الضوابط: السيناريو الأكثر خطورة، وإذا حدث مستقبلاً أي توسيع بمنح الجنسية دون تدقيق أمني، ومراجعة للخدمة العسكرية الأجنبية، وتنظيم للحقوق السياسية، وتنظيم للمناصب الحساسة قد تنشأ إشكالات تتعلق بالأمن القومي وتضارب المصالح.
ختاما
لا يبدو أن جوهر القضية المطروحة في المقترح التشريعي رقم 321183 يكمن في احتمال انتقال مئات الآلاف من الإسرائيليين ذوي الأصول المغربية إلى المغرب أو في حدوث تحول ديموجرافي واسع النطاق، فمثل هذه التصورات، رغم حضورها المكثف ضمن الخطاب الشعبوي في بعض الخطابات السياسية والإعلامية، لا تستند في الوقت الراهن إلى معطيات واقعية كافية تدعم إمكانية تحققها على المدى المنظور. فالحصول على الجنسية لا يعني بالضرورة الهجرة الفعلية أو الاستقرار الدائم أو المشاركة السياسية المباشرة، كما أن التجارب الدولية المقارنة في دول عديدة أظهرت أن منح الجنسية لأبناء المهاجرين وأحفادهم لا يؤدي تلقائياً إلى انتقالات سكانية جماعية أو إلى تبدلات جوهرية في البنية الديموجرافية للدولة المعنية.
إن الأهمية الحقيقية لهذا المقترح لا تكمن في آثاره السكانية المحتملة، بل في كونه مؤشراً على نقاش أعمق وأبعد مدى يتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة المغربية ومجالاتها البشرية الممتدة خارج الحدود الوطنية، وإعادة طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الهوية المغربية وحدود الأمة ومفهوم الانتماء الوطني في سياق التحولات الإقليمية والدولية التي شهدتها وتشهدها المنطقة منذ استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية سنة 2020م. من هذه الزاوية، يتحول المقترح التشريعي من مجرد مبادرة قانونية محدودة إلى علامة دالة على تحولات أوسع تمس تصور الدولة المغربية لذاتها ودورها ومجالها الحيوي والبشري في العالم.
إن التأثير الأكثر ترجيحاً لهذا الملف خلال العقد المقبل لن يكون تأثيراً ديموجرافياً مباشراً، بل تأثيراً سياسياً ورمزياً وجيواقتصادياً يتمثل في إعادة تشكيل شبكة العلاقات القانونية والثقافية والاقتصادية بين المغرب والجماعات المغربية اليهودية المنتشرة في مختلف أنحاء العالم، وما قد ينتج عن ذلك من توسيع لمجال النفوذ المغربي العابر للحدود أو، في المقابل، من تنامي مخاوف مرتبطة بتداخل الولاءات وتشابك المصالح وتزايد تأثير الشبكات الدولية المرتبطة بإسرائيل داخل الفضاء المغربي. من هنا تبرز أهمية النظر إلى الموضوع باعتباره جزءاً من ديناميات القوة الناعمة وإدارة الجماعات في الخارج وبناء الروابط العابرة للحدود أكثر من كونه مجرد قضية تجنيس أو استعادة جنسية.
لا ترتبط أهمية المقترح التشريعي بمصيره التشريعي المباشر؛ إذ قد يفشل في جمع التوقيعات اللازمة كما حدث من قبل، وقد لا يتحول مطلقاً إلى قانون نافذ، إلا أن ذلك لا ينتقص من دلالته الاستراتيجية. فالسياسات الكبرى كثيراً ما تبدأ في صورة مبادرات محدودة أو أفكار مثيرة للجدل قبل أن تتحول إلى موضوع للنقاش العمومي ثم إلى خيارات سياسية محتملة. ومن ثم فإن القيمة الحقيقية لهذا المقترح التشريعي تكمن في كونه يكشف عن وجود نقاش متنامٍ داخل المغرب حول قضايا شديدة العمق والحساسية تتجاوز النص القانوني ذاته، وفي مقدمتها سؤال حدود الأمة المغربية: هل تقتصر على المواطنين المقيمين داخل الحدود الوطنية أم تمتد لتشمل جماعات تاريخية حافظت على روابطها الثقافية والرمزية بالمغرب رغم هجرتها منذ عقود؟ كما يطرح سؤالاً لا يقل أهمية يتعلق بإمكانية الفصل بين المغاربة اليهود باعتبارهم مكوناً أصيلاً من مكونات الهوية الوطنية المغربية وبين الصهيونية الإسرائيلية باعتبارها مشروعاً سياسياً ودولة قومية ذات حسابات ومصالح خاصة. ويقود ذلك بدوره إلى سؤال ثالث أكثر استراتيجية يتمثل في ما إذا كان المغرب يتجه نحو بناء فضاء نفوذ عالمي يستند إلى جميع روافده التاريخية والحضارية، بما في ذلك الرافد العبري-اليهودي، باعتباره جزءاً من أدوات القوة الناعمة المغربية وشبكاتها الدولية.
ومن هذا المنطلق، فإن أخطر ما في هذا هذا الملف ليس ما ينص عليه المقترح التشريعي حرفياً، ولا عدد الأشخاص الذين قد يستفيدون منه إذا قُدِّر له أن يرى النور، بل ما يعكسه من تحولات بطيئة ومتراكمة في تصور الدولة للهوية الوطنية وللعلاقة بين الداخل والخارج، وفي إعادة رسم حدود المجال الوطني المغربي بما يتجاوز المفهوم التقليدي للدولة القومية. فالقضية في جوهرها ليست قضية جنسية بقدر ما هي قضية تعريف للانتماء، وإعادة صياغة للعلاقة بين التاريخ والهوية والمصلحة الوطنية، واستكشاف لموقع المغرب في منظومة التوازنات الإقليمية الجديدة التي تتشكل في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال العقود المقبلة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version