حسين محمود التلاوي
المستلخص
تتناول مراكز الأبحاث الإثيوبية الأزمة السودانية؛ وهي تدخل عامها الرابع وسط تداعيات إقليمية ودولية، وارتباطات بملفات عدة. وترى إثيوبيا في تلك الأزمة أحد التحديات الإقليمية الكبرى، وتحاول الخروج منه بأفضل المكاسب. وترسم مراكز الأبحاث صورة لنظرة إثيوبيا لهذه الأزمة وأبرز الاستراتيجيات الإثيوبية إزاءها.
في ذكرى اندلاع الحرب في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع المتمردة، ودخول الحرب عامها الرابع، أوردت وسائل الإعلام الإثيوبية ومراكز الأبحاث الرسمية العديد من الموضوعات التي تناولت الأزمة السودانية وتداعياتها الإقليمية والدولية ودور إثيوبيا فيها.
وعلى الرغم مما ورد في هذه الموضوعات من نظرة أكاديمية تبدو متماسكة، فقد احتوت على تناقضات في البنية ومع الواقع في الأزمة وانعكاساتها. وتتناول هذه الورقة أهم تلك الموضوعات، مع إلقاء أضواء سريعة على أبرز ما تضمنته من تناقضات.
الأزمة السودانية وموقع إثيوبيا فيها
نشر موقع معهد الشئون الخارجية الإثيوبي تحليلًا بعنوان “إثيوبيا-السودان: العلاقات في ضوء الحرب الأهلية السودانية”، للباحث “كوسيم سيليشي”. تناول التحليل التوترات الأخيرة بين إثيوبيا والسودان في ظل الحرب الأهلية السودانية؛ وبوجه خاص بعد اتهامات مسؤولين سودانيين لأديس أبابا بالمشاركة في هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مطار الخرطوم. ويذكر الباحث أن إثيوبيا نفت هذه الاتهامات وأكدت دعمها للحل السياسي والحوار، بينما رأى التقرير أن خطورة الأزمة لا تكمن فقط في الاتهامات ذاتها، بل في تصاعد الميل إلى تفسير الصراع السوداني من خلال الشكوك الأمنية والتنافس الإقليمي بدلًا من التعاون بين دول الجوار.
وبعد استعراض الأزمة السودانية من حيث الخلفيات، يشير التحليل إلى أن الموقع الجغرافي للسودان يجعل من الصعب حصر تداعيات الحرب داخل حدوده؛ إذ يقع عند تقاطع القرن الإفريقي والساحل وحوض النيل والبحر الأحمر. ويقول إنه مع اتساع الصراع ازداد تدخل الفاعلين الإقليميين والدوليين عبر الحسابات الأمنية والمنافسة السياسية والمصالح الاقتصادية؛ ما أدى إلى انتشار الاتهامات المتبادلة بشأن دعم أطراف خارجية للفصائل المتحاربة؛ ومن بينها الاتهامات الموجهة لإثيوبيا بشن هجمات داخل الأراضي السودانية؛ وهي الاتهامات التي يرى التحليل أنها جاءت على الرغم من “غياب أدلة دولية مستقلة تثبت تورطها في الهجمات المشار إليها”
وبعد أن يستعرض التحليل ما يسميه “الروابط التاريخية والاجتماعية” بين البلدين، و”الجهود الإثيوبية” لحل الأزمة السودانية، يقول إن هذه الأمور تتجاوز حدود الخلافات السياسيّة الراهنة أو التوترات الدورية المرتبطة بملف سد النهضة وأزمة منطقة الفشقة الحدوديّة والتحالفات الإقليمية، ومحذرًا من أن التصعيد الإعلامي والاتهامات المتبادلة بتوسيع رقعة الحرب يحولها إلى مواجهة إقليميّة شاملة؛ الأمر الذي يعزز أهمية “الدبلوماسية الأفريقية كسبيل وحيد” لاحتواء النزاع وتجنب تفتيت الدولة السودانية.
إثيوبيا بين الصورة المثالية والواقع المناقض
لكن التحليل يحاول أن يرسم صورة مثالية للدولة الإثيوبية، بأن يفترض أن إثيوبيا تقف على مسافة واحدة وتلعب دور “الوسيط المحايد” عبر الاتحاد الأفريقي و”إيجاد”، ويغفل التحليل التقارير والاتهامات المستمرة لـ “محمد حمدان دقلو- حميدتي” قائد قوات الدعم السريع المتمردة بامتلاك استثمارات اقتصادية ضخمة وعلاقات وثيقة مع قيادات في أديس أبابا، وزياراته المعلنة وغير المعلنة لها.
يصور التحليل أيضًا إثيوبيا على أنها دولة تبحث فقط عن الاستقرار والاندماج الإقليمي، ويغفل البراجماتية الشديدة للسياسة الخارجية الإثيوبية؛ فأديس أبابا تبحث دومًا عن مصالحها وتأمين أوراق ضغط في ملفات حساسة؛ مثل “سد النهضة”، وقد يخدم ضعف الدولة السودانية أو انشغالها بمواجهات داخلية إثيوبيا سياسيًّا في ملف السد دون معارضة سودانية قوية.
