د/محمد أحمد صالح

مدخل عام

تمر هذه الأيام الذكرى التاسعة والخمسون على حرب 1976م، والسؤال المحوري الذي يطرح نفسه في ضوء التطورات المتلاحقة الحالية على الساحة الإقليمية والدولية هو: إلى أي مدى يمكن اعتبار ما يحدث في غزة والتوتر المتصاعد مع إيران امتدادًا تاريخيًا واستراتيجيًا للمسار الذي بدأ بنتائج حرب 1967م، وظهرت أولى تحدياته الكبرى في حرب أكتوبر 1973م؟.

وتتفرع من هذا السؤال المحوري أسئلة أخري فرعية تتعلق بالموضوع ذاته وتداعياته، ومنها: هل ما زالت “لعنة 1967م” المتمثلة في الثقة المفرطة بالتفوق العسكري تؤثر في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي حتى اليوم؟، إلى أي مدى مثّلت حرب أكتوبر 1973م أول تصحيح عملي للنتائج النفسية والاستراتيجية التي أفرزتها حرب 1967م؟، هل تعكس الحرب في غزة اليوم حدود القوة العسكرية الإسرائيلية كما كشفت حرب أكتوبر سابقًا حدود نظرية “الجيش الذي لا يُقهر”؟،  ما أوجه التشابه بين المفاجأة الاستراتيجية التي تعرضت لها إسرائيل في أكتوبر 1973م والتحديات الأمنية التي تواجهها في عدوانها الحالي على غزة؟، وكيف انتقلت إسرائيل من مواجهة الجيوش العربية النظامية في 1967م و1973م إلى مواجهة فاعلين من غير الدول في غزة ضمن بيئة صراع أكثر تعقيدًا؟، هل أدت نتائج حرب 1967م وسياسات الاحتلال والاستيطان إلى خلق البيئة التي أسهمت في استمرار الصراع الفلسطيني حتى الوقت الراهن؟، ما العلاقة بين صعود اليمين القومي والديني في إسرائيل بعد 1967م وبين السياسات الإسرائيلية الحالية تجاه غزة والضفة الغربية؟، هل تمثل إيران اليوم التحدي الإقليمي الأكبر لإسرائيل كما مثّلت مصر وسوريا التحدي العسكري الأكبر قبل حرب أكتوبر 1973م؟، إلى أي مدى يمكن مقارنة “المفهوم” الإسرائيلي قبل حرب أكتوبر 1973م بالتصورات الإسرائيلية المعاصرة تجاه التهديدات القادمة من غزة وإيران؟، هل تكشف تطورات غزة وإيران عن استمرار أزمة الأمن الإسرائيلي التي بدأت مع نتائج حرب 1967م رغم التفوق العسكري والتكنولوجي الكبير؟

مقدمة

مثّلت حرب يونيو 1967م، أو ما تُعرف عربيًا بـ”النكسة”، نقطة تحوّل كبرى في تاريخ الصراع الإسرائيلي- العربي. لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية انتهت خلال ستة أيام، بل كانت زلزالًا سياسيًا وعسكريًا وثقافيًا واجتماعيًا ودينيًا وفكريًا. فقد غيّرت الخريطة الجغرافية للمنطقة، ووسّعت حدود السيطرة الإسرائيلية، وأدخلت إسرائيل في مرحلة جديدة من الثقة المفرطة بالنفس، لكنها في الوقت نفسه زرعت داخل المجتمع الإسرائيلي بذور أزمة عميقة ظهرت نتائجها بوضوح في حرب أكتوبر 1973م.

كانت المفارقة الكبرى أن النصر العسكري الإسرائيلي السريع عام 1967م تحوّل، بمرور الوقت، إلى عبء استراتيجي. فقد منحت الحرب إسرائيل شعورًا بالتفوّق المطلق، لكنها جعلتها أسيرة لهذا التفوق. ومن هنا يمكن فهم عبارة “لعنة 1967″، أي أن النصر الذي بدا في لحظته التاريخية انتصارًا كاملًا، أنتج غرورًا سياسيًا وعسكريًا، ووسّع الاحتلال، وعمّق الصراع وعزز النزاع، وخلق مجتمعًا إسرائيليًا أكثر عسكرةً وتديّنًا قوميًا وتصلّبًا أيديولوجيًا.

