د/ محمد أحمد صالح

المستخلص
لم يعد الخطر الأكبر على إسرائيل خارجيًا فقط، بل داخلي ومؤسسي واجتماعي، كما لم يعد معسكر نتنياهو يمثل مركز الأزمة لأنه جمع بين المصلحة الشخصية، واليمين الديني، وإضعاف القضاء، والحرب على غزة عمّقت الإنهاك الإسرائيلي وكشفت حدود القوة العسكرية، والاقتصاد الإسرائيلي مهدد إذا استمرت الحرب والانقسام وهروب الكفاءات والاستثمارات، وقضية الحريديم تمثل قنبلة ديموجرافية واقتصادية وعسكرية مؤجلة، والضفة الغربية ليست ملفًا أمنيًا منفصلًا، بل جزء من أزمة إسرائيل الداخلية وهويتها السياسية، وتغيير نتنياهو وحده لا يكفي ما لم يصاحبه إصلاح بنيوي شامل، وإسرائيل لا تواجه انهيارًا حتميًا، لكنها تواجه تآكلًا استراتيجيًا قد يغير شكلها بحلول 2048م.
مقدمة
لم تعد التحديات التي تواجه إسرائيل محصورة في المجال العسكري أو الأمني التقليدي، كما اعتادت النخب الإسرائيلية تصويرها لعقود طويلة. فبينما ظل الخطاب الإسرائيلي الرسمي يركز على التهديدات الخارجية، سواء من المقاومة الفلسطينية أو من إيران أو من محيط إقليمي معادٍ، بدأت قطاعات متزايدة داخل إسرائيل نفسها ترى أن الخطر الأكثر عمقًا لم يعد يأتي من الخارج فقط، بل من داخل البنية السياسية والاجتماعية والمؤسسية للدولة.
في هذا السياق يأتي المقال الذي نشره الكاتب والصحفي دان بيري דן פרי بعنوان: “אם גוש נתניהו ימשיך להוביל את המדינה – ישראל לא תשרוד עד 2048 إذا استمر معسكر نتنياهو في قيادة الدولة، لن تصمد إسرائيل حتى عام 2048” في 22 إبريل 2026م في صحيفة معاريف מעריב الإسرائيلية، يحذر فيه من أن إسرائيل تعيش مسارًا من التآكل الداخلي قد يهدد قدرتها على الاستمرار بصورتها الحالية إذا لم تحدث مراجعة عميقة لمسارها السياسي والمؤسسي.
وتنبع أهمية هذا الطرح من كونه لا يصدر عن خصم خارجي لإسرائيل، ولا عن خطاب عربي أو فلسطيني ناقد، بل من الداخل الإسرائيلي نفسه، ومن كاتب يمتلك خبرة طويلة في متابعة شؤون الشرق الأوسط وأوروبا وإفريقيا عبر عمله السابق في وكالة أسوشيتد برس.
تكمن أهمية المقال في أنه لا يتعامل مع أزمة إسرائيل باعتبارها أزمة حكومة عابرة أو خلافًا حزبيًا محدودًا، بل يضعها في إطار أوسع: أزمة دولة، وأزمة نظام سياسي، وأزمة مجتمع منقسم على نفسه. فهو يربط بين استمرار معسكر بنيامين نتنياهو في الحكم، وتراجع الثقة بالمؤسسات، ومحاولات إضعاف القضاء، واستنزاف الحرب على غزة، وتفاقم الأزمة الاقتصادية، وتصاعد وزن التيارات الدينية المتشددة، وتدهور الوضع في الضفة الغربية. ومن خلال هذا الربط، يقدم المقال قراءة استراتيجية متعمقة مفادها أن إسرائيل تواجه خطرًا مركبًا، لا يمكن اختزاله في جبهة واحدة أو ملف واحد.
إشكالية الورقة وتساؤلاتها
تنطلق هذه الورقة من إشكالية مركزية يصيغها تساؤال محوري: هل تواجه إسرائيل أزمة داخلية عابرة مرتبطة بحكومة نتنياهو الحالية، أم أنها دخلت مرحلة تآكل بنيوي يمس أسس الدولة والمجتمع والمؤسسات؟
وتتفرع عن هذه الإشكالية عدة تساؤلات فرعية أخرى، منها كيف أسهم استمرار معسكر نتنياهو في الحكم في تعميق الانقسام الداخلي؟، وما علاقة الأزمة القضائية والمؤسسية بتراجع قدرة الدولة على إدارة التوازن الداخلي؟، وكيف عمّق العدوان على غزة مظاهر الإنهاك السياسي والاقتصادي والاجتماعي داخل إسرائيل؟، وما أثر التحولات الديموجرافية، خاصة صعود وزن الحريديم، على مستقبل إسرائيل؟، وهل يمكن أن تشكل الانتخابات المقبلة فرصة لإعادة ضبط المسار، أم أن الأزمة أعمق من مجرد تغيير حكومي؟.
