أ/ محمود سامح همام
تُشكّل الحرب الجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران منذ أواخر فبراير 2026م تهديدًا مباشرًا ومعقّدًا لمنظومة الأمن والاستقرار في دول الخليج العربي، وعلى رأسها السعودية والإمارات وقطر والكويت، حيث تحوّل الإقليم إلى ساحة تأثير مباشر للعمليات العسكرية وتداعياتها الاقتصادية. فقد أدى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز- الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، أي ما يتراوح بين 17 و18 مليون برميل يوميًا- إلى تراجع حاد في تدفقات الطاقة، وارتفاع الأسعار إلى مستويات تجاوزت 110 دولارات للبرميل، فضلًا عن تصاعد تكاليف التأمين والشحن وتهديد البنية التحتية الحيوية في المنطقة. كما تستضيف هذه الدول قواعد عسكرية رئيسية تابعة للولايات المتحدة الأمريكية، ما يضعها في دائرة الاستهداف المباشر أو غير المباشر، ويُقيّد في الوقت ذاته هامش حركتها الدبلوماسية بين متطلبات التحالف الأمني مع واشنطن ومحاولات احتواء التصعيد مع طهران. وفي ظل هذا المشهد الإقليمي المتأزم، لم تعد تداعيات الحرب مقتصرة على الإطار الخليجي فحسب، بل تمتد لتطال توازنات أوسع في محيطه الجيوسياسي، الأمر الذي يفرض طرح تساؤلات جوهرية حول مدى تأثر إثيوبيا بهذه الحرب، وانعكاسات ذلك على موقعها الإقليمي، في ضوء التداعيات المتفاقمة التي تشهدها دول الخليج العربي.
الأزمات الاقتصادية المتفاقمة في إثيوبيا وسياقاتها السياسية الداخلية
تعكس الأزمة الاقتصادية الإثيوبية حالةً من التفاقم البنيوي الناتج عن تداخل اختلالات هيكلية مع ضغوط سياسية داخلية ممتدة، ما أفرز نموذجًا اقتصاديًا هشًّا وغير قادر على امتصاص الصدمات. فعلى مستوى الاستقرار النقدي، شهدت البلاد معدلات تضخم مرتفعة تجاوزت 30% خلال الأعوام الأخيرة، مع استمرار الضغوط التضخمية في السلع الأساسية، وهو ما انعكس في تراجع القدرة الشرائية واتساع معدلات الفقر. وبالتوازي، تعاني إثيوبيا من أزمة حادة في النقد الأجنبي، حيث لا تغطي احتياطاتها سوى شهرين أو ثلاثة أشهر من الواردات، الأمر الذي قيّد قدرتها على تمويل التجارة الخارجية، وأدى إلى تشوهات في سوق الصرف.
وعلى صعيد المديونية، دخلت إثيوبيا فعليًا في مسار تعثّر مالي منذ 2023م، مع عجزها عن سداد سندات دولية تُقدّر بنحو مليار دولار، فضلًا عن تراكم ديون خارجية تتجاوز 28 مليار دولار، وارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي إلى ما يقارب 35–38%، في ظل مفاوضات معقدة لإعادة الهيكلة. كما تراجعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، بالتوازي مع ارتفاع عجز الميزان التجاري نتيجة الاعتماد الكثيف على الاستيراد، خاصة في مجالات الطاقة والسلع الغذائية، وهو ما زاد من انكشاف الاقتصاد الإثيوبي على التقلبات الخارجية.
غير أن هذه الأزمات لا يمكن فصلها عن السياق السياسي الداخلي، حيث أسهمت حالة عدم الاستقرار الممتدة، لا سيما في أقاليم مثل تيجراي وأمهرة في استنزاف الموارد العامة عبر توجيه الإنفاق نحو المسار العسكري والأمني على حساب التنمية، فضلًا عن إضعاف ثقة المستثمرين وتعطيل سلاسل الإنتاج. كما أدت الطبيعة المركزية المتوترة للنظام السياسي، في ظل إدارة آبي أحمد، إلى تعقيد عملية صنع القرار الاقتصادي، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية مع الأولويات الاقتصادية، بما يحدّ من فاعلية الإصلاحات الهيكلية. وفي هذا السياق، تبدو الأزمة الاقتصادية الإثيوبية نتاجًا مباشرًا لتفاعل الضغوط المالية مع اختلالات الحكم، ما يعكس ارتباطًا وثيقًا بين هشاشة الاقتصاد وتصاعد التوترات السياسية الداخلية.
