تُحلل هذه الورقة المشهد الإثيوبي الحالي من منظور الصحافة المحلية المعارضة، التي تؤكد بلوغ البلاد مرحلة العجز الهيكلي؛ فبين تعثر الديون وتفجر الأزمات الأمنية في أوروميا وتيجراي، تتبنى الحكومة سياسة التصعيد العسكري ضد إريتريا وهجمات مسيرة على السودان، والانخراط في تحالفات أمنية مع إسرائيل، التي تخطط للتمركز العسكري في ميناء بربرة، مع السعي الممنهج لتصدير الأزمة نحو القاهرة لتشتيت الانتباه عن التآكل الداخلي.
اولًا: على المستوى الداخلي
أ-اجتماعيًا
تفاقم أزمة نقص الوقود في أديس أبابا والمدن الكبرى
في ظل الارتفاع المتسارع لأسعار النفط العالمية وتصاعد حدة التوترات في منطقة الشرق الأوسط، تسلط الصحف والمواقع الإثيوبية الضوء على معاناة المواطنين؛ حيث يضطرون لقضاء ساعات طويلة في طوابير أمام محطات الوقود، وسط أزمة شح متزايدة في الإمدادات وفقًا لما نشرته “أديس ستاندرد” (7 مارس)، فأشارت إلى معاناة مدن كثيرة من تلك الأزمة، مثل ميكيلي وجيما وأمبو وبحر دار، وفي السياق ذاته، نُشرت خبرا آخر عن التحذير العاجل الذي أصدره مكتب الصحة في إقليم تيجراي من مغبة انهيار النظام الصحي بالكامل؛ جراء النقص الحاد في إمدادات الوقود، ما يهدد بتوقف الخدمات الطبية الحيوية في الإقليم.
ب-اقتصاديًا
الضغط الاقتصادي وتبريرات الحكومة الفيدرالية
تناولت الصحف في أكثر من خبر تحليلي تفاقم الضغوط الاقتصادية الحالية في إثيوبيا، ففندت “أديس ستاندرد” ضمن تقرير موسع (5 مارس) حجج الحكومة التي علقت الأزمات على النظام السابق وحرب تيجراي، مشيرة إلى التراجع الاقتصادي وتداعياته من تضخم جامح وانخفاض تاريخي لقيمة العملة، إلى جانب تخلف إثيوبيا عن سداد سنداتها الأوروبية، لتدخل البلاد نفقاً مظلماً من الديون التي أعجزت الدولة عن الوفاء بوعود التنمية. في المقابل نشرت الصحيفة (7 مارس) مقالًا حول استفادة إثيوبيا من خطة توسع بقيمة مليار دولار لشركة “دانجوت للأسمنت”، التي تهدف إلى زيادة الطاقة الإنتاجية للشركة بشكلٍ ملحوظ في القارة.
جـ-أمنيًا
تجدد الهجمات والقتل المروع للمسيحيين الأرثوذكس في أوروميا
بالرغم من أهمية أوروميا، التي تُعد أكبر مناطق إثيوبيا والركيزة السياسية التي تعًول عليها الحكومة الفيدرالية، فإنها تشهد في الوقت الراهن وضعًا أمنيًا خطيرًا نتيجة إندلاع هجمات مروعة أبرزها استهداف المسيحيين الأرثوذكس عمداً في محاولة لإشعال التوترات الدينية والعرقية. ووفقًا لما نشرته “أديس ستاندرد” (4 مارس) دعت المفوضية الإثيوبية لحقوق الإنسان الحكومة الفيدرالية إلى اتخاذ تدابير فورية لوقف عمليات القتل، وذلك في أعقاب تجدد الهجمات التي أسفرت عن مقتل ما يصل إلى 30 مدنياً. وأدانت المؤسسات الدينية الإثيوبية الهجوم، محذرةً من استغلاله لإثارة الفتن الطائفية أو العرقية.
