د.محمد أحمد صالح

مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، يبرز اسم بتسلئيل سموتريتش كأحد أبرز وجوه اليمين المتطرف في المشهد السياسي. يُنظر إليه كشخصية تمثل توجهاً أيديولوجياً حاداً يقوم على تعزيز الطابع القومي والديني للدولة، مع مواقف صارمة تجاه القضايا الأمنية والاستيطان. صعوده يعكس تحولات داخل الشارع الإسرائيلي، حيث يزداد حضور التيارات اليمينية المتشددة في ظل التوترات الإقليمية والانقسامات الداخلية. ورغم أن فرص فوزه أو تحقيقه نفوذاً واسعاً ترتبط بتحالفاته السياسية وقدرته على جذب أصوات إضافية، فإن حضوره المتنامي يشير إلى إمكانية تأثيره بشكل ملموس على تشكيل الحكومة المقبلة وتوجهاتها.

النشأة والبدايات

وُلد سموتريتش عام 1980م، ونشأ في بيئة دينية صهيونية محافظة، مرتبطة بحركة الاستيطان في الضفة الغربية. تكوّنت شخصيته السياسية داخل أوساط “الصهيونية الدينية”، حيث امتزج التعليم الديني بالنشاط الصهيوني. تلقى تعليمًا دينيًا تقليديًا، ثم درس القانون لاحقًا. برز في شبابه كناشط ضد خطط الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة، خاصة خطة فك الارتباط عن غزة التي تمت حينما كان أريئيل شارون (1932م-2014م) رئيسا للوزراء. أسست هذه المرحلة لصورة بتسلئيل سموتريتش كـ ناشط أيديولوجي قبل أن يكون سياسيًا مؤسسيًا.

خلفيته الأيديولوجية

تنتمي أفكار سموتريتش إلى تيار “الصهيونية الدينية القومية”، ويمكن تفكيكها إلى:

-العقيدة الأرضية (Land Theology): تتمثل في اعتبار مايسمى “أرض إسرائيل” حقًا دينيًا وتاريخيًا غير قابل للتقسيم، ورفض أي تنازل عن الضفة الغربية.

-رفض حل الدولتين: يرى أن إقامة دولة فلسطينية تمثل تهديدا وجوديا، من هنا يدعم ضم الأراضي عمليا وقانونيا.

-المحافظة الاجتماعية: يتبنى مواقف تقليدية تجاه قضايا المجتمع ودعم الطابع الديني للدولة.

-النزعة القانونية-الأيديولوجية:  يستخدم أدوات القانون لتكريس مشروعه السياسي، فيسعى لإعادة تشكيل العلاقة بين القضاء والسياسة.

هكذا يصف البعض بتسلئيل سموتريتش بأنه منظّر أيديولوجي داخل اليمين الديني أكثر من كونه مجرد شخصية تحمل صفات شعبوية.

المسار السياسي والتحول إلى السلطة

دخل سموتريتش الكنيست ضمن تحالفات اليمين الديني، ثم صعد تدريجيًا عبر قيادته لحزب “الصهيونية الدينية (تسيونوت دتيت)”، وتحالفه مع قوى اليمين، وعلى رأسها بنيامين نتنياهو، وتولى مناصب حكومية بارزة، أهمها وزارة المالية وأدوار مؤثرة في إدارة شؤون الضفة الغربية. هكذا يتميز سموتريتش بأنه لا يكتفي بالتأثير، بل يسعى لإعادة هندسة السياسات.

ممارسته السياسية

-العمل المؤسسي العميق: يركز على التشريعات ويسعى لتغيير بنية النظام القانوني.

-مشروع الاستيطان: دعم توسيع المستوطنات والدفع نحو ضم تدريجي للأراضي.

-إدارة الاقتصاد بمنظور سياسي: استخدام أدوات الاقتصاد لخدمة أهداف أيديولوجية وربط التنمية بالاستيطان.

-الخطاب الصريح: لا يتجنب التصريحات المثيرة للجدل ويعتمد الوضوح الأيديولوجي بدل الغموض السياسي.

هكذا اتسم أسلوب سموتريتش بالأبعاد الاستراتيجية طويلة المدى أكثر من كونه تكتيكيًا لحظيًا.

موقعه داخل الخريطة السياسية

يمثل سموتريتش النخبة الأيديولوجية لليمين الديني وشريحة المستوطنين والمتدينين القوميين، ويختلف عن شخصيات يمينية متشددة أخرى في أنه أقل شعبوية، وأكثر تنظيمًا فكريًا، وأكثر تركيزًا على “بناء النظام” بدل “إثارة الشارع”.

تقدير مستقبله السياسي

-عوامل القوة: تتجلي في وضوح أيديولوجي يجذب قاعدة ثابتة، ونفوذ داخل مؤسسات الحكم، وارتباطه بمشروع طويل المدى (الاستيطان).

-عوامل الضعف: تتجلي في أن مواقفه المتشددة تحد من انتشاره الشعبي، وحساسية دولية عالية تجاه سياساته المتشددة، واعتماده على تحالفات سياسية معقدة.

السيناريوهات المحتملة

الأول: التمكين التدريجي: يتمثل في استمرار اليمين في الحكم وتوسع مشروعه في الضفة الغربية، وهذا يجعله مهندسًا فعليًا للسياسات طويلة المدى.

الثاني: الاحتواء السياسي: يتمثل في ضغوط داخلية وخارجية وتقييد بعض سياساته، وهذا يجعله مؤثرًا لكن ضمن حدود.

الثالث: التراجع: يتمثل في تغير المزاج السياسي وصعود تيار أكثر اعتدالًا، وهذا يعني فقدان النفوذ التنفيذي.

التقييم الاستراتيجي العام

يمثل سموتريتش “العقل الأيديولوجي المنظم” داخل اليمين الإسرائيلي؛ لأنه لا يسعى فقط للفوز السياسي،  بل لإعادة تشكيل  الجغرافيا عبر الاستيطان، والقانون، وهوية الدولة.

الأثر على الأرض

داخليًا: يتمثل في تعميق الطابع الديني-القومي للدولة وتوتر مع التيارات الليبرالية.

فلسطينيًا: يتمثل في تسريع الاستيطان وتقويض فرص الحلول السياسية.

-دوليًا: يتمثل في احتكاك مع الغرب وتوتر دبلوماسي مستمر.

ختاما

بتسلئيل سموتريتش ليس مجرد شخصية سياسية متشددة مثيرة للجدل  بل هو مشروع سياسي أيديولوجي طويل الأمد ولاعب مؤسسي يسعى لإعادة هندسة الدولة. يعتمد مستقبله السياسي على استمرار صعود اليمين، وقدرة مشروعه على الصمود أمام الضغوط الدولية، وتوازناته مع بقية قادة اليمين. وبخلاف الشخصيات السياسية الشعبوية الأخرى، فإن خطره أو تأثيره يكمن في كونه يعمل بصمت نسبي، ولكن بعمق استراتيجي كبير.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version