من المنظور العربي، لا يمكن قراءة حرب يونيو 1967م باعتبارها حدثًا تاريخيًا منفصلًا انتهى بانتهاء المعارك، بل بوصفها لحظة تأسيسية ما زالت تلقي بظلالها على تفاعلات الصراع في الشرق الأوسط حتى اليوم. فقد شكّلت النكسة صدمة استراتيجية ونفسية عميقة للعالم العربي، لكنها في الوقت ذاته أطلقت عملية مراجعة شاملة انتهت بعد ست سنوات فقط بعبور أكتوبر 1973م، الذي أعاد للعرب الثقة بقدرتهم على الفعل والتخطيط وكسر معادلات القوة المفروضة. وبين هاتين المحطتين تبلورت قناعة عربية مفادها أن التفوق العسكري الإسرائيلي ليس قدرًا مطلقًا، وأن الإرادة السياسية للشعوب والاستعداد الاستراتيجي قادران على إحداث تحولات كبرى في موازين الصراع.

وفي العقود اللاحقة، ظل إرث عام 1967م حاضرًا في الوعي العربي من خلال استمرار الاحتلال والاستيطان والصراع على القدس والحقوق الفلسطينية. ومع اندلاع العدوان على قطاع غزة في السنوات الأخيرة، عاد الحديث مجددًا عن حدود القوة العسكرية الإسرائيلية وقدرتها على تحقيق أهداف سياسية دائمة. كما أن تصاعد المواجهة غير المباشرة والمباشرة بين إسرائيل وإيران أضاف بُعدًا إقليميًا جديدًا للصراع، بحيث لم يعد مقتصرًا على الساحة الفلسطينية وحدها، بل أصبح جزءًا من شبكة أوسع من التوازنات والتحالفات والصراعات الممتدة في المنطقة. ومن ثم فإن فهم ما يجري اليوم في غزة، وما يرتبط به من توترات مع إيران، يقتضي العودة إلى الجذور التي تشكلت بعد حرب 1967م، وإلى التحولات التي كشفتها حرب أكتوبر 1973م، بوصفهما محطتين أساسيتين لفهم طبيعة الصراع وحدود القوة وإشكالية الأمن في الشرق الأوسط المعاصر.

النتائج السياسية لحرب 1967م على إسرائيل

-التحوّل من دولة تبحث عن الاعتراف إلى دولة احتلال واسعة: قبل عام 1967م، كانت إسرائيل تركّز على تثبيت وجودها داخل حدود الهدنة لعام 1949م. أما بعد الحرب، فقد أصبحت تسيطر على أراضٍ عربية واسعة: سيناء، وقطاع غزة، والضفة الغربية، والقدس الشرقية، والجولان. هذا التحول غيّر طبيعة المشروع الإسرائيلي من مشروع دولة تبحث عن الأمن والاعتراف إلى مشروع قوة إقليمية محتلة تدير شعوبًا عربية وفلسطينية واسعة. هذا الوضع وضع إسرائيل أمام سؤال استراتيجي خطير: هل تحتفظ بالأرض أم تساوم عليها مقابل السلام؟ وهل يمكن الجمع بين “يهودية الدولة” و”ديمقراطيتها” مع السيطرة على ملايين الفلسطينيين؟. هنا بدأت المعضلة التي لا تزال آثارها ممتدة: الأرض تمنح عمقًا استراتيجيًا، لكنها تجلب معها سكانًا مقاومين وعبئًا أخلاقيًا وسياسيًا وديموجرافيًا.

طرح فكرة “الأرض مقابل السلام”: بعد الحرب صدر قرار مجلس الأمن رقم 242، الذي أسّس لمعادلة الانسحاب من أراضٍ احتُلت عام 1967م مقابل الاعتراف والسلام. وقد قبلت به مصر والأردن منذ البداية، بينما رفضته منظمة التحرير الفلسطينية في ذلك الوقت؛ لأنه لم يعترف صراحةً بالشعب الفلسطيني كطرف سياسي مستقل. القرار أصبح لاحقًا أساسًا لكثير من مسارات التسوية العربية–الإسرائيلية. لكن داخل إسرائيل لم يكن هناك إجماع على الانسحاب. فبعض النخب رأت أن الأراضي المحتلة يمكن أن تكون ورقة تفاوضية، بينما رأى التيار الصهيوني القومي والديني أنها “أرض محررة” لا يجوز التخلي عنها. وهنا بدأ الانقسام الإسرائيلي بين تيار براجماتي يرى الأرض أداة للمساومة، وتيار أيديولوجي يرى الأرض جزءًا من الهوية والمصير.

-إعادة تشكيل الخريطة الحزبية الإسرائيلية: أدّت حرب 1967م إلى تعزيز مكانة المؤسسة العسكرية داخل السياسة الإسرائيلية. أصبح الجنرالات رموزًا وطنية، ودخل كثير منهم الحياة السياسية لاحقًا. كما عزّز النصر مكانة حزب العمل الحاكم، لكنه في الوقت نفسه فتح الطريق أمام صعود اليمين القومي، خصوصًا بعد أن أصبح موضوع الضفة الغربية والقدس والجولان وسيناء قضية هوية لا مجرد قضية أمن. وقد ساعدت نتائج 1967م لاحقًا في صعود حزب “ليكود”، لأن قطاعات من المجتمع الإسرائيلي بدأت ترى أن التمسك بالأراضي المحتلة هو الضمان الحقيقي للأمن. بمعنى آخر، ولّدت الحرب بيئة سياسية أكثر يمينية، وأكثر ارتباطًا بفكرة القوة، وأقل استعدادًا لتقديم تنازلات سريعة.