التداعيات الاستراتيجية للتصعيد الخليجي: تعاظم هشاشة الاقتصاد وتقييد الهامش في إثيوبيا
يمتد تأثير الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران إلى إثيوبيا بصورة غير مباشرة، عبر قنوات اقتصادية واستراتيجية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بدول الخليج العربي، وعلى رأسها السعودية والإمارات وقطر. إذ ينعكس اضطراب أسواق الطاقة، وارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق 110 دولارات للبرميل، في صورة ضغط مباشر على فاتورة الواردات الإثيوبية، في ظل اعتماد هيكلي على استيراد الوقود، ما يؤدي إلى استنزاف الاحتياطيات المحدودة من النقد الأجنبي، وتوسيع فجوة العجز في ميزان المدفوعات.
وعلى المستوى اللوجستي، فإن أي اختلال في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز أو تصاعد التوترات في البحر الأحمر، ينعكس بصورة مباشرة على الممر التجاري الحيوي الذي تعتمد عليه إثيوبيا، حيث تمر أكثر من 90% من تجارتها الخارجية عبر موانئ جيبوتي، ما يجعلها عرضة لارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتباطؤ سلاسل الإمداد، خاصة في السلع الاستراتيجية مثل الغذاء والطاقة. وهو ما يُترجم عمليًا إلى ضغوط تضخمية متزايدة داخل السوق الإثيوبية، وتراجع في القدرة الشرائية، بما يعمّق من هشاشة البيئة الاقتصادية.
كما يمتد التأثير إلى التدفقات المالية، حيث تُعد تحويلات العمالة الإثيوبية في الخليج، والتي تتراوح بين 4 و5 مليارات دولار سنويًا، أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، غير أن أي تباطؤ اقتصادي في دول الخليج نتيجة تداعيات الحرب يُهدد بتراجع هذه التحويلات، إلى جانب احتمالات تقليص أو إعادة هيكلة الاستثمارات الخليجية المباشرة في إثيوبيا، والتي تُقدّر بمليارات الدولارات، وتشمل قطاعات الزراعة والطاقة والبنية التحتية. وهو ما ينعكس سلبًا على استقرار المشروعات القائمة ويؤجل خطط التوسع الاقتصادي.
وفي هذا السياق، تظهر إثيوبيا كاقتصاد شديد الحساسية للصدمات الخارجية، بحكم انخراطها في دائرة إقليمية محدودة تعتمد بدرجة كبيرة على الخليج، ما يجعلها عرضة لارتدادات غير مباشرة للصراع، تتحول مع استمرار التصعيد إلى ضغط بنيوي متصاعد، يُقوّض فرص التعافي الاقتصادي، ويُعمّق من اختلالات الهيكل الاقتصادي القائم.
الخيارات الاقتصادية الاستراتيجية أمام إثيوبيا في ظل التوتر الإقليمي
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتداخل تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران مع هشاشة البيئة الاقتصادية في القرن الأفريقي، تجد إثيوبيا نفسها أمام محددات ضيقة وهامش مناورة محدود، ما يفرض عليها إعادة صياغة خياراتها الاقتصادية الاستراتيجية على نحو أكثر واقعية وبراجماتية. وفي هذا الإطار، يصبح خيار إعادة تموضع السياسة الخارجية والاقتصادية ضرورة لا ترف، بما يشمل تعزيز الانفتاح الإقليمي، وتخفيف حدة التوترات مع جيرانها، وعلى رأسهم دول القرن الأفريقي، في مقدمتها إريتريا والصومال، والعمل على بناء مسارات تعاون اقتصادي مستدام تضمن تدفقات التجارة وتقلل من كلفة العزلة الجغرافية.