السلطات الفيدرالية الإثيوبية تستعد لشن حرب ضد تيجراي
تناولت صحيفة أديس ستاندرد (5 مارس) خطورة الأوضاع الأمنية في إقليم تيجراي، وهو ما تقاطع مع أنباء تداولتها منصات التواصل الاجتماعي في اليوم التالي، نقلاً عن مسؤول في الإقليم، حول استعدادات السلطات الفيدرالية لشن عملية عسكرية هناك. ولم تقتصر تقارير الصحيفة على تيجراي وأمهرة وأوروميا فقط، بل سلطت الضوء على أقاليم أخرى تعاني من عدم الاستقرار السياسي ونشاط الحركات المسلحة، لا سيما الإقليم الصومالي الذي يشهد توتراً ملحوظاً.
ثانيا: على المستوى الخارجي
أ-استشراف تحالف إثيوبيا مع إسرائيل
نشرت صحيفة “أديس ستاندرد” (6 مارس) مقالًا تحليلًا مطولًا عن تحالف إسرائيل مع إثيوبيا ضد إيران، ما يعزز رؤيتها حول الأهمية الاستراتيجية لإثيوبيا في القرن الأفريقي في ظل المشهد الأمني الأوسع للبحر الأحمر والتطورات المتعلقة بمضيق باب المندب والتحالفات الإقليمية الناشئة. ويسلط المقال الضوء على أن تدعيات الصراع الدائر بين إسرائيل وإيران تمتد إلى القرن الأفريقي، حيث أصبح مضيق باب المندب نقطة توتر بحرية بالغة الأهمية. ويربط المضيق المحيط الهندي بقناة السويس، مما يجعله حيوياً للتجارة العالمية، وأي اضطراب مطوّل، بما في ذلك الحصار المعلن من قبل قوات الحوثيين، سيجبر الملاحة على الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. ويشير المقال إلى أن زيارة إسحاق هرتسوج الأخيرة إلى أديس أبابا، التي تعبر عن التقارب الاستراتيجي، حيث تنظر إسرائيل إلى إثيوبيا كشريك قوي ديموجرافيًا وقادر عسكريًا على مواجهة أي نفوذ. كما أشار المقال إلى دور الإمارات، مستشهدًا بشبكة موانئها وتحالفاتها على طول ساحل البحر الأحمر، بما في ذلك في إريتريا وصوماليلاند وإثيوبيا وجنوب اليمن، بهدف تأمين طرق التجارة ومواجهة الجهات الموالية لإيران.
خلص المقال إلى أنه في حال تحقق هذا التحالف الاستراتيجي، ستتمكن إثيوبيا من ترسيخ دورها كقوة أفريقية مؤثرة في البحر الأحمر، بينما يهدف التنسيق غير المباشر مع إسرائيل والإمارات إلى احتواء القوات المدعومة من إيران في اليمن دون الحاجة إلى وجود إسرائيلي مباشر في شرق أفريقيا.
ب-ازدواجية الموقف الإثيوبي تجاه إيران
في الوقت الذى أعرب فيه رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الإثيوبية عن تضامنه مع حكومة وشعب إيران خلال زيارة السفارة في أديس أبابا، وفقًا لما نشرته “أديس ستاندر” (5 مارس) أعرب رئيس الوزراء الإثيوبي عن تضامنه مع قطر والكويت خلال اتصال هاتفي مع أمرائهما، وأدان فيه الهجوم الإيراني ووصفه بأنه “اعتداء شنيع” ينتهك سيادتهما.