النتائج العسكرية والاستراتيجية

-أسطورة الجيش الذي لا يُقهر: أبرز نتائج حرب 1967م عسكريًا كانت صناعة أسطورة “الجيش الإسرائيلي الذي لا يُهزم”. فقد نجحت إسرائيل في تدمير جزء كبير من طيران الجيوش العربية في الساعات الأولى، وحققت تقدمًا سريعًا على الجبهات المصرية والأردنية والسورية. هذا الأداء خلق داخل إسرائيل قناعة بأن التفوق النوعي، وسرعة التعبئة، والضربة الجوية الوقائية، والاستخبارات المتقدمة كافية لضمان النصر في أي حرب قادمة. لكن هذه القناعة تحولت إلى خطر استراتيجي. فقد أنتجت نوعًا من الجمود العقلي داخل القيادة العسكرية، وخصوصًا ما عُرف لاحقًا في الأدبيات الإسرائيلية بـ”المفهوم” أو “الكونسبتسيا”: أي الاعتقاد بأن العرب، وخصوصًا مصر وسوريا، لن يشنّوا حربًا إلا إذا امتلكوا قدرة جوية وصاروخية تضمن لهم التفوق أو على الأقل تحييد العمق الإسرائيلي. هذه الفرضية جعلت إسرائيل تستخف بالمؤشرات التي سبقت حرب أكتوبر 1973م.

-الاعتماد المفرط على التفوق الجوي: بعد 1967م ترسخت عقيدة إسرائيلية تقول إن سلاح الجو هو مفتاح الحسم. صحيح أن سلاح الجو كان عنصرًا حاسمًا في يونيو 1967م، لكن حرب أكتوبر أثبتت أن الاعتماد المطلق عليه كان خطأً. فقد بنت مصر شبكة دفاع جوي قوية غرب قناة السويس، ونجحت في تقليل حرية الحركة الجوية الإسرائيلية في الأيام الأولى من الحرب. وهكذا تحوّل درس 1967م إلى فخ. إسرائيل قرأت نجاحها السابق باعتباره قانونًا دائمًا، بينما قرأت مصر الهزيمة باعتبارها مشكلة يجب تفكيكها: كيف نعبر القناة؟ كيف نحمي القوات من الطيران الإسرائيلي؟ كيف نكسر خط بارليف؟ كيف نحارب تحت مظلة صواريخ؟ لذلك كان الإعداد المصري لحرب أكتوبر قائمًا على علاج نقاط ضعف 1967م لا على تكرارها.

-خط بارليف ووهم التحصينات: بعد احتلال سيناء، بنت إسرائيل خط بارليف على الضفة الشرقية لقناة السويس. صُوّر الخط في الوعي الإسرائيلي كحاجز دفاعي قوي يصعب اختراقه. لكنه كان في الواقع تعبيرًا عن عقلية دفاعية مغرورة: الاعتقاد بأن المصريين لن يستطيعوا عبور القناة أو تحطيم الساتر الترابي أو التعامل مع التحصينات. في أكتوبر 1973م، انهارت هذه الصورة خلال ساعات. استخدم الجيش المصري خراطيم المياه لفتح ثغرات في الساتر الترابي، وعبرت القوات المصرية القناة، وسقطت مواقع إسرائيلية عديدة. هنا ظهرت لعنة 1967م بوضوح: الثقة المفرطة التي نشأت من نصر سريع أنتجت استخفافًا بقدرة الخصم على التعلم والتطوير.

النتائج الثقافية والفكرية داخل إسرائيل

-ثقافة النصر والغرور القومي: بعد 1967م دخل المجتمع الإسرائيلي في حالة نشوة جماعية. فقد بدا أن الدولة الصغيرة المحاطة بالأعداء تحولت إلى قوة إقليمية كبرى. انتشرت في الثقافة الشعبية صورة الجندي الإسرائيلي الشجاع، والجنرال العبقري، والعربي المهزوم. هذه الصورة انعكست في الإعلام، والأدب، والخطاب السياسي، والتعليم، وحتى النكات اليومية. لكن هذه الثقافة حملت في داخلها بذور الانهيار. فعندما يتحول النصر إلى عقيدة، يصبح النقد خيانة، والحذر ضعفًا، والتشكيك في تقديرات الجيش أمرًا غير مقبول. وهكذا تراجع التفكير النقدي أمام الاحتفال بالقوة.

