أ.د.محمد أحمد صالح

خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتياهو مؤخرا، وفي أكثر من مناسبة، ليؤكد أن إسرائيل غيرت صورة الشرق الأوسط وملامحه، بعدما أصبحت قوة إقليمية مؤثرة لها حساباتها وأهدافها على الأرض.   ومن ناحية أخرى أثارت تصريحات السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هكابي، حول أحقية إسرائيل في إقامة مايسميه “أرض إسرائيل الكبري” من النيل إلى الفرات، ماأشار إليه محللون في أوراقهم الاستراتيجية بـ”الحقبة الإسرائيلية”،  في ضوء تقليص “أعداء إسرائيل”، والتحولات الإقليمية التي بدأت العقد الماضي، خصوصًا بعد اتفاقات التطبيع، وانشغال دول في المنطقة بأزماتها الداخلية، وتغيّر أولويات الأمن القومي لدى عدد من الفاعلين الإقليميين. ومع ذلك، فإن الحديث عن “بدء حقبة إسرائيلية” في الشرق الأوسط يحتاج إلى قراءة أكثر توازنًا.

pin up pinup

فكرة “الحقبة الإسرائيلية في الشرق الأوسط” تُستخدم في الأدبيات السياسية والإعلامية لوصف تصورٍ بأن إسرائيل لم تعد كيانًا محاصرًا يسعى للبقاء، بل فاعلًا إقليميًا مؤثرًا قادرًا على تشكيل البيئة الاستراتيجية من حوله. داخل التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، لا تُطرح هذا الفكرة كهيمنة إمبراطورية، بل كتحول في المكانة والدور نتيجة تغيرات إقليمية ودولية. وبدلا من القول إن “الحقبة الإسرائيلية بدأت”، يمكن وصف الوضع الحالي بأنه مرحلة تفوق إسرائيلي نسبي وليس هيمنة إقليمية كاملة.

هناك سمات الرئيسة لهذه المرحلة وهذه الفكرة منها الردع العسكري القوي، والقبول الإقليمي المتزايد، والاندماج الاقتصادي المحدود، واستمرار التهديدات غير التقليدية، والصراع مع الشعب الفلسطيني، صاحب الأرض، غير المحسوم.

إسرائيل اليوم تعمل في بيئة استراتيجية أكثر ملاءمة مما كانت عليه خلال العقود السابقة، لكنها لم تصل إلى مرحلة الهيمنة الإقليمية أو “الحقبة الإسرائيلية”. المنطقة لا تزال متعددة القوى، والصراع الأساسي لم يُحل، والتوازنات قابلة للتغير بسرعة.

البيئة الإقليمية أكثر ملاءمة لقبول إسرائيل

ظهرت على الأرض مجموعة من المؤشرات تعني أن البيئة الإقليمية أصبحت ملائمة لقبول إسرائيل، منها:

-تراجع نمط الحروب التقليدية: لم تعد الدول العربية تخوض حروبًا نظامية ضد إسرائيل كما حدث في حرب فلسطين عام 1948م، وحرب يونيو عام 1967م، وحرب أكتوبر عام 1973م. اتجهت المنطقة في فترة الحالية نحو صراعات داخلية وحروب بالوكالة بدل المواجهة المباشرة.

-اتفاقات السلام والتطبيع: عقدت اتفاقيات ومعاهدات عربية إسرائيلية،  مثل اتفاقية كامب ديفيد، ومعاهدة وادي عربة، واتفاقات أبراهام. وسّعت هذه الاتفاقات والمعاهدات دائرة الاعتراف الإقليمي والتعاون الاقتصادي والأمني بين الجانب العربي والإسرائيلي.

تغيّر أولويات التهديد في المنطقة: بعض الدول العربية باتت ترى في التهديدات الإيرانية، والجماعات المسلحة، والأزمات الاقتصادية والأمن الداخلي تهديدات أكثر إلحاحًا وخطورة من الصراع العربي الإسرائيلي التقليدي.

-التفوق العسكري والتكنولوجي: إسرائيل تمتلك تفوقًا نوعيًا في التكنولوجيا العسكرية، وقدرات سيبرانية واستخباراتية متقدمة، وتفوقًا جويًا ونظام ردع متعدد الطبقات. هذا التفوق أرادت إسرائيل أن تصوره ومن ثم تصدره لدول المنطقة مع عمليات عسكرية نوعية توظف هذه التقنية، فنفذت الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني واغتالت قيادات المقاومة في فلسطين ولبنان وغيرذلك.

-اندماج اقتصادي وتكنولوجي متزايد: تزايد التعاون بين إسرائيل وبعض الدول العربية في مجالات الطاقة، والتكنولوجيا، والأمن السيبراني، والمياه، والزراعة.

“الحقبة الإسرائيلية”  لم تبدأ بعد

رغم المؤشرات التي تعني أن البيئة الإقليمية أصبحت ملائمة لقبول إسرائيل، إلا أنه لايمكن القول إن “الحقبة الإسرائيلية” قد بدأت للأسباب التالية:

-استمرار القضية الفلسطينية كعامل عدم استقرار: الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني لم يُحل حتى الآن، وإسرائيل لاتساعد على حله وإنما تعمل على إدارته، فيتحول دوريًا إلى جولات تصعيد، خاصة في قطاع غزة، والضفة الغربية، والقدس.

بقاء محور المقاومة والردع الإقليمي: مازالت إسرائيل تواجه تحديات مستمرة ناتجة عن عدم حل القضية الفلسطينية من حزب الله في لبنان، وحماس في غزة، وإيران وأذرعها في اليمن والعراق وغير ذلك. وكلها تهديدات غير تقليدية لكنها مؤثرة.

هشاشة التطبيع شعبيًا: رغم اتفاقات التطبيع الرسمية بين إسرائيل وعدد من الدول العربية والإقليمية، فإن المزاج الشعبي العام في كثير من الدول العربية لا يزال رافضًا للتطبيع الكامل.

البيئة الإقليمية غير المستقرة: لا يزال الشرق الأوسط ساحة تنافس بين قوى متعددة: تركيا وإيران وبعض الدول العربية، ما يمنع أية قوة واحدة من الهيمنة الكاملة.

الاعتماد الاستراتيجي على الدعم الأمريكي: تفوق إسرائيل يرتبط جزئيًا بالدعم السياسي والعسكري من الولايات المتحدة، ما يجعل نفوذها مرتبطًا بتوازنات دولية أوسع.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version