د/محمد أحمد صالح

مقدمة

أثارت الحرب المباشرة بين إسرائيل وإيران نقاشًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والعسكرية والإستراتيجية الإسرائيلية حول جدوى اللجوء إلى القوة العسكرية لتحقيق أهداف سياسية وإستراتيجية كبرى. فبينما رُوّج للحرب باعتبارها فرصة تاريخية لإعادة صياغة النظام الإقليمي، وإنهاء المشروع النووي الإيراني، وإضعاف شبكة الحلفاء الإقليميين لطهران، فإن النتائج التي برزت عقب توقف العمليات العسكرية دفعت العديد من المحللين الإسرائيليين إلى إعادة تقييم مجمل الحسابات التي سبقت الحرب.

تقوم هذه الورقة على تحليل الفرضية القائلة إن الحرب لم تحقق أهدافها الإستراتيجية الكاملة، وإن إسرائيل وجدت نفسها أمام واقع إقليمي أكثر تعقيدًا مما سبق، الأمر الذي يدفع إلى التساؤل: هل كان قرار الحرب خطأً إستراتيجيًا؟ وهل يمكن أن تتحول هذه الحرب إلى نقطة انعطاف في العقيدة الأمنية الإسرائيلية؟

الخلفية الإستراتيجية للحرب

دخلت إسرائيل الحرب وهي تستند إلى مجموعة من الفرضيات الأساسية، أهمها إمكانية توجيه ضربة قاصمة للبرنامج النووي الإيراني، وتقويض القدرات الصاروخية الإيرانية، وتقليص نفوذ الحلفاء الإقليميين لإيران، وتعزيز الردع الإسرائيلي، وإعادة تثبيت الهيمنة الأمريكية في المنطقة، وفرض شرق أوسط جديد بقيادة إسرائيل. اعتمدت هذه الرؤية على تصور مفاده أن التفوق العسكري الإسرائيلي، المدعوم أمريكيًا، قادر على إنتاج واقع سياسي جديد خلال فترة زمنية قصيرة.

إلا أن مجريات الحرب أظهرت أن تحقيق الأهداف العسكرية لا يترجم بالضرورة إلى مكاسب إستراتيجية مستدامة، خصوصًا عندما يمتلك الخصم قدرة على الصمود، وإعادة التموضع، وإدارة الصراع طويل الأمد.

الفجوة بين الأهداف والنتائج

-البرنامج النووي: كان الهدف الإسرائيلي المعلن يتمثل في إنهاء البرنامج النووي الإيراني أو إعادته سنوات إلى الوراء. لكن حتى في حال تعرض بعض المنشآت لأضرار، فإن السؤال الإستراتيجي بقي قائمًا: هل جرى إنهاء المعرفة النووية؟ الإجابة في الدراسات الإستراتيجية غالبًا ما تكون بالنفي، إذ إن المعرفة العلمية، والخبرات البشرية، والبنية المؤسسية لا يمكن القضاء عليها بالقصف وحده.

-البرنامج الصاروخي: اعتمدت إسرائيل على فكرة تقليص التهديد الصاروخي الإيراني، لكن الحرب كشفت في المقابل استمرار القدرة على إطلاق الصواريخ، وقدرة إيران على تعويض جزء من خسائرها، واستمرار امتلاك وسائل ردع مختلفة، وبالتالي بقي التهديد قائماً وإن تغيرت بعض تفاصيله.

-إسقاط النظام: رغم وجود تقديرات سبقت الحرب تحدثت عن إمكانية زعزعة النظام الإيراني، فإن الحرب لم تُفضِ إلى تغيير سياسي داخلي. بل على العكس، تميل بعض الدراسات إلى أن التهديد الخارجي قد يدفع المجتمعات إلى مزيد من الالتفاف حول مؤسسات الدولة خلال الأزمات.