-احتقار الخصم العربي: من أخطر نتائج 1967م داخل إسرائيل انتشار صورة نمطية عن الجيوش العربية باعتبارها غير قادرة على التخطيط والتنفيذ والمبادرة. هذه النظرة لم تكن مجرد عنصرية اجتماعية، بل أثرت في تقديرات الأمن القومي. فقد افترضت قطاعات من القيادة الإسرائيلية أن العرب لن يجرؤوا على الحرب، وأنهم غير قادرين على تنسيق هجوم واسع. هذه النظرة أسهمت في مفاجأة أكتوبر. فمصر وسوريا لم تكونا تسعيان إلى تدمير إسرائيل عسكريًا بالكامل في ضربة واحدة، بل إلى كسر الجمود السياسي والعسكري وفرض واقع جديد. إسرائيل أساءت فهم الهدف العربي لأنها كانت تقيسه بمنطقها هي لا بمنطق الخصم.

-صعود الفكر الديني القومي: احتلال القدس الشرقية والضفة الغربية، بما فيها أماكن ذات رمزية دينية كبرى مسيحية وإسلامية، أحدث تحولًا عميقًا في الوعي الديني اليهودي-الصهيوني. بالنسبة لتيارات دينية وقومية، لم تكن حرب 1967م مجرد نصر عسكري، بل “علامة خلاصية” أو “تحققًا لوعد تاريخي”. ومن هنا بدأت حركة الاستيطان الديني تأخذ زخمًا أكبر. هذا التحول جعل الصراع على الأرض أكثر تعقيدًا. فالأرض لم تعد فقط منطقة أمنية أو ورقة تفاوض، بل أصبحت في نظر قطاعات واسعة “أرضًا مقدسة”. وهذا ما أضعف قدرة الحكومات الإسرائيلية لاحقًا على اتخاذ قرارات انسحاب شاملة، خصوصًا في الضفة الغربية والقدس.

النتائج الاجتماعية داخل المجتمع الإسرائيلي

-عسكرة المجتمع: بعد 1967م زادت مكانة الجيش في المجتمع الإسرائيلي. أصبح العسكري الناجح رمزًا للقيادة، وصارت الخبرة العسكرية طريقًا إلى النفوذ السياسي والاجتماعي. ورغم أن إسرائيل كانت أصلًا مجتمعًا عسكريًا بحكم نشأتها وظروفها الأمنية، فإن حرب 1967م عمّقت هذه الظاهرة. المشكلة أن عسكرة المجتمع تجعل التفكير الأمني يطغى على التفكير السياسي. أي أن السؤال يصبح: كيف ننتصر؟ لا: كيف ننهي الصراع؟ وهذا ما جعل إسرائيل بعد 1967م تميل إلى إدارة الصراع من موقع القوة بدل البحث الجاد عن تسوية شاملة.

-انقسام بين المركز والأطراف: النصر لم يلغِ التوترات الداخلية في إسرائيل. فقد ظل هناك انقسام بين اليهود الأشكناز واليهود الشرقيين، وبين العلمانيين والمتدينين، وبين اليسار واليمين. لكن 1967م أعادت ترتيب هذه الانقسامات حول سؤال الأرض والهوية. بعض الفئات رأت في الأراضي المحتلة فرصة اقتصادية وأمنية ودينية، بينما رأت فئات أخرى أنها عبء أخلاقي وسياسي. ومع مرور الوقت، أصبح الاحتلال نفسه عاملًا داخليًا لإعادة تشكيل المجتمع الإسرائيلي، لا مجرد مسألة خارجية.

-الفلسطينيون تحت الاحتلال عامل ضغط دائم: سيطرة إسرائيل على الضفة وغزة أدخلت الفلسطينيين مباشرة تحت الحكم الإسرائيلي. هذا خلق احتكاكًا يوميًا بين الجيش والمجتمع الفلسطيني، وفتح الباب أمام المقاومة، والاعتقالات، والإدارة العسكرية، والاستيطان، ومصادرة الأراضي. وبذلك انتقل الصراع من حدود دولية إلى داخل المجال الذي تسيطر عليه إسرائيل. هذا الوضع أثّر على المجتمع الإسرائيلي نفسيًا وأخلاقيًا. فالاحتلال الطويل يحتاج إلى جهاز أمني وإداري دائم، ويخلق تبريرات أيديولوجية مستمرة، ويجعل العنف جزءًا من الحياة اليومية. ومن هنا يمكن القول إن 1967م لم تمنح إسرائيل أمنًا نهائيًا، بل أدخلتها في إدارة دائمة لشعب آخر.

