أ.د. عمرو محمد ناصف عبدالعزيز
باحث في الحوار و الثقافات الإنسانية
مقدمة
يمر المشهد السياسي والأمني في الشرق الأوسط بمرحلة حرجة تتشابك فيها الملفات الحزبية الداخلية في إسرائيل مع الحسابات الاستراتيجية لإدارة ترامب في الولايات المتحدة. يأتي هذا التقدير ليحلل نتائج انتخابات الكنيست الأخيرة، والتكييف القانوني لصلاحيات الحكومة الانتقالية، ومدى ارتباط هذا المأزق السياسي بفرص اندلاع مواجهة عسكرية مع إيران، مستعرضاً السيناريوهات المستقبلية وكوابحها.
أولاً: خارطة الكنيست الجديد وأزمة تشكيل الحكومة
أسفرت انتخابات الكنيست الإسرائيلي التي جرت في 27 أكتوبر 2026 عن مشهد برلماني معقد ومُنقسم، حال دون حصول أي من المعسكرين التقليديين على أغلبية حاسمة (61 مقعداً):
• معسكر نتنياهو: تصدّر النتائج بحصوله على 53 مقعداً (منها 27 مقعداً لحزب الليكود)، وهو رقم غير كافٍ للانفراد بالحكم.
• معسكر المعارضة: بقيادة حزب “يشار” برئاسة غادي آيزنكوت والقوى المتحالفة معه، وحصد 48 مقعداً (منها 21 مقعداً لحزب يشار).
• الأحزاب العربية: حصلت على 19 مقعداً، لتمثل كتلة مرجحة في التوازنات البرلمانية.
بناءً على التوصيات النيابية المرفوعة للرئيس إسحاق هرتسوغ، تشير المعطيات إلى تفوق غادي آيزنكوت بحصوله على دعم 67 نائباً (بعد تأييد الأحزاب العربية وتحالف “بياحد” برئاسة نفتالي بينيت)، مقابل تراجع دعم نتنياهو إلى 46 توصية إثر اتخاذ حزب “يهودوت هتوراه” موقفاً حيادياً. ومن المقرر أن يعلن الرئيس رسمياً عن الشخصية المكلفة بتشكيل الحكومة يوم الأحد 8 نوفمبر 2026.
ثانياً: التكييف الدستوري لحكومة “تسيير الأعمال” وصلاحيات الحرب
بموجب “قانون الأساس: الحكومة” في إسرائيل، تتحول الحكومة الحالية تلقائياً إلى حكومة تسيير أعمال (انتقالية) منذ بدء العملية الانتخابية وحتى أداء الحكومة الجديدة اليمين الدستورية.
1. النطاق الزمني للمرحلة الانتقالية:
لا تنتهي صلاحيات الحكومة الحالية بانتهاء يوم الاقتراع، بل تمتد طوال المهلة القانونية الممنوحة للمكلف الجديد، والتي تبدأ بـ 28 يوماً قابلة للتمديد لـ 14 يوماً إضافية بموافقة الرئيس. وفي حال الفشل ونقل التكليف لمرشح ثانٍ أو إحالته للكنيست، تستمر حكومة تسيير الأعمال في ممارسة مهامها دون انقطاع، ولو امتد ذلك لعدة أشهر، ولا تسقط صلاحياتها إلا لحظة نيل الحكومة الجديدة ثقة 61 نائباً في الكنيست.
2. صلاحية اتخاذ قرارات مصيرية (شن حرب كبرى):
من الناحية القانونية والدستورية، يحق لرئيس حكومة تسيير الأعمال (بنيامين نتنياهو) اتخاذ قرار بشن حرب كبرى أو قيادة عمليات عسكرية واسعة؛ إذ لا يسقط القانون الصلاحيات الأمنية والدفاعية عن الحكومة الانتقالية حرصاً على الأمن القومي. ومع ذلك، يخضع هذا القرار لثلاثة ضوابط:
• الموافقة الجماعية: إلزامية تفعيل المادة 40 من قانون الأساس ونيل موافقة المجلس الوزاري المصغر (الكابينت).
• الرقابة القضائية: تخضع القرارات لرقابة المحكمة العليا التي تشترط وجود “ضرورة أمنية ملحة وفورية” لمنع التوظيف السياسي.
• الشرعية السياسية: تقتضي الأعراف إشراك المعارضة والمرشح المكلف في التقييمات الأمنية الحساسة.
ثالثاً: التوظيف السياسي وفرص ضرب إيران
تتلاقى الاستعدادات العسكرية المشتركة بين تل أبيب وواشنطن مع حسابات الربح والخسارة السياسية للقادة في البلدين، خاصة بعد تأجيل الضربة التي كانت مقررة في منتصف أكتوبر إلى ما بعد الاستحقاقات الانتخابية.