كما يُعد خيار إعادة بناء العلاقات الإقليمية مدخلًا أساسيًا لتمكين إثيوبيا من مواجهة أزماتها الاقتصادية المتفاقمة، إذ أن استمرار التوترات السياسية والأمنية مع دول الجوار يفاقم من تكاليف النقل والتجارة، ويُضعف جاذبية الاقتصاد الإثيوبي أمام الاستثمارات الخارجية، ويحدّ من قدرته على الاستفادة من موقعه الجيوسياسي. ومن ثمّ، فإن تقديم تنازلات مدروسة في بعض الملفات الخلافية يُمكن أن يشكّل خطوة استراتيجية نحو تخفيف الضغوط الإقليمية، وإعادة دمج إثيوبيا داخل محيطها الطبيعي، بما يعزز من قدرتها على الصمود أمام الصدمات الاقتصادية الخارجية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه مصر، بوصفها أحد الاقتصادات الإقليمية الأكثر تطورًا وتنوعًا في المنطقة، حيث تمتلك مصر بنية اقتصادية متقدمة نسبيًا تشمل قطاعات الصناعة، والطاقة، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية، فضلًا عن موقعها الاستراتيجي على قناة السويس كممر ملاحي عالمي. وتمتلك مصر قدرة توليد كهرباء تتجاوز 60 جيجاوات، وتعتمد على مزيج طاقي متنوع يشمل الغاز الطبيعي الذي تنتج منه ما يقارب 5 إلى 6 مليارات قدم مكعب يوميًا، إلى جانب تطوير مشروعات كبرى في مجال الطاقة المتجددة، أبرزها مجمع بنبان للطاقة الشمسية بأسوان، الذي يُعد من أكبر مشروعات الطاقة الشمسية في العالم بقدرة تتجاوز 1.6 جيجاوات، بالإضافة إلى مشروعات الرياح في خليج السويس والزعفرانة بقدرات تقترب من 1.5 جيجاوات. كما تستهدف مصر رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى نحو 42% من مزيج الكهرباء بحلول 2030م، ما يعكس تحولًا استراتيجيًا في هيكل الطاقة.
ويمكن لمصر، في حال توافر بيئة سياسية مستقرة قائمة على التفاهمات المتبادلة، أن تقدم دعمًا اقتصاديًا وتنمويًا لإثيوبيا، سواء من خلال مشروعات مشتركة، أو تسهيلات لوجستية وتجارية، أو نقل خبرات في مجالات إدارة الموارد والبنية التحتية. غير أن هذا المسار يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى استعداد أديس أبابا لإعادة النظر في بعض ملفاتها الخلافية مع القاهرة، وفي مقدمتها ملف سد النهضة، والعمل على تسويتها في إطار من التفاهم السياسي والتعاون المتبادل، بما يفتح المجال أمام شراكة اقتصادية أوسع وأعمق، تسهم في تخفيف الضغوط الاقتصادية على إثيوبيا، وتعزز من استقرارها الإقليمي. وفي المحصلة، يتوقف نجاح الخيارات الاقتصادية الإثيوبية على قدرتها على التحول من منطق الصراع إلى منطق الشراكة، ومن سياسة إدارة الأزمات إلى استراتيجية بناء التوازنات الإقليمية المستدامة.
ختامًا، يتضح أن إثيوبيا لم تعد بمنأى عن ارتدادات التفاعلات الجيوسياسية المتصاعدة، خاصة في ظل الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وما تفرضه من ضغوط على منظومات الطاقة والتجارة والتحالفات في الخليج والبحر الأحمر، الأمر الذي ينعكس بشكل غير مباشر على اقتصاد إثيوبيا الهش، بما يعمّق من أزماته البنيوية المرتبطة بالتضخم وشح النقد الأجنبي وتزايد أعباء الديون؛ وفي المقابل، يظل أمام أديس أبابا هامشٌ من الخيارات الاستراتيجية يرتبط بقدرتها على إعادة تموضع سياساتها الخارجية، وتخفيف التوترات مع محيطها الإقليمي، والانفتاح على شراكات متوازنة، وعلى رأسها مصر ودول الخليج، بما يتيح لها مسارات دعم اقتصادي وتنموي أكثر استدامة، غير أن ذلك يظل مرهونًا بمدى استعدادها لتبني مقاربة براجماتية تقوم على التوازن والتعاون بدلًا من الصراع، في ظل بيئة إقليمية ودولية تتسم بقدر عالٍ من السيولة وعدم اليقين.