البعد الديني والصهيوني

-من الصهيونية السياسية إلى الصهيونية الدينية التوسعية: الصهيونية الأولى كانت في معظمها مشروعًا سياسيًا علمانيًا، يهدف إلى إقامة مايسمى “وطن قومي لليهود”. لكن بعد 1967م، اكتسبت الصهيونية الدينية قوة جديدة. فقد بدا احتلال القدس والضفة الغربية لكثيرين منهم وكأنه تأكيد ديني على مشروعية المشروع الصهيوني. من هنا برز خطاب مايسمى “يهودا والسامرة” بدل “الضفة الغربية”، وهو خطاب ليس لغويًا فقط، بل أيديولوجي؛ لأن استخدام الأسماء التوراتية يعيد تعريف الأرض باعتبارها جزءًا من التاريخ المقدس، لا منطقة محتلة وفق القانون الدولي.

-القدس رمز تعبوي: احتلال القدس الشرقية عام 1967م كان الحدث الأكثر تأثيرًا دينيًا ورمزيًا. فقد تحولت القدس إلى مركز تعبئة داخل إسرائيل والعالم اليهودي. شعار “توحيد القدس” أصبح جزءًا من الهوية السياسية الإسرائيلية، بينما رآه العرب والفلسطينيون احتلالًا لمدينة عربية وإسلامية ومسيحية ذات مكانة كبرى. هذا البعد الديني جعل أي تسوية لاحقة حول القدس شديدة الصعوبة. فالمدينة لم تعد مجرد عاصمة سياسية، بل أصبحت عقدة رمزية تجمع الدين والقومية والتاريخ والذاكرة.

-الاستيطان ترجمة عملية للفكر الصهيوني بعد 1967م: بعد الحرب بدأ الاستيطان في الأراضي المحتلة يتوسع تدريجيًا. في البداية جرى تبريره أمنيًا، ثم أخذ طابعًا دينيًا وقوميًا أوضح. الاستيطان كان أحد أهم نتائج 1967م لأنه حوّل الاحتلال من وضع عسكري مؤقت إلى مشروع تغيير دائم للجغرافيا والديموجرافيا. وهنا تظهر لعنة 1967م مرة أخرى: الأرض التي منحت إسرائيل شعورًا بالأمن تحولت إلى مصدر صراع دائم، وكل مستوطنة جديدة جعلت الانسحاب أصعب، وكل صعوبة في الانسحاب جعلت الصراع أطول.

الدول العربية مع نتائج الحرب في مؤتمر الخرطوم واللاءات الثلاث

-سياق مؤتمر الخرطوم: انعقد مؤتمر القمة العربية في الخرطوم بين 29 أغسطس و1 سبتمبر 1967م، بعد أقل من ثلاثة أشهر على الهزيمة. كان الهدف الأساسي هو إعادة بناء الموقف العربي بعد الصدمة، ومنع الانهيار السياسي الكامل، وتنسيق الدعم للدول التي خسرت الحرب، خصوصًا مصر والأردن. وقد اشتهر المؤتمر بما عُرف بـ”اللاءات الثلاث”: لا صلح مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل، لا تفاوض معها.

-اللاءات الثلاث ومعناها السياسي: اللاءات الثلاث لم تكن مجرد شعارات عاطفية، بل كانت محاولة لإعادة بناء الحد الأدنى من الإجماع العربي. فبعد الهزيمة كان الشارع العربي غاضبًا، وكانت شرعية بعض الحكومات مهددة. لذلك جاء مؤتمر الخرطوم ليقول إن الهزيمة العسكرية لا تعني الاستسلام السياسي. لكن في الوقت نفسه، لم يكن المؤتمر إعلانًا لحرب فورية شاملة. فقد أشارت وثائق أمريكية إلى أن العرب في الخرطوم اتجهوا إلى محاولة استعادة الأراضي عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية، مع الحفاظ على خطاب عدم الاعتراف وعدم التفاوض المباشر. وهذا يعني أن هناك تناقضا ظاهريا: خطاب عربي صلب أمام الجماهير، وتحرك سياسي دولي لاستعادة الأراضي. وهذا التناقض كان مقصودًا إلى حد كبير؛ لأنه سمح للحكومات العربية بالحفاظ على شرعيتها داخليًا، مع ترك مساحة للمناورة خارجيًا.

-الدعم المالي وإعادة بناء الجيوش: من أهم نتائج مؤتمر الخرطوم أن الدول العربية النفطية، خصوصًا السعودية والكويت وليبيا، قدمت دعمًا ماليًا للدول المتضررة من الحرب. هذا الدعم كان مهمًا لمصر والأردن؛ لأنه ساعد على إعادة بناء القوات المسلحة وتعويض جزء من الخسائر. وبذلك لم يكن مؤتمر الخرطوم مجرد مؤتمر شعارات، بل كان محطة لإعادة ترتيب النظام العربي بعد الهزيمة: دعم مالي، وتنسيق سياسي، واحتواء الخلافات العربية، وإعادة بناء القدرة العسكرية.