الإطار العام للأزمة الإسرائيلية
اعتمدت إسرائيل، منذ تأسيسها، على مجموعة من الركائز التي شكلت مصدر قوتها الأساسية، وهي التفوق العسكري، والدعم الغربي، والاقتصاد التكنولوجي المتقدم، والتماسك الداخلي النسبي، والمؤسسات القادرة على إدارة الخلافات السياسية. غير أن هذه الركائز باتت تتعرض في السنوات الأخيرة لضغوط متزامنة.
فالتفوق العسكري لم يعد كافيًا لحسم الصراعات، كما ظهر بوضوح في الحروب والأعمال العدوانية المتكررة على غزة وفي عجز إسرائيل عن إنهاء التهديدات الأمنية بشكل نهائي. والدعم الغربي، رغم استمراره، بات يواجه ضغوطًا شعبية وحقوقية وقانونية متزايدة، خاصة بعد العدوان على غزة وماشهدته من دمار واسع وشامل وأعمال قتل. أما الاقتصاد، فرغم قوته النسبية، فإنه يتأثر بالحرب الطويلة، وهروب الاستثمارات، وتراجع الثقة، وتزايد كلفة الأمن.
الأخطر من ذلك أن التماسك الداخلي الإسرائيلي لم يعد كما كان. فقد تصاعد الانقسام بين العلمانيين والمتدينين، وبين اليمين واليسار، وبين مؤيدي نتنياهو ومعارضيه، وبين من يريدون دولة ذات طابع ديمقراطي ليبرالي ومن يدفعون نحو دولة أكثر دينية وقومية وتشددًا. ومع الوقت، تحول هذا الانقسام من خلاف سياسي طبيعي إلى أزمة هوية عميقة حول طبيعة الدولة نفسها.
معسكر نتنياهو بوصفه مركز الأزمة
تزداد خطورة هذا الوضع لأن نتنياهو نفسه يواجه اتهامات جنائية، الأمر الذي يجعل جزءًا من سياساته، في نظر خصومه، مرتبطًا برغبته في البقاء السياسي وحماية نفسه قانونيًا. وبذلك تتداخل المصلحة الشخصية لرئيس الوزراء مع مصالح الائتلاف الحاكم، ومع أجندات اليمين الديني والقومي المتشدد.
هذا التداخل أنتج حالة من الشلل السياسي والمؤسسي. فبدل أن تكون الحكومة أداة لإدارة الأزمات، أصبحت في نظر قطاعات واسعة من الإسرائيليين جزءًا من الأزمة نفسها. وبدل أن تعمل القيادة على تقليل الانقسام الداخلي، ساهمت في تعميقه عبر خطاب تعبوي يقوم على تخوين الخصوم، وشيطنة المعارضة، واعتبار المؤسسات المستقلة عقبة أمام “إرادة الشعب” كما يعرفها اليمين المتشدد الحاكم.
أزمة القضاء والمؤسسات
تمثل الأزمة القضائية أحد أخطر مظاهر التآكل الداخلي في إسرائيل. فقد شهدت السنوات الأخيرة صراعًا حادًا بين الحكومة والمنظومة القضائية، خاصة حول صلاحيات المحكمة العليا، وطريقة تعيين القضاة، وحدود الرقابة القضائية على قرارات الحكومة والكنيسيت.
يرى بيري أن النقص الكبير في عدد القضاة، بما في ذلك وجود مقاعد قضاة شاغرة في المحكمة العليا، ليس مجرد خلل إداري، بل مؤشر على أزمة أعمق في العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية. فعندما تتعطل آليات التعيين، وتتحول المحاكم إلى ساحة صراع سياسي، فإن قدرة الدولة على تطبيق القانون بصورة مستقرة تتراجع.
