أصدر معهد الإحصاء التركي بداية مايو الماضي2026، بيانه الربع سنوي حول معدلات السياحة التركية خلال الثلاثة الشهور الأولى من العام الحالي 2026، ومقارنته بنفس الفترة من العام الماضي، وقد أظهرت الإحصاءات أرتفاعًا قدره 4.25%، حيث بلغ عدد الزائرين الأجانب نحو 3240111 مليون زائر ما بين مواطنين أتراك يعيشون في الخارج وسائحين، وقد تصدرت ألمانيا قائمة الدول المرسلة للسائحين في تركيا، تلاها بالترتيب روسيا، بلغاريا، إيران، والمملكة المتحدة.
حقيقة أن الأرقام التي أعلنها معهد الإحصاء التركي قد تبدو مبشرة بمستقبل جيد لموسم السياحة في تركيا مع دخول فصل الصيف، إلا أن واقع التحديات التي فرضتها الحرب يظهر عكس ذلك. فهل تتمكن تركيا من تحقيق هدفها لنهاية عام 2026 بتحقيق إيرادات بقيمة 68 مليار دولار وجذب ما يقرب من 65 مليون سائح؟
أولاً: من أين تستورد تركيا طاقتها؟
تنتهج تركيا إستراتيجية تعتمد على تنويع مصادر الطاقة المستودرة من الخارج؛ لتقليل المخاطر الجيوسياسية، وهو ما انعكس في هيكل وارداتها النفطية خلال السنوات الأخيرة. وبحسب بيانات هيئة تنظيم سوق الطاقة التركية (EPDK) ، تتصدرروسيا قائمة موردي النفط إلى تركيا، بحصة تتجاوز 49.65% من إجمالي الواردات البحرية خلال يناير الماضي 2026، تتنوع بين نفط خام، وديزل، ووقود طائرات، وأنواع أخرى.
وقد جاء العراق في المرتبة الثانية بنحو بلغ 14%، نفط خام فقط، ثم تأتي المملكة العربية السعودية في المرتبة الثالثة بنحو 9.05% نفط خام وديزل، وتحل كازاخستان رابعًا حيث تصل نسبة النفط الخام المستورد منها بنحو 8.08%، فيما يبلغ إجمالي الصادرات الليبية لتركيا من النفط الخام مقدار 2.21% فقط لتحتل المرتبة السابعة في قائمة موردي البترول لتركيا، وتأتي مصر في المرتبة الحادية عشر بصادرات تتنوع بين ديزل ومشتقات بترول بنحو 0.76% فقط.
وتوضح الأرقام اعتماد أنقرة على مزيج متنوع من الموردين، ما يعني محدودية متوقعة لتأثير أي اضطرابات في منطقة بعينها على أسعار الطاقة في تركيا، بما في ذلك الخليج العربي.
بالرغم من تنوع مصادر الطاقة التركية السابقة إلا أن تأثير الحرب الأمريكية الإيرانية وما ترتب عليها من إغلاق مضيق هرمز، قد نتج عنه اضطرابات عنيفة في الأسواق المحلية في تركيا وخاصة في سوق الطاقة الذي شهد ارتفاعات متتالية في أعقاب الحرب؛ دفعت الخزانة التركية وفق احصاءات مارس الماضي، لبيع معظم حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية لتصل إلى 1.8مليار دولار فقط بنهاية مارس، مقابل 16 مليار دولار في فبراير الماضي 2026، في محاولة لمواجهة الضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحرب.
ثانيًا: أزمة وقود الطائرات.

أثرت الحرب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط على عمليات إمداد الوقود بشكل كبير، بالتزامن من مخاوف مرتقبة لحدوث أزمة في وقود الطائرات، وقد ألقت هذه المخاوف بظلالها على قطاعي الطيران والسياحة، في ضوء توقعات مرتفعة بإمكانية حدوث نقص في وقود الطائرات في أوروبا خلال الفترة المقبلة. وقد أعلنت عدة شركات من بينها الخطوط الجوية التركية عن إلغاء بعض رحلاتها كمحاولة منها لخفض النفقات، فيما تبدي بعض التقارير تباطأ الحجوزات قبيل موسم السياحة بسبب حالة “عدم اليقين”.
وتصطدم حالة “عدم اليقين” السابقة مع تصريحات المسئولين الأتراك وخاصة وزير النقل التركي عبد القادر أورال أوغلو بشكل واضح، والتي تستند على معلومات مثل التالي:
1- اعتماد تركيا بشكل كبير في تأمين احتياجاتها من الطاقة على المستورد من الخارج.
2- وفق التقارير المعلنة فإن تركيا لا تعاني من أي أزمات حالية، جراء الحرب الدائرة كون الوقود المصدر لها عبر مضيق هرمز لا يمثل سوى 10% من إجمالي ما تستورده.