-أثر لاءات مؤتمر الخرطوم على إسرائيل: إسرائيليًا، استُخدمت اللاءات الثلاث لتأكيد فكرة أن العرب لا يريدون السلام. وقد عزز ذلك التيار المتشدد داخل إسرائيل، الذي قال إن الانسحاب من الأراضي العربية  المحتلة لن يجلب سلامًا بل سيعيد الخطر إلى حدود 1967م. فرأى بعض المحللين أن اللاءات الثلاث عززت الشك الإسرائيلي في استعداد العرب لقبول تسوية يمكن لإسرائيل قبولها. لكن هذه القراءة الإسرائيلية تجاهلت أن الخرطوم لم يكن نهاية السياسة العربية، بل بداية مرحلة انتقالية بين الصدمة والرد. فمصر تحديدًا بدأت بعد ذلك في الجمع بين السياسة والحرب المحدودة والاستنزاف، وصولًا إلى حرب أكتوبر 1973م.

استعدادات مصر لحرب أكتوبر 1973م

أخذت استعدادات الدولة المصرية لحرب أكتوبر 1973م عدة خطوات وإجراءات، بعضها على المدى القريب، وبعضها على المدى المتوسط، وبعضها على المدى البعيد، ومنها:

-إعادة بناء الجيش بعد النكسة: بعد 1967م كان الجيش المصري في حالة انهيار معنوي ولوجيستي. بدأت عملية إعادة البناء بإعادة تنظيم القيادة، واستيعاب الدروس، وتطوير التدريب، واستعادة الانضباط. كانت الخطوة الأولى هي الخروج من صدمة النكسة وتحويلها إلى مشروع ثأر استراتيجي منظم. لم يكن الهدف المصري في البداية هو تدمير إسرائيل، بل كسر الجمود، واستعادة الثقة، وتحريك القضية سياسيًا. هذه النقطة مهمة جدًا لفهم حرب أكتوبر: مصر لم تخطط لحرب شاملة مفتوحة بلا نهاية، بل لحرب محدودة الأهداف تُحدث صدمة استراتيجية لإسرائيل وتجبر القوى الكبرى على التدخل.

-حرب الاستنزاف مدرسة إعداد وتدريب: بين 1968م و1970م خاضت مصر حرب الاستنزاف ضد إسرائيل على جبهة قناة السويس. كانت هذه الحرب مهمة لأنها أعادت للجيش المصري خبرة القتال، واختبرت قدرات المدفعية، وفرضت على إسرائيل تكلفة بشرية ومادية، وأثبتت أن الجبهة المصرية لم تمت بعد 1967م. كما سمحت حرب الاستنزاف ببناء شبكة الدفاع الجوي تدريجيًا، وهي الشبكة التي أصبحت لاحقًا عنصرًا حاسمًا في نجاح العبور عام 1973م.

-بناء حائط الصواريخ: أدركت مصر أن أكبر مشكلة عام 1967م كانت التفوق الجوي الإسرائيلي. لذلك ركزت على بناء مظلة دفاع جوي كثيفة من صواريخ سام والمدفعية المضادة للطائرات. هذه المظلة لم تكن مجرد سلاح دفاعي، بل كانت شرطًا للهجوم. فالقوات المصرية العابرة للقناة لا تستطيع الصمود شرقًا إذا تُركت مكشوفة للطيران الإسرائيلي. نجحت الخطة المصرية في جعل العبور داخل مدى حماية الدفاع الجوي. ولذلك لم تتقدم القوات المصرية في الأيام الأولى بعيدًا جدًا شرق القناة؛ لأن الخروج من مظلة الصواريخ كان يعني التعرض لضربات جوية إسرائيلية مكثفة.

-التخطيط لعبور قناة السويس: كان عبور قناة السويس تحديًا هندسيًا وعسكريًا كبيرًا. احتاجت مصر إلى حل مشكلات متعددة: الساتر الترابي، والنقاط الحصينة، وسرعة إنشاء الكباري والجسور، ونقل الدبابات، وحماية المشاة، ومواجهة الاحتياطيات الإسرائيلية، والحفاظ على المفاجأة. تم تدريب القوات المصرية على العبور مرات عديدة. كما تم تطوير فكرة استخدام مضخات المياه لفتح ثغرات في الساتر الترابي. هذه الفكرة البسيطة نسبيًا كانت ذات أثر استراتيجي كبير؛ لأنها أسقطت رهبة خط بارليف.