الأزمة هنا لا تتعلق بالقضاء وحده، بل بمبدأ الفصل بين السلطات. فإذا نجح الائتلاف الحاكم في إضعاف القضاء، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام تركيز السلطة في يد الحكومة، وتقليص الرقابة على قراراتها، وإضعاف حماية الحقوق والحريات. وهذا ما يثير مخاوف واسعة لدى المعارضة الإسرائيلية وقطاعات من النخبة الاقتصادية والأمنية والأكاديمية.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن إضعاف القضاء لا يهدد الداخل فقط، بل يضعف قدرة إسرائيل على الدفاع عن نفسها أمام المحاكم والمؤسسات الدولية. فكلما تراجعت صورة القضاء الإسرائيلي كمنظومة مستقلة، زادت احتمالات تعرض إسرائيل لملاحقات وضغوط قانونية خارجية، خاصة في ظل العدوان على غزة والاتهامات المتعلقة بانتهاكات القانون الدولي.
العدوان على غزة والاستنزاف الداخلي
جاء العدوان على غزة ليكشف عمق الأزمة الإسرائيلية ويزيدها تعقيدًا. فالعدوان لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل تحول إلى اختبار شامل لقدرة الدولة على الصمود سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وأخلاقيًا.
على المستوى العسكري، ورغم القوة التدميرية الهائلة التي استخدمتها إسرائيل، فإن العدوان لم يحقق حسمًا واضحًا. فقد طال أمده، وتزايدت كلفته البشرية والمادية، واستمرت حالة عدم اليقين بشأن أهدافه النهائية. كما برزت فجوة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن الانتصار، وبين واقع ميداني أكثر تعقيدًا.
على المستوى الاجتماعي، أدى العدوان إلى تعميق الانقسام داخل إسرائيل بين من يطالبون باستمرار العمليات العسكرية حتى تحقيق أهدافها، ومن يرون أن الحكومة تستخدم العدوان للبقاء السياسي، أو أنها فشلت في إدارة ملف الأسرى، أو أنها تقود البلاد إلى عزلة دولية غير مسبوقة.
أما على المستوى الدولي، فقد أدت مشاهد الدمار الواسع في غزة إلى تراجع صورة إسرائيل في الرأي العام العالمي، وتصاعد الانتقادات في الجامعات والبرلمانات والمنظمات الحقوقية، وزيادة الضغوط القانونية والدبلوماسية. وهذا التطور مهم لأن إسرائيل اعتمدت تاريخيًا على شرعية غربية واسعة، أو على الأقل على قدرة حلفائها على حمايتها من العزلة الكاملة.
وبذلك، تحول العدوان من أداة لاستعادة الردع إلى عامل استنزاف داخلي وخارجي. وكلما طال أمده، زادت كلفته على الاقتصاد، والجيش، والمجتمع، والعلاقات الدولية.
الاقتصاد الإسرائيلي تحت الضغط
يمنح دان بيري الاقتصاد مكانة مركزية في تحليله؛ لأن قوة إسرائيل لم تكن عسكرية فقط، بل قامت أيضًا على اقتصاد متقدم، وقطاع تكنولوجي نشط، وقدرة عالية على جذب الاستثمارات والكفاءات. غير أن هذه المزايا ليست مضمونة إذا استمرت الأزمة السياسية والحرب والانقسام الداخلي.
فالاقتصاد الإسرائيلي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستقرار، والثقة بالمؤسسات، والانفتاح على الأسواق الغربية، واستمرار تدفق الاستثمارات في قطاعات التكنولوجيا والابتكار. وعندما تتصاعد المخاوف من إضعاف القضاء، وتطول الحرب، وتزداد العزلة الدولية، فإن هذه العوامل تضرب البيئة التي يحتاجها الاقتصاد للنمو.
كما أن الحرب تفرض كلفة مباشرة على الميزانية، من خلال الإنفاق العسكري، وتعويضات المتضررين، وتراجع النشاط الاقتصادي في بعض المناطق، واستدعاء قوات الاحتياط، وتعطل قطاعات إنتاجية. وكل ذلك يضعف قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة، ويزيد الضغوط على الطبقات الوسطى، ويعمق التوتر بين فئات المجتمع.
والأهم أن استمرار هذا المسار قد يؤثر في هجرة العقول ورأس المال. فإذا شعر أصحاب الكفاءات في التكنولوجيا والطب والبحث العلمي أن مستقبل إسرائيل غير مستقر، أو أن الدولة تتجه نحو طابع ديني وقومي متشدد، فقد يزداد اتجاه بعضهم إلى الهجرة أو نقل أعمالهم إلى الخارج. وهذا يمثل خطرًا استراتيجيًا على دولة بنت جزءًا كبيرًا من قوتها على رأس المال البشري.