جـ-أبي يصدر تحذيرًا شديد اللهجة لإريتريا ويمهلها “فرصة أخيرة”
في إطار الصراع الدائرة بين إثيوبيا وإريتريا نشرت “أديس ستاندرد” (4 مارس) تحذير رئيس الوزراء، والذي جاء فيه: “إثيوبيا لن تتسامح مع أية محاولة أخرى من جانب الحكومة الإريترية لزعزعة استقرار البلاد”، وقد جاءت هذه التصريحات عقب تفاقم الحرب الدائرة في إقليم تيجراي، وتصاعد التوترات الإقليمية، ولا سيما عندما وصف الوصول إلى البحر الأحمر بأنه قضية وجودية لإثيوبيا. ووفقًا لما نشرته الصحيفة فقد اتهم آبي القوات الإريترية بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق في تيجراي، مؤكداً أن أية محاولة جديدة من هذا القبيل “ستكون الأخيرة”. كما وجه انتقادات لاذعة للنظام السياسي والاقتصادي في إريتريا، مؤكدًا أن قيادة البلاد فى أسمره لا تؤمن بالتنمية أو الانتقال السلمي للسلطة. وربط بين نظام الحكم في إريتريا والهجرة الجماعية لمواطنيها إلى الدول المجاورة، بما فيها إثيوبيا والسودان وكينيا وأوغندا. وزعم أن السلطات الإريترية تُرسل عملاء إلى تجمعات اللاجئين لمراقبتهم وترهيبهم. وسردت الصحيفة الجرائم التي ارتكبتها إريتريا، غير أنها أكدت تورط إثيوبيا أيضاً، في المقابل نفت إريتريا هذه الاتهامات وصرّحت بأن مشاركتها جاءت بناءً على طلب إثيوبيا التي أشادت سابقًا بدورها.
د-تخطيط إسرائيل لإنشاء قاعدة عسكرية في ميناء بربرة
تناولت صحيفة “أديس ستاندرد” (2 مارس) تحليلًا موسعًا حول تداعيات اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، والذي شكل خطرًا وتهديدًا قويًا لميناء بربرة، وذلك في ظل انتشار الصواريخ في المنطقة. وبالرغم من أنه لا يزال ميناء بربرة يستقبل عددًا أقل بكثير من الحاويات مقارنةً بما يجاوره، إلا أن حركة الشحن فيه ارتفعت بنسبة 30%، وقد تُفضي التحركات الدبلوماسية الأخيرة إلى زيادة أكبر، واستشهدت الصحيفة بتصريحات مدير الميناء، الذي قال: “إن اتفاقية قيد التفاوض مع إثيوبيا، قد تُؤدي إلى زيادة حركة الشحن بنسبة 80%، ويبشر قرار إسرائيل الأخير بالاعتراف باستقلال أرض الصومال بـزيادة هائلة”. وعلقت الصحيفة: “لكن التحالف مع إسرائيل ينطوي أيضاً على مخاطر، لا سيما مع تصاعد خطر اندلاع حرب إقليمية جراء الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وكان زعيم جماعة الحوثيين قد حذر من أي وجود إسرائيلي في أرض الصومال وسيُعتبر “هدفاً عسكرياً”. والإمارات التي استُهدفت بالفعل بصواريخ إيرانية، لا تدير ميناء بربرة فحسب، بل لديها أيضاً قاعدة عسكرية قريبة قامت بتوسيعها مؤخراً. ووفقًا لخبراء للصحيفة: “من المحتمل وجود قوات إسرائيلية بالفعل في قاعدة بربرة العسكرية، مما يُعرّض ذلك الميناء لخطر صواريخ الحوثيين أو إيران”. كذلك أشارت الصحيفة إلى تهديد محلي من حركة الشباب، التي أعلنت معارضتها لأية محاولة إسرائيلية لاستخدام صوماليلاند.
وفي الإطار نفسه نشر موقع الصحيفة الأمهري على الفيس بوك (28 فبراير) تحذير الرئيس الجيبوتي من مخطط إسرائيلي لإقامة قاعدة عسكرية في بربرة، متهماً الإمارات بتسهيل هذا التغلغل والإسهام في عدم استقرار المنطقة، مقابل وعود بالاعتراف بأرض الصومال.