-تفكيك الحلفاء الإقليميين: كان أحد أهداف الحرب تقليص نفوذ الشبكات المتحالفة مع إيران، إلا أن هذه الشبكات، حتى مع تعرضها لضغوط كبيرة، لم تختفِ بالكامل، وهو ما يعني أن معادلة النفوذ الإقليمي بقيت أكثر تعقيدًا من التصورات الأولية.

المراجعات داخل إسرائيل

في أعقاب الحرب، برزت في النقاشات الإسرائيلية تساؤلات من قبيل: هل كانت تكلفة الحرب أعلى من عائدها؟ هل تحقق الردع فعلاً؟ هل تغير ميزان القوى؟ هل أصبحت إسرائيل أكثر أمنًا؟ هذه الأسئلة تعكس نمطًا متكررًا في الدراسات الإستراتيجية بعد الحروب، حيث تتم مقارنة الأهداف المعلنة بالنتائج الفعلية.

التحولات في العقيدة الأمنية الإسرائيلية

اعتمدت العقيدة الأمنية الإسرائيلية تاريخيًا على عدة مرتكزات، منها نقل الحرب إلى أرض الخصم، والحسم السريع، والتفوق الجوي، والردع، والإنذار المبكر.

لكن الحرب الأخيرة أظهرت تحديات لهذه المرتكزات، منها امتداد زمن المواجهة، وتعرض العمق الإسرائيلي لهجمات، وارتفاع الكلفة الاقتصادية، ومحدودية القدرة على فرض نتائج سياسية عبر القوة العسكرية وحدها.

تأثير الحرب على البيئة الإقليمية

أعادت الحرب إبراز أهمية أدوار عدد من القوى الإقليمية في إدارة الأزمات، سواء عبر الوساطة أو احتواء التصعيد، فبرز دور مصر وباكستان وقطر والسعودية وتركيا. كما سلطت الضوء على أن استقرار المنطقة يتأثر بتشابك المصالح الأمنية والاقتصادية بين دولها، وأن أي مواجهة واسعة تترك آثارًا تتجاوز أطرافها المباشرين.

السيناريوهات المستقبلية

يمكن تصور عدة مسارات محتملة، تختلف باختلاف تطور المفاوضات، ومستوى التصعيد، ومواقف الفاعلين الإقليميين والدوليين. ومن بين هذه المسارات:

-سيناريو التهدئة النسبية: استمرار المسار التفاوضي مع احتواء التصعيد العسكري.

-سيناريو الجمود: بقاء الخلافات الأساسية دون حل، مع استمرار الردع المتبادل.

-سيناريو التصعيد: تعثر التفاهمات وعودة المواجهة العسكرية بصورة أو بأخرى.

ولا يمكن الجزم بأي من هذه السيناريوهات في ظل الطبيعة المتغيرة للبيئة الإستراتيجية.

ختاما

تكشف هذه الحرب، وفق الفرضية التي تنطلق منها الورقة، أن التفوق العسكري لا يكفي وحده لتحقيق الأهداف السياسية والإستراتيجية. كما أن إعادة تشكيل النظام الإقليمي تتطلب مزيجًا من أدوات القوة والردع والدبلوماسية وإدارة الأزمات، وأن نتائج الحروب لا تُقاس فقط بما يتحقق في ميدان القتال، بل أيضًا بما تتركه من آثار على موازين القوى، والتحالفات، والاستقرار الإقليمي.

ومن منظور استشرافي، تبقى المنطقة مرشحة لتحولات إضافية، مع استمرار التنافس الإقليمي والدولي، وتداخل مسارات الأمن والاقتصاد والسياسة. لذا فإن تقييم أي حرب ينبغي أن يستند إلى حصيلة شاملة تشمل الكلفة والعائد، والنتائج المباشرة وغير المباشرة، ومدى اقترابها من الأهداف التي انطلقت من أجلها، مع تجنب الجزم بنتائج لم تُثبتها الوقائع الموثقة.

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version