ثامنًا: الحريديم والتحول الديموجرافي
من أبرز الملفات البنيوية التي يطرحها المقال قضية الحريديم، أي اليهود المتدينين المتشددين. فهذه الفئة تشهد نموًا ديموجرافيًا مرتفعًا، لكنها في الوقت نفسه تعاني من ضعف الاندماج في سوق العمل، ومحدودية المشاركة في الخدمة العسكرية، واعتماد قطاعات واسعة منها على الدعم الحكومي والتعليم الديني التقليدي.
هذه القضية ليست اجتماعية فقط، بل استراتيجية. فكلما زاد وزن الحريديم في المجتمع والسياسة، زادت الضغوط على الاقتصاد والجيش والنظام التعليمي. وإذا استمر إعفاء أعداد كبيرة منهم من الخدمة العسكرية، فإن ذلك يفاقم شعور بقية الإسرائيليين بعدم العدالة في توزيع الأعباء، خاصة في زمن الحرب.
كما أن ضعف اندماجهم في التعليم الحديث وسوق العمل يخلق تحديًا طويل المدى للاقتصاد. فالدولة التي تعتمد على التكنولوجيا والابتكار تحتاج إلى قوة عمل متعلمة ومنتجة. وإذا ارتفعت نسبة السكان غير المنخرطين بشكل كافٍ في الاقتصاد الحديث، فإن ذلك قد يضعف القدرة الإنتاجية للدولة على المدى البعيد.
ويربط بيري هذه المشكلة بتحالفات نتنياهو السياسية؛ لأن الأحزاب الحريدية تمثل ركيزة أساسية في ائتلافاته المتكررة. ونتيجة لذلك، جرى تأجيل معالجة هذه القضية أو التعامل معها بمنطق الصفقات السياسية، لا بمنطق التخطيط الاستراتيجي لمستقبل الدولة.
الضفة الغربية وتراكم الأزمة السياسية
لا ينفصل التدهور في الضفة الغربية عن الأزمة الداخلية الإسرائيلية. فالاستيطان، وتصاعد نفوذ اليمين الديني والقومي المتشدد، وتراجع فرص التسوية السياسية، كلها عوامل تجعل الضفة ساحة قابلة للانفجار المستمر.
يرى بيري أن الوضع في الضفة الغربية ليس قدرًا محتوما ومفروضًا، بل نتيجة مسار سياسي طويل. فقد أسهمت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وخاصة حكومات اليمين، في تكريس واقع الاحتلال والاستيطان، مع غياب أي أفق سياسي جاد. ومع صعود قوى أكثر تطرفًا داخل الحكومة، أصبح التعامل مع الضفة أكثر اندفاعًا نحو الضم الفعلي وتوسيع المستوطنات وإضعاف السلطة الفلسطينية.
هذا المسار يحمل مخاطر متعددة. فمن جهة، يزيد احتمالات الانفجار الأمني. ومن جهة ثانية، يعمق عزلة إسرائيل الدولية. ومن جهة ثالثة، يضع إسرائيل أمام معضلة ديموجرافية وسياسية كبرى: كيف يمكنها السيطرة على شعب آخر إلى أجل غير مسمى، مع الحفاظ في الوقت نفسه على صورتها كدولة ديمقراطية؟
وهنا يتضح أن الأزمة الفلسطينية ليست ملفًا خارجيًا بالنسبة لإسرائيل، بل جزء من أزمتها الداخلية. فالاحتلال يعيد تشكيل السياسة الإسرائيلية، ويقوي التيارات الأكثر تشددًا، ويضعف التيارات التي تدعو إلى تسوية أو فصل سياسي، ويجعل المجتمع الإسرائيلي أكثر عسكرة وانغلاقًا.
الانقسام الداخلي وأزمة الهوية
من أخطر ما يشير إليه المقال أن إسرائيل لم تعد منقسمة فقط حول السياسات، بل حول معنى الدولة نفسها. فهناك صراع بين رؤيتين: رؤية تريد إسرائيل دولة يهودية ذات مؤسسات ديمقراطية وليبرالية نسبيًا، ورؤية أخرى تريدها دولة قومية دينية أكثر خضوعًا لتفسيرات اليمين الديني واليهودي المتشدد.
هذا الصراع ظهر بوضوح في الاحتجاجات الواسعة ضد التعديلات القضائية، وفي الانقسام داخل الجيش والاحتياط، وفي الخلاف حول الحريديم، وفي الموقف من الحرب، وفي العلاقة مع الفلسطينيين. ومع الوقت، لم يعد الخلاف مجرد تنافس انتخابي، بل أصبح صراعًا على هوية الدولة ومستقبلها.