-الخداع الاستراتيجي: اعتمدت مصر وسوريا على خطة خداع واسعة لإقناع إسرائيل بأن التحركات العسكرية ليست مقدمة لحرب. تكررت المناورات المصرية أكثر من مرة، ما جعل إسرائيل تعتاد على الحشود. كما اختير توقيت الحرب في يوم عيد الغفران اليهودي، وهو يوم تكون فيه إسرائيل في حالة شلل جزئي، لكنه أيضًا يوم تعبئة نفسية عالية إذا بدأت الحرب. المفاجأة لم تكن كاملة تمامًا، فقد وصلت لإسرائيل تحذيرات ومؤشرات، لكن القيادة الإسرائيلية فسّرتها داخل إطار “المفهوم” الخاطئ: العرب لا يريدون أو لا يستطيعون الحرب الآن.

-التنسيق المصري-السوري: كان التنسيق مع سوريا جزءًا أساسيًا من الخطة. كان فتح جبهتين في وقت واحد يهدف إلى تشتيت القوة الإسرائيلية ومنعها من تركيز الاحتياطيات على جبهة واحدة. وقد حققت الضربة الأولى في الجبهتين أثرًا نفسيًا كبيرًا؛ لأنها حطمت صورة التفوق الإسرائيلي المطلق.

الأصوات الإسرائيلية التي حذرت من روح الغرور قبل أكتوبر

-التحذير من “نشوة النصر”: بعد 1967م ظهرت داخل إسرائيل أصوات محدودة حذرت من أن النصر السريع قد يتحول إلى خطر. بعض المثقفين والسياسيين والعسكريين السابقين رأوا أن الاحتلال سيُفسد المجتمع الإسرائيلي، وأن العرب لن يقبلوا الهزيمة إلى الأبد، وأن تجاهل المطالب المصرية والسورية سيقود إلى حرب جديدة. لكن هذه الأصوات بقيت ضعيفة أمام خطاب القوة السائد والشائع. فالمجتمع المنتصر غالبًا لا يحب سماع التحذيرات. كان المزاج العام يقول: لقد انتصرنا في ستة أيام، والجيوش العربية تحتاج سنوات طويلة لتتعافى، والحدود الجديدة أكثر أمنًا.

-الاستخبارات والتحذيرات التي لم تُقرأ جيدًا: قبل حرب أكتوبر وصلت إلى إسرائيل مؤشرات كثيرة: حشود مصرية وسورية، ومعلومات من مصادر مختلفة، وتحذيرات سياسية. لكن القيادة الإسرائيلية لم تعطها الاهتمام الكافي. المشكلة لم تكن غياب المعلومات فقط، بل طريقة تفسيرها. فقد كانت المعلومات تُقرأ من خلال قناعة مسبقة بأن الحرب غير محتملة. هذا هو جوهر الفشل الاستراتيجي: ليس ألا تعرف، بل أن تعرف ولا تصدق؛ لأن ما تعرفه يخالف صورتك عن نفسك وعن عدوك.

-لجنة أجرانات وصدمة ما بعد الحرب: بعد حرب أكتوبر شكلت إسرائيل لجنة أجرانات للتحقيق في الهزيمة والإخفاقات على الأرض. كشفت الشهادات والوثائق لاحقًا حجم الارتباك وسوء التقدير داخل القيادة. وقد تناولت تقارير إسرائيلية لاحقة شهادات جولدا مائير وغيرها أمام اللجنة، وأشارت إلى أن الحرب تركت جرحًا عميقًا في الوعي الإسرائيلي، وأن القيادة واجهت اتهامات بالغطرسة وسوء التقدير. كانت حرب أكتوبر بالنسبة لإسرائيل صدمة مضادة لصدمة العرب عام 1967م. فإذا كانت 1967م قد صنعت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، فإن 1973م كسرت هذه الأسطورة. لم تُهزم إسرائيل هزيمة شاملة، لكنها فقدت الشعور بالحصانة المطلقة.

لعنة حرب عام 1967م في المجتمع الإسرائيلي

-من النصر إلى القلق: في الظاهر، منحت 1967م إسرائيل حدودًا أوسع وعمقًا استراتيجيًا أكبر. لكنها في العمق زادت قلقها. فكل أرض جديدة احتاجت إلى دفاع، وكل شعب واقع تحت الاحتلال احتاج إلى مراقبة، وكل مستوطنة احتاجت إلى حماية، وكل انتصار خلق توقعًا بانتصار جديد. هكذا أصبحت إسرائيل أسيرة نصرها. لم تعد قادرة على العودة بسهولة إلى حدود ما قبل الحرب، ولم تستطع أيضًا دمج الأراضي المحتلة دون تدمير طبيعتها الديموجرافية والسياسية.