1. الحسابات الإسرائيلية:
يواجه نتنياهو مأزقاً مزدوجاً؛ فبالإضافة إلى عدم حسمه للأغلبية البرلمانية، ينتظره مسار قضائي مكثف في قضايا الفساد والرشوة بمجرد تركه للمنصب، حيث تعد “صفقة الادعاء” المخرِج الوحيد لتجنب السجن الفعلي مقابل اعتزال السياسة. بناءً على ذلك، يرى محللون أن خيار التصعيد العسكري ضد إيران قد يمثل محفزاً سياسياً لنتنياهو لفرض حالة الطوارئ وتجميد المسار السياسي، أو إجبار الخصوم على الدخول في حكومة وحدة وطنية تقيه شبح التنحي والقضاء.
2. الحسابات الأمريكية:
تتزامن هذه التطورات مع انتهاء انتخابات التجديد النصفي الأمريكية (3 نوفمبر 2026). ورغم وجود خطط عسكرية جاهزة لعملية “قصيرة ومكثفة” تستهدف الدفاعات والمنشآت الإيرانية، إلا أن إدارة ترامب تواجه واقع “الحكومة المنقسمة” مع سيطرة الديمقراطيين المتوقعة على الكونغرس. تميل عقيدة ترامب البراغماتية ونائبه “جيه دي فانس” إلى تجنب الحروب المفتوحة والتركيز على “الحصار الاقتصادي الخانق” لفرض اتفاق نووي وإقليمي جديد، وهو ما ظهر في قنوات الاتصال الخلفية التي فُتحت مع طهران.
رابعاً: استشراف السيناريوهات المستقبلية
السيناريو الأول: ضربات انتقائية مدبّرة (الأكثر ترجيحاً)
• المضمون: قيام إسرائيل، بدعم أو تنسيق أمريكي، بتنفيذ ضربة جوية وصاروخية مكثفة ومحدودة السقف (تستهدف منشآت طاقة أو مصانع مسيّرات وصواريخ إيرانية) ثم التراجع الفوري.
• المبررات: يحقق هذا السيناريو حاجة نتنياهو للاستعراض الأمني داخلياً، ويُرضي اندفاعة واشنطن الردعية دون الانزلاق إلى حرب برية مكلفة اقتصادياً وبشرياً.
السيناريو الثاني: الاستقرار الحذر والضغط الاقتصادي الشامل (متوسط الترجيح)
• المضمون: تغليب الدبلوماسية الاقتصادية عبر تشديد العقوبات النفطية لدرجة الصفر، مع الحفاظ على الهدوء العسكري المباشر والاعتماد على الردع المتبادل.
• المبررات: رغبة دول الخليج العربي في حماية مشاريعها التنموية (مثل رؤية 2030) وإبلاغها واشنطن وتل أبيب برفض استخدام أجوائها، بجانب حرص طهران على تجنب مواجهة وجودية تهدد النظام، ومخاوف القوى العالمية (كالصين وأوروبا) من قفزة جنونية في أسعار الطاقة حال إغلاق مضيق هرمز.
السيناريو الثالث: الحرب الشاملة والمفتوحة (الأقل ترجيحاً)
• المضمون: اندلاع مواجهة عسكرية واسعة وممتدة زمنياً تهدف إلى إسقاط النظام الإيراني أو تدمير كامل بنيته التحتية.
• المبررات: مستبعد حالياً نتيجة غياب الإجماع السياسي الداخلي في أمريكا وإسرائيل، والكلفة الباهظة التي لا يرغب أي طرف في تحملها.
خامساً: كسر القواعد وسيناريوهات المفاجأة (البجعة السوداء)
رغم أن المؤشرات العامة تتجه نحو الاحتواء الموجه، إلا أن البيئة الأمنية في الشرق الأوسط تظل حُبلى بالمفاجآت الناتجة عن:
1. سوء التقدير: خطأ في دقة ضربة موضعية يؤدي لمقتل قيادات كبرى أو إصابة موقع نووي، مما يدفع طهران لرد غير متناسب.
2. العمل الانفرادي: إقدام حكومة نتنياهو على خطوة استراتيجية كبرى دون ضوء أخضر أمريكي لفرض أمر واقع.
3. الخط الأحمر النووي: رصد معلومات استخباراتية قطعية عن وصول إيران لتخصيب بنسبة 90%، مما يحول الضربة الاستراتيجية إلى ضرورة وجودية فورية.
4. اشتعال الوكلاء: قيام أطراف ثالثة (فصائل إقليمية) بهجوم غير منسق يوقع خسائر ضخمة في صفوف القوات الأمريكية، مما يجبر واشنطن على رد مباشر داخل العمق الإيراني.
خلاصة وتوصيات
إن المنطقة والعالم يقفان أمام مشهد “توتر مدار بحسابات دقيقة” وليس هدوءاً مستداماً. التوصية التحليلية توصي بمراقبة الخطوات الدستورية الإسرائيلية ابتداءً من يوم الأحد 8 نوفمبر، ورصد أي تغير في معدلات تدفق القوات الأمريكية في المنطقة، حيث تظل الجاهزية العسكرية قائمة بانتظار الحسم السياسي في أروقة الحكم في تل أبيب وواشنطن.
يكتب في نهاية المقال أن هذا التحليل يعبر عن رأي الباحث ولا يمثل رأي المركز بالضرورة.