وتزداد خطورة هذا الانقسام لأن إسرائيل مجتمع متنوع داخليًا: علمانيون، ومتدينون، وحريديم، ومستوطنون، ويهود شرقيون (مزراحيم)، ويهود غربيون (إشكنازيم)، وفلسطينيون داخل الخط الأخضر، ومهاجرون من خلفيات متعددة. وقد استطاعت الدولة في مراحل سابقة إدارة هذه التناقضات عبر مؤسسات قوية واقتصاد صاعد وخطر خارجي موحد. لكن عندما تضعف المؤسسات، ويتراجع الاقتصاد، وتفقد القيادة قدرتها على بناء توافق وطني، تتحول التعددية إلى مصدر تفكك.
المقارنة مع تجارب الانهيار التاريخي
يستحضر بيري تجارب مثل الاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا ليؤكد أن الدول لا تنهار دائمًا بفعل الغزو الخارجي، بل قد تنهار من الداخل عندما تفقد قدرتها على إدارة التناقضات. ورغم اختلاف السياقات، فإن المقارنة تهدف إلى إبراز فكرة أساسية مفادها أن الاستقرار الظاهري لا يعني أن الدولة محصنة من التفكك.
فالأنظمة قد تبدو قوية من الخارج، لكنها تكون في الداخل تعاني من تآكل الثقة، وضعف المؤسسات، وتصلب النخب الحاكمة، واتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع. وعندما تتراكم هذه العوامل، قد تحدث لحظة انهيار، أو تحول مفاجئ يبدو غير متوقع لمن يراقب السطح فقط.
بالنسبة لإسرائيل، لا يعني ذلك بالضرورة انهيارًا قريبًا أو تفككًا مباشرًا، لكنه يعني أن استمرار الاتجاه الحالي قد يجعل الدولة أقل قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر عرضة لصدمات سياسية واجتماعية واقتصادية في المستقبل.
سيناريوهات المستقبل
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل إسرائيل في ضوء الأزمة الحالية:
السيناريو الأول – استمرار المسار الحالي: في هذا السيناريو، يبقى معسكر نتنياهو أو قوى مشابهة له في الحكم، وتستمر الحروب أو تداعياتها، ويتواصل الضغط على القضاء، وتزداد قوة الأحزاب الدينية والقومية المتشددة. يؤدي ذلك إلى مزيد من الانقسام الداخلي، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وتفاقم العزلة الدولية، وضغط اقتصادي متزايد. هذا السيناريو لا يعني انهيارًا فوريًا، لكنه يعني تآكلًا تدريجيًا في قدرة الدولة على إدارة نفسها، وربما انتقالها إلى نموذج أكثر يمينية ودينية وأقل ديمقراطية، مع كلفة داخلية وخارجية مرتفعة.
السيناريو الثاني – تغيير حكومي دون تغيير بنيوي: قد تؤدي الانتخابات المقبلة إلى إزاحة نتنياهو أو تراجع معسكره، لكن دون معالجة عميقة للأزمات البنيوية. في هذه الحالة، قد يحدث تحسن مؤقت في صورة إسرائيل الدولية، وربما تهدئة داخلية محدودة، لكن الملفات الكبرى ستظل قائمة: الحريديم، والاحتلال، والقضاء، والاقتصاد، والانقسام الاجتماعي. هذا السيناريو يمنح إسرائيل فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنه لا يضمن الخروج من الأزمة إذا لم تقترن الإطاحة بنتنياهو بمشروع إصلاحي شامل.
السيناريو الثالث – مراجعة استراتيجية شاملة: في هذا السيناريو، تدرك النخب الإسرائيلية أن الأزمة أعمق من شخص نتنياهو، فتبدأ عملية مراجعة واسعة تشمل إعادة بناء الثقة بالمؤسسات، ووقف تسييس القضاء، ومعالجة ملف الحريديم، وتقليل الاعتماد على اليمين الديني، وفتح أفق سياسي تجاه الفلسطينيين، وإعادة ترميم العلاقات الدولية. هذا السيناريو هو الأكثر صعوبة؛ لأنه يتطلب شجاعة سياسية وتوافقًا داخليًا واسعًا، لكنه الوحيد القادر على وقف التآكل البنيوي على المدى الطويل.