-الانقسام الأخلاقي: أنتج الاحتلال سؤالًا أخلاقيًا داخل إسرائيل: هل يمكن لأبناء دولة تأسست على ذاكرة المعاناة من الاضطهاد أن تمارس السيطرة العسكرية والاضطهاد على شعب آخر؟ هذا السؤال ظهر في الأدب والصحافة والجامعات وحركات السلام، لكنه اصطدم دائمًا بمنطق الأمن والخوف. ومع الوقت، أصبح المجتمع الإسرائيلي أكثر انقسامًا بين من يرى الاحتلال ضرورة أمنية، ومن يراه خطرًا على روح إسرائيل نفسها.

-تآكل الثقة في القيادة بعد 1973م: حرب أكتوبر كشفت أن القيادة التي صنعت نشوة 1967م لم تكن معصومة. فقد شعر كثير من الإسرائيليين أن الحكومة والجيش خدعوهم أو فشلوا في حمايتهم. هذا أدى إلى أزمة ثقة عميقة، وأسهم لاحقًا في التحولات السياسية التي أبعدت اليسار لأول مرة وأوصلت اليمين إلى الحكم عام 1977م.

إذن لعنة 1967م لم تظهر كاملة إلا في 1973م: الغرور أنتج المفاجأة، والمفاجأة أنتجت أزمة ثقة، وأزمة الثقة أعادت تشكيل السياسة الإسرائيلية.

القراءة الاستراتيجية الشاملة

يمكن تلخيص الأثر الاستراتيجي لحرب 1967م في خمس نتائج كبرى:

-توسع جغرافي بلا حل سياسي: إسرائيل كسبت الأرض، لكنها لم تكسب السلام. بل إن الأرض الجديدة جعلت السلام أصعب؛ لأنها خلقت شهية توسعية عند اليمين، وخوفًا أمنيًا عند الوسط، ورفضًا عربيًا وفلسطينيًا للاحتلال.

-تفوق عسكري أنتج غرورًا معرفيًا: المشكلة لم تكن في امتلاك إسرائيل قوة عسكرية، بل في اعتقادها أن هذه القوة تكفي لفهم المستقبل. التفوق العسكري لا يعفي من فهم نوايا الخصم، ولا من إدراك أن المهزوم يتعلم.

-احتلال أنتج مقاومة مستمرة: بدل أن تنهي 1967م الصراع، نقلته إلى مستوى أعمق. أصبحت إسرائيل تواجه ليس فقط جيوشًا عربية، بل شعبًا فلسطينيًا تحت الاحتلال، وحركات مقاومة، وانتفاضات لاحقة، وأزمة شرعية دولية متزايدة.

-نصر ديني–قومي صعّب التسوية: تحويل الأرض إلى مقدس جعل التراجع عنها أكثر صعوبة. وكلما دخل الدين في الجغرافيا، أصبح الحل السياسي أكثر تعقيدًا.

-أكتوبر 1973م تصحيح استراتيجي عربي: حرب أكتوبر لم تمحُ آثار 1967م بالكامل، لكنها كسرت أهم نتائجها النفسية: أسطورة الردع المطلق. لقد أثبتت أن العرب قادرون على التخطيط والمفاجأة والعبور، وأن إسرائيل يمكن أن تُفاجأ وتُربك وتدفع ثمن الغرور.

ختاما

كانت حرب 1967م نصرًا عسكريًا إسرائيليًا كبيرًا، لكنها تحولت إلى لعنة استراتيجية طويلة المدى. فقد منحت إسرائيل الأرض، لكنها سلبتها اليقين. منحتها نشوة القوة، لكنها زرعت الغرور. منحتها عمقًا جغرافيًا، لكنها أدخلتها في مأزق الاحتلال. منحتها القدس والضفة والجولان وسيناء وغزة، لكنها فتحت عليها أسئلة الهوية والدين والديموجرافيا والأمن والأخلاق.

أما عربيًا، فقد كانت الهزيمة صدمة كبرى، لكن مؤتمر الخرطوم أعاد بناء الحد الأدنى من التضامن العربي، ووفّر دعمًا سياسيًا وماليًا للدول المتضررة، بينما بدأت مصر خصوصًا رحلة طويلة من إعادة البناء العسكري والنفسي انتهت بعبور أكتوبر 1973م.

وفي النهاية، يمكن القول إن حرب أكتوبر 1973م كانت الابن التاريخي لحرب 1967م. فكما صنعت 1967م الغرور الإسرائيلي، صنعت أيضًا التصميم المصري والعربي على كسر الهزيمة. وكما كشفت 1967م ضعف النظام العربي، كشفت 1973م ضعف اليقين الإسرائيلي. وبين الحربين، تشكلت واحدة من أهم الدروس الاستراتيجية في التاريخ الحديث: النصر غير المنضبط قد يكون بداية الهزيمة، والهزيمة إذا فُهمت جيدًا قد تصبح بداية النهوض.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version