3- تعد تركيا من البلدان المصدرة لوقود الطائرات -المنتج محليًا- حيث تعتمد مصافي التكرير في تركيا على النفط “المتوسط إلى الثقيل” المستورد من روسيا والعراق وأذربيجان. ويتصدر إنتاج وقود الطائرات مصافي شركة تكرير النفط التركية “TÜPRAŞ”، ومصفاة “STAR” التابعة لشركة الطاقة الحكومية الأذربيجانية في تركيا “SOKAR”.
4- وفقًا لبيانات هيئة تنظيم سوق الطاقة في تركيا، فإن تركيا صدرت خلال فبراير الماضي 2026، نحو 402 ألف طن من وقود الطائرات، في مقابل واردات بلغت نحو 59 ألف طن فقط.
وتصريحات وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار والتي تناولت التالي:
1– لدى أنقرة احتياطيات إستراتيجية كافية من الطاقة، حيث تبلغ نسبة امتلاء مرافق التخزين من الغاز 72%، في حين تصل هذه النسبة في أوروبا إلى 28% فقط.
2- اصبحت تركيا دولة محورية هامة في المنطقة في مجال الطاقة، بامتلاكها خطين رئيسيين من خطوط الأنابيب، هما ” Blue Stream” المستخدم لنقل الغاز الطبيعي عبر البحر الأسود من روسيا إلى تركيا، و خط “TürkAkım” المستخدم في نقل الغاز الطبيعي من روسيا إلى أوروبا عبر البحر الأسود أيضًا، وقد أوضح بيرقدار أن هناك إمكانية لإنشاء المزيد من الخطوط.
3- بالرغم من تأكيده أن بلاده لا تعاني حاليًا من أية أزمات جراء الحرب الدائرة إلا أنه تحدث عن ارتفاع تكلفة الغاز والنفط وما يترتب عليه من ارتفاع الأعباء المفروضة على الموازنة العامة للدولة، حيث يقابل كل زيادة في صغيرة في سعر برميل النفط ولو بمقدار دولار واحد، يقابلها حوالي 400 مليون دولار تدفعها أنقرة.
ثالثًا: رحلات ملغاة، وتغير في الوجهات.

منذ بداية مايو الماضي 2026، تم إلغاء نحو 13 ألف رحلة طيران للرحلات منخفضة الإشغال والطاقة الإستيعابية، وقد تصدرت مدينة اسطنبول قائمة الوجهات التي تأثرت بعملية الإلغاء تلك. ووفق الإحصاءات النهائية المعلنة الواردة من المديرية العامة للأمن لشهر أبريل الماضي 2026، فإن عدد الزوار الأجانب قد انخفض عدد الأجانب القادمين إلى تركيا في أبريل بنسبة 9.44٪ مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي2025، مسجلاً 3 ملايين و532 ألف و505زائر.
مسألة إلغاء رحلات الطيران ليست هي المشكلة الوحيدة، بل تتوسع مشكلات الموسم السياحي في تركيا لتشمل تراجع تركيا في قائمة الوجهات السياحية المفضلة، فتحتل وجهات بديلة مثل إسبانيا والبرتغال ودول حوض البحر الأدرياتيكي قائمة تفضيلات السائحين.
وهنا لا يرتبط تغير تركيا كوجهة مفضلة كأحد نتائج الحرب الدائرة وحسب، بل يرتبط أيضًأ بما تشير إليه البيانات من أن تركيا تكافح أيضًا من حيث تصور الأسعار، فيبدو أن وجهات مثل كرواتيا وألبانيا وتونس والمغرب ومصر تتمتع بموقع أقوى في السوق كبدائل سعرية أقل من تركيا.
ختامًا:
لا يمكن وضع تصور نهائي لمستقبل موسم السياحة التركية 2026، لعوامل عدة أبرزها التالي:
1- في حال توصل كل من إيران والولايات المتحدة الأمريكية لاتفاق دائم أو حتى هدنة مؤقتة فإن خسائر قطاع السياحة التركي قد لا تتأثر بشكل كبير، خاصة وأن تركيا قد تصبح الوجهة البديلة لدول الخليج خلال موسم الصيف.
2- في حال استمرت الحرب وزاد الطلب على النفط الخام في ظل تناقص المعروض منه، فمن المتوقع أن تكلفة النقل الجوي والمواصلات الداخلية، والطاقة المستهلكة في تشغيل الفنادق سترتفع، ما يعني ارتفاع مماثل في إجمالي أسعار الرحلات التي تحرص شركات السياحة حتى الآن على الحفاظ عليه ثابتًا.
3- يمتلك قطاع السياحة في تركيا تجربة قوية في إدارة الأزمات (جائحة كورونا- حرب أذربيجان وأرمينيا- حرب روسيا وأوكرانيا-……) التي أثرت على القطاع ، لذلك قد لا يتأثر القطاع بشكل كبير، وقد يمتلك القدرة في الحفاظ على أداء مقارب لأداء العام الماضي على أسوأ تقدير.

