سعد عبد العزيز
تشهد إسرائيل واحدة من أكثر الأزمات الداخلية حساسية منذ تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، وذلك على خلفية تعثر مشروع قانون تجنيد الحريديم، واتساع فجوة الثقة بين الائتلاف الحاكم والقيادات الدينية الحريدية. وتكمن خطورة الأزمة الحالية في أنها لم تعد محصورة في إطار الخلاف التشريعي داخل الكنيست، بل بدأت تتحول تدريجيًا إلى مواجهة مفتوحة بين الدولة ومكوّن اجتماعي–ديني يمتلك وزنًا سياسيًا وتنظيميًا كبيرًا داخل معسكر اليمين.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه إسرائيل تحديات أمنية متراكمة على عدة جبهات، الأمر الذي يضاعف حساسية ملف التجنيد بالنسبة للمؤسسة العسكرية، ويجعل أي فشل في فرض الخدمة العسكرية على الحريديم بمثابة تهديد مباشر لمبدأ “تقاسم العبء” ولقدرة الجيش على تعويض النقص البشري الناتج عن الحرب والاستنزاف المستمر.
تصعيد غير مسبوق!
بعد توجيهات الزعيم الحريدي الحاخام دوف لاندو بتجميد التعاون بشأن مشروع قانون تجنيد الحريديم، دخلت الأزمة بين حكومة بنيامين نتنياهو والأحزاب الحريدية مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، وسط مؤشرات متزايدة على اقتراب انهيار التسوية السياسية والتوجه نحو انتخابات مبكرة.
وفي موازاة الانفجار السياسي، تستعد المؤسستان الأمنية والشرطية في إسرائيل لمرحلة جديدة من التعامل مع ملف المتهربين من الخدمة العسكرية، تشمل تنفيذ حملات اعتقال واسعة داخل التجمعات الحريدية، ابتداءً من شهر يونيو المقبل.
وبحسب مصادر عبرية، طلب الجيش الإسرائيلي من الشرطة المدنية تخصيص قوات لتأمين عمليات تنفذها الشرطة العسكرية ضد الحريديم المطلوبين للخدمة، خصوصًا في مناطق التجمعات الحريدية بوسط إسرائيل. ويبحث قسم العمليات في الشرطة حاليًا حجم القوات المطلوبة وآليات تنفيذ تلك الحملات.
وتشير التقديرات إلى أن الأمر لم يعد يقتصر على اعتقال مطلوبين يُعثر عليهم خلال نشاطات روتينية، بل يجري التحضير لتنفيذ حملات ميدانية منظمة، بالتنسيق الكامل بين الشرطة العسكرية والشرطة المدنية. ونقلت مصادر شرطية أن التعليمات الصادرة واضحة وهي اعتقال كل متهرب يتم العثور عليه وتحويله فورًا إلى الشرطة العسكرية، دون استثناءات.
يأتي هذا التحول بعد انتقادات حادة وجهتها المحكمة العليا الإسرائيلية لضعف تطبيق القانون في ملف التجنيد، إلى جانب ضغوط مارستها المستشارة القضائية للحكومة لتوسيع دور الشرطة المدنية في مواجهة ظاهرة التهرب من الخدمة العسكرية.
الشرطة تطلب تعزيزات من حرس الحدود
خلال مشاورات سابقة مع الجيش، طلبت الشرطة الإسرائيلية السماح باستدعاء ست سرايا احتياط من قوات حرس الحدود للمشاركة في عمليات الاعتقال، مبررة ذلك بالنقص الحاد في القوى البشرية وتزايد الأعباء الأمنية والجنائية. إلا أن تلك الطلبات، بحسب التقارير، قوبلت بالرفض. وكان المفوض العام للشرطة داني ليفي قد امتنع سابقًا عن تخصيص وحدات خاصة لهذا الملف، بحجة النقص الكبير في عدد عناصر الشرطة وتعدد المهام الأمنية المفروضة عليها.
في المقابل، أثارت الاستعدادات لتنفيذ حملات الاعتقال غضبًا واسعًا داخل الأوساط الحريدية، التي اعتبرت الخطوة تصعيدًا خطيرًا ضد طلاب المعاهد الدينية ودارسي التوراة، في وقت لا تزال فيه المنظومة السياسية عاجزة عن التوصل إلى تسوية بشأن قانون التجنيد.
اشتعال المواجهة بين نتنياهو والحريديم!
بالتوازي مع التصعيد الأمني، تشهد الأزمة السياسية حول قانون التجنيد تفاقمًا حادًا، بعد أن أصدر الحاخام دوف لاندو تعليماته لحزب “ديغل هتوراه” بوقف الترويج لمشروع القانون، ومواصلة دعم مساعي حلّ الكنيست.
ووفقًا لتقارير إسرائيلية، وجّه مقربون من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو رسائل غاضبة إلى قيادة “ديغل هتوراه”، متهمين الحزب بإسقاط مشروع القانون. ونقلت مصادر مطلعة عن شخصيات مقربة من نتنياهو قولها إن “الحريديم قتلوا القانون”، رغم أن الائتلاف الحكومي — بحسب تعبيرهم — أعاد إحياء المشروع، وعقد اجتماعات مكثفة لصياغته وضمان تمريره.
كما زعمت مصادر داخل الائتلاف أن صيغة القانون كانت جاهزة للتوزيع، إلا أن نشرها تأجل بطلب من “ديغل هتوراه”، الذي أصر على الحصول أولًا على موافقة الحاخام لاندو، قبل أن يقرر الأخير وقف التعاون بالكامل.
في المقابل، تتهم قيادات حريدية نتنياهو بعدم الجدية، معتبرة أنه لا ينوي أصلًا تمرير قانون يضمن إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية. ونقلت مصادر عن مسؤول بارز في “ديغل هتوراه” قوله إن “نتنياهو يُخادع الجميع”، فيما شدد الحاخام لاندو على أنه “لم تعد هناك ثقة برئيس الحكومة”.
وتفيد مصادر حريدية بأن توجيهات لاندو لم تقتصر على تجميد مشروع القانون، بل شملت أيضًا تعليمات واضحة لأعضاء الكنيست التابعين للحزب الحريدي بمواصلة دعم مشروع قانون حلّ الكنيست، وعدم الاستجابة لمحاولات تأجيله.
الانتخابات تلوح في الأفق!
في ضوء تعثر الاتصالات السياسية، باتت الأوساط الإسرائيلية تتحدث بصورة علنية عن سيناريوهات انتخابات مبكرة. ومن بين المواعيد المطروحة حاليًا يوم 15 سبتمبر المقبل، أي بعد يومين من حلول رأس السنة العبرية.
غير أن هذا الموعد يواجه اعتراضًا من الأحزاب الحريدية، التي تخشى فقدان آلاف الأصوات للحسيديم الذين يتواجدون سنويًا في مدينة أومان الأوكرانية خلال تلك الفترة، ما قد يمنعهم من التصويت داخل إسرائيل ويؤثر سلبًا على معسكر اليمين.
ومع ذلك، تشير تقديرات سياسية إلى أن احتمال إجراء الانتخابات في سبتمبر يتراجع تدريجيًا، مقابل تزايد الحديث عن تأجيلها إلى أكتوبر، بحيث تكون أقرب إلى موعدها الأصلي.
الأزمة تنتقل إلى الشارع!
في هذه الأثناء، بدأت جهات داخل الائتلاف الحاكم تعترف ضمنيًا