أ. وداد العربي
باحثة متخصصة في الشأن الإسرائيلي
mostbet mostbetلم يعد النظام الليبرالي العالمي، الذي تشكّل عقب انتهاء الحرب الباردة، إطارًا مستقرًا لإدارة العلاقات الدولية. فالعالم اليوم يشهد تحولات بنيوية عميقة، تتجسد في تراجع الهيمنة الأميركية، وتصاعد النزعات القومية والشعبوية، وعودة الصراعات بين الدول الكبرى. هذه التحولات لا تبقى حبيسة الجدل الأكاديمي، بل تنعكس مباشرة على حسابات الأمن القومي للدول، وفي مقدمتها إسرائيل.
تواجه إسرائيل اليوم بيئة دولية وإقليمية أكثر اضطرابًا وأقل قابلية للتنبؤ. فمن جهة، تتزايد احتمالات اندلاع حروب ومواجهات بحدة عالية بين عدة دول حول العالم، ومن جهة أخرى، تتراجع موثوقية المظلة الأمنية الأميركية- التي شكّلت لعقود- ركيزة أساسية في أمن حلفاء واشنطن، ومن بينهم إسرائيل.
عالم يتغير… وقواعد تتآكل
بعد أكثر من ثلاثة عقود على هيمنة النظام الليبرالي العالمي- القائم على العولمة، واقتصاد السوق، والمؤسسات الدولية- تتجه الساحة الدولية نحو نظام أكثر تصادما، يحكمه منطق القوة والمصالح القومية الضيقة. وقد أسهم صعود قوى دولية غير ليبرالية، مثل الصين وروسيا، في تقويض المسلّمات التي قامت عليها مرحلة “ما بعد 1991م”.
لقد شكّل الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022م لحظة كاشفة لهذا التحول، إذ أطاح عمليًا بفكرة أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل والمؤسسات الدولية كفيلان بمنع الحروب بين الدول. ومع أن الغرب اصطف خلف أوكرانيا، إلا أن هذا الاصطفاف جاء محدودًا ومحكومًا باعتبارات داخلية، ما عزز الانطباع بأن الضمانات الأمنية لم تعد مطلقة.
الولايات المتحدة: حليف أقل يقينًا
تُعد عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة مرة أخرى مؤشرًا بالغ الدلالة على التحولات داخل الغرب نفسه. فشعار “أميركا أولًا” لا يعكس مجرد خطاب انتخابي، بل توجّهًا استراتيجيًا يقلّص الالتزامات الخارجية، ويعيد تعريف التحالفات على أساس المنفعة المباشرة.
بالنسبة لإسرائيل، يمثل هذا الواقع سيفًا ذا حدّين. فمن ناحية، يُبدي ترامب دعمًا سياسيًا واضحًا لها، ومن ناحية أخرى، يحمل التيار الانعزالي بين فريق “ترامب” مخاوف من انجرار الولايات المتحدة إلى حروب جديدة في الشرق الأوسط، وهو ما قد ينعكس مستقبلًا في ضغوط لتقليص الدعم العسكري أو السياسي لإسرائيل.
كما أن تراجع مركزية “القيم الديمقراطية المشتركة” في السياسة الأميركية، سواء بسبب التحولات داخل إسرائيل نفسها أو بسبب تغيّر أولويات واشنطن، يقلل من المكانة الخاصة التي تمتعت بها إسرائيل تاريخيًا في الوعي السياسي الأميركي.
تهديدات متصاعدة… وفرص غير مباشرة
تشير تحليلات صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، إلى أن أحد أبرز مصادر التهديد لإسرائيل يتمثل في تعاظم المحور الدولي الذي يضم قوى تسعى إلى إضعاف النفوذ الأميركي، وفي مقدمتها الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية. وأكدت تلك التحليلات أن الخطر لا يكمن فقط في الخطاب السياسي، بل في احتمالات نقل قدرات عسكرية متطورة، قد تقلّص حرية الحركة الإسرائيلية في المنطقة.
في المقابل، تخلق التحولات نفسها فرصًا لإسرائيل، خصوصًا على مستوى القدرات. فسباق التسلح العالمي، وعودة الاهتمام بالأمن القومي في أوروبا وشرق آسيا، يعززان الطلب عالمياً على الصناعات العسكرية الإسرائيلية، وكان آخرها تسليم منظومة دفاع جوي إسرائيلية إلى ألمانيا.
إسرائيل بين الاعتماد والمناورة
يبقى التحدي الأساسي أمام إسرائيل هو كيفية إدارة اعتمادها الكبير على الولايات المتحدة في عالم يتجه نحو التعددية القطبية. فكلما تراجعت قدرة واشنطن أو رغبتها في لعب دور “الضامن الأخير”، اضطرت إسرائيل إلى توسيع هامش المناورة، سواء عبر تنويع شراكاتها أو تعزيز قدراتها الذاتية. وفي هذا السياق، تراهن بعض الدوائر الإسرائيلية على أن يدفع ترامب، بدافع السعي إلى إنجازات سياسية كبرى، نحو اتفاقات تهدئة أو تسويات إقليمية تقلص منسوب التهديدات. غير أن هذه الرهانات تبقى محفوفة بالمخاطر، في ظل تعقيد الملفات الإقليمية وتشابكها.
من هنا لم يكن مستغربا ان تخرج تصريحات من إسرائيل مؤخرا على لسان رئيس وزراءها بنيامين نتنياهو بتخصيص أكثر من 100 مليار دولار خلال العشر السنوات القادمة للاعتماد على أنفسنا في تسليح قواتنا دون الحاجة إلى استيراد أسلحة.
أخيراً، النظام العالمي الجديد لا يحمل لإسرائيل أمنًا مضمونًا ولا تهديدًا حتميًا، بل مزيجًا معقدًا من المخاطر والفرص. غير أن العامل الحاسم سيظل مرتبطًا بمدى قدرة إسرائيل على التكيف مع عالم أقل ليبرالية، أقل أميركية، وأكثر صدامية. وفي هذا العالم، قد تتحول المكاسب التكتيكية السريعة إلى أعباء استراتيجية طويلة الأمد، إذا لم تُقارب التحولات الدولية بواقعية سياسية بعيدة عن الرهانات الأيديولوجية.