هـ-اتهام السودان لإثيوبيا بشن هجمات بطائرات مسيرة
في إطار هجمات إثيوبيا بالطائرات المسيرة عبر المجال الجوي السوداني، تناولت “أديس ستاندر” المعارضة (2 مارس) اتهام الحكومة السودانية للسلطات الإثيوبية بالسماح لطائرات مسيّرة بدخول مجالها الجوي وضرب مواقع داخل البلاد، واصفةً إياها “بانتهاك صارخ” لسيادة السودان وعمل عدواني واضح”، محذرةً من عواقب وخيمة، وأكدت مجدداً حق السودان في الدفاع عن سيادته بكل الوسائل الممكنة لمواجهة الهجمات الأثيوبية.
ووفقاً للصحيفة، لم يصدر أي رد رسمي من السلطات الإثيوبية على هذه الاتهامات، التي تُعد الأولى من نوعها عن تورط أديس أبابا رسمياً في الصراع السوداني الدائر. ونقلت الصحيفة عن مصادرها استبعاد فكرة وقف إطلاق النار في المدى المنظور؛ نظراً لتمسك الأطراف المتحاربة بما تسميه “وهم الحسم العسكري”، والسعي لامتلاك أسلحة أكثر فتكاً. كما أوضحت أن التدخلات الخارجية في مجالات التمويل والتدريب تسهم في إذكاء نيران الحرب، حيث وجّه مسؤولون سودانيون اتهامات للإمارات بزيادة شحنات الأسلحة الموجهة لقوات الدعم السريع عبر الأراضي الإثيوبية. وفي المقابل، خلصت الصحيفة إلى أن قائد الجيش السوداني يحظى بدعم من مصر والسعودية وتركيا.
و-غارة جوية بطائرة مسيرة في جيبوتي
نشر موقع أديس ستاندر الأمهري على الفيس بوك (5 مارس) خبرا عن مقتل أربعة أطفال في انفجار ناجم عن غارة جوية بطائرة مسيرة في جيبوتي، وأشار الموقع أن سكان عفار يشعرون بالتهميش من قبل الرئيس جيله، الذي يحكم البلاد بقبضة حديدية منذ عام 1999م، موضحًا أنه “الهجوم السادس بطائرة مسيرة خلال ستة أشهر”.
ثالثا: توظيف وضع مصر لتشتيت الانتباه عن الأزمات الداخلية الإثيوبية
تناولت تقارير نشرتها منصات تابعة لصحيفة “أديس ستاندرد” (5 و7 مارس)، تداعيات التوترات الإقليمية المتصاعدة على مصر. وأشارت التقارير إلى أن القاهرة باتت تواجه ضغوطاً اقتصادية حادة دفعتها لاتخاذ إجراءات استثنائية، وذلك على خلفية الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. وقد ركزت هذه القراءات التحليلية على تأثر الموارد السيادية المصرية، لا سيما إيرادات قناة السويس، جراء حالة عدم الاستقرار في البحر الأحمر، وهو ما يضع الاقتصاد المصري أمام تحديات هيكلية. ودعمت الصحيفة الخبر بتحذير السيسي من حالة تعرض البلاد إلى تضخم جامح جراء هذه الظروف.
ومن جانب آخر، أشارت الصحيفة في مقال آخر(8 مارس) إلى ملف السد، ودخول الولايات المتحدة على خط الأزمة من خلال وساطة مرتقبة يقودها ترامب. وعلقت الصحيفة في سياق الخبر: “ما يميز هذا التحرك هو الدعم الأمريكي الحازم للموقف المصري، في استعادة لسيناريو مفاوضات 2020م التي انسحبت منها أديس أبابا، ما يوضح حرص واشنطن على توطيد علاقتها بالقاهرة لإدراكها للدور المحوري الذي تلعبه مصر كركيزة أساسية للمشاريع السياسية الخارجية في المنطقة”.