الأزمة السودانية والتوتر الأمني في الساحل
في تحليل بعنوان “تمدد الأزمة الأمنية في الساحل نحو السودان والقرن الإفريقي” تناول الباحث “بينميت أليماييهو” التوسع الراهن في نطاق عمليات الجماعات الإرهابية والانفصالية في منطقة الساحل والصحراء، وتأثيراته المحتملة على السودان والقرن الإفريقي.
بدأ الباحث بتوضيح أبعاد الأزمة الأمنية في منطقة الساحل والصحراء، فقال إن المنطقة شهدت، خلال السنوات الأخيرة، تحولًا من بؤرة تمرد محلية إلى تهديد أمني عابر للأقاليم يمتد من غرب إفريقيا نحو السودان والقرن الإفريقي، موضحًا أن الجماعات المسلحة توسعت تدريجيًّا عبر المناطق الحدودية الهشة ومسارات التهريب والتنقل غير الشرعي، ما أدى إلى ظهور نطاق مترابط من عدم الاستقرار يصل بين مالي والنيجر وتشاد والسودان حتى شرق إفريقيا.
ويؤكد التحليل أن الوضع لم يعد مجرد أزمات منفصلة، بل بيئة أمنية واسعة تتداخل فيها الحركات المتطرفة مع ضعف مؤسسات الدولة والصراعات السياسية والتنافس الجيوسياسي وشبكات التهريب.
الأزمة السودانية والقرن الإفريقي
وفيما يخص السودان، يذكر التحليل أن السودان يمثل حلقة مركزية في هذا الامتداد الأمني نظرًا لموقعه بين الساحل وشمال إفريقيا والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، ويشير إلى أن الصراع الداخلي بين ما وصفها بـ”الفصائل المسلحة”، في إشارة إلى الجيش السوداني وقوات الدعم السريع المتمردة، قاد إلى توسع تهريب الأسلحة عبر دارفور والمناطق الحدودية، مع ازدياد نشاط الشبكات الإجرامية والجماعات المسلحة. ويضيف أن النزاع تسبب في موجات نزوح ضخمة أثقلت كاهل دول الجوار ورفعت الضغوط الاقتصادية والإنسانية في المنطقة.
وبالانتقال إلى القرن الإفريقي، يشير الباحث إلى أن حركة الشباب في الصومال لا تزال تمثل تهديدًا بارزًا على الرغم من الجهود العسكرية المستمرة ضدها، ويضيف أن أنماط التهريب والتنقل المسلح تشير إلى وجود نقاط اتصال متنامية بين أزمات الساحل والقرن الإفريقي. وينتقل إلى دور إثيوبيا في المنطقة، فيصفها بأنها “دولة محورية في هذا السياق بحكم موقعها ودورها الدبلوماسي واستضافتها مقر الاتحاد الإفريقي”، مشيرًا إلى أنها تتأثر مباشرة بالحرب في السودان من خلال تدفقات اللاجئين واضطراب التجارة والتوترات الحدودية وقضايا مياه النيل وسد النهضة، فضلًا عن اهتمامها المتزايد بالوصول إلى البحر الأحمر.
ويرى التحليل أن مواجهة هذا الامتداد الأمني تحتاج إلى مقاربة شاملة تتجاوز الحلول العسكرية، عبر تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي بين دول المنطقة، مؤكدًا أهمية الجهود الدبلوماسية والتنسيق الإنساني و”حماية الممرات البحرية في البحر الأحمر” لمنع تفاقم عدم الاستقرار.
السياسات الإثيوبية بين التصريحات والوقائع
على الرغم من أن التحليل يستخدم لغة أكاديمية ومنهجية تبدو متماسكة ظاهريًّا، فإنه يعاني من بعض الثغرات المنهجية. فحين يتحدث عن الوضع الأمني في القرن الإفريقي، يتجاهل دور سياسات إثيوبيا في تفاقم أزمات الإقليم. ومن أوجه ذلك عدم إشارته إلى أن حركة الشباب الصومالية نشأت في رد فعل على الغزو الإثيوبي للصومال عام 2006م، الذي أسفر عن الإطاحة بنظام المحاكم الإسلامية، وانشقاق حركة الشباب عن المحاكم.
كذلك يتجاهل التحليل أن تحركات إثيوبيا من أجل الوصول إلى منفذ بحري؛ وبوجه خاص على البحر الأحمر، تؤدي إلى زعزعة استقرار دول المنطقة وتوفير مناخ مضطرب يسهل معه نشوء الحركات المسلحة وتأسيس ارتباطات خارجية. ومن ذلك دعم إثيوبيا الحركات الانفصالية بتوقيع مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال الانفصالي لاستغلال موانئ الإقليم. ويضاف إلى ذلك التلويح باستخدام القوة العسكرية ضد إريتريا للسيطرة على ميناء عصب على البحر الأحمر.
وفيما يخص الأزمة السودانية نفسها، لا يذكر التقرير أن الحرب تدور بين جيش الدولة وجماعة مسلحة تمردت، ويصف الطرفين بأنهما “فصائل مسلحة”؛ ما يتفق مع ما هو معلوم على نطاق واسع من أن إثيوبيا أحد كبار الداعمين لقوات الدعم السريع.

اترك تعليقاً