دلالات المقال
يحمل مقال دان بيري عدة دلالات مهمة بالنسبة للعالم العربي وصناع القرار والباحثين:
– يكشف المقال أن إسرائيل ليست كتلة صلبة كما تقدم نفسها، بل دولة تعاني من تناقضات داخلية عميقة. وهذا لا يعني التقليل من قوتها، لكنه يعني ضرورة فهمها بصورة أكثر تعقيدًا، بعيدًا عن صورتين مبالغ فيهما: صورة الدولة التي لا تُقهر، وصورة الدولة التي تنهار غدًا.
-يوضح المقال أن العدوان على غزة لم يؤثر في الفلسطينيين وحدهم، بل أعاد تشكيل الداخل الإسرائيلي، وكشف حدود القوة العسكرية، وعمق الانقسام السياسي والاجتماعي داخل إسرائيل.
-يشير المقال إلى أن مستقبل إسرائيل سيتحدد بدرجة كبيرة من داخلها، لا فقط من خلال الصراع مع الخارج. فطريقة إدارتها للقضاء، والاقتصاد، والدين، والديموجرافيا، والاحتلال، ستكون حاسمة في تحديد موقعها خلال العقود المقبلة.
-يقدم المقال فرصة للقراءة العربية الهادئة التي تميز بين الأمنيات والتحليل. فالتآكل الداخلي لا يعني بالضرورة الانهيار القريب، لكنه يعني أن إسرائيل تواجه نقاط ضعف استراتيجية يمكن أن تتفاقم إذا استمر المسار الحالي.
ختاما
يمكن القول إن إسرائيل تقف أمام لحظة مفصلية. فالأزمة الحالية ليست مجرد أزمة حرب، ولا مجرد أزمة نتنياهو، ولا مجرد أزمة قضاء، بل هي تقاطع بين عدة أزمات متزامنة. وهذا التقاطع هو ما يجعلها خطيرة.
لقد استطاعت إسرائيل في الماضي تجاوز أزمات كبرى بفضل قوة مؤسساتها، ودعم حلفائها، وتماسك مجتمعها في لحظات الخطر. لكن الجديد اليوم أن بعض مصادر القوة هذه نفسها أصبحت موضع شك. فالمؤسسات تتعرض لضغط سياسي، والمجتمع منقسم، والحرب طويلة ومكلفة، والاقتصاد يواجه ضغوطًا، والدعم الدولي لم يعد بلا ثمن سياسي وأخلاقي.
وهذا يعني الخطر الحقيقي لا يتمثل في حدث واحد يؤدي إلى انهيار مفاجئ، بل في تراكم بطيء لعوامل الضعف. هذا النوع من التآكل قد يكون أخطر من الهزيمة العسكرية المباشرة؛ لأنه يضعف قدرة الدولة على التعافي، ويجعل كل أزمة جديدة أكثر تكلفة من سابقتها.
من هنا تكمن أهمية مقال دان بيري في أنه ينقل النقاش حول إسرائيل من مستوى الأمن والحرب إلى مستوى أعمق يتعلق ببنية الدولة نفسها. فهو لا يكتفي بانتقاد نتنياهو، بل يرى أن استمرار معسكره في الحكم يعكس أزمة أوسع في النظام السياسي الإسرائيلي، وفي العلاقة بين الدين والدولة، وبين الحكومة والقضاء، وبين القوة العسكرية والشرعية الدولية، وبين الاقتصاد والديموجرافيا.
وتطرح الورقة، انطلاقًا من هذا المقال، تصورا مفاده أن إسرائيل تواجه مسار تآكل داخلي متعدد الأبعاد. وقد لا يؤدي هذا المسار إلى انهيار سريع، لكنه يهدد قدرة الدولة على الحفاظ على صورتها وقوتها واستقرارها خلال العقود المقبلة. وإذا استمر الانقسام، وتواصل إضعاف المؤسسات، واستمرت الحرب أو آثارها، وبقيت القضايا البنيوية مثل الحريديم والضفة الغربية دون معالجة، فإن إسرائيل قد تجد نفسها أمام أزمة تاريخية أعمق بكثير من أزمة حكومة أو زعيم.
وعليه، فإن مستقبل إسرائيل لن يتحدد فقط في ميادين القتال، بل داخل مؤسساتها، واقتصادها، ومدارسها، ومحاكمها، وتركيبتها السكانية، وقدرتها على إنتاج قيادة سياسية قادرة على ترميم ما تآكل. ومن هنا تأتي خطورة اللحظة الراهنة، إنها لحظة اختبار لمناعة الدولة من الداخل، لا لقوتها العسكرية من الخارج فقط.

mostbet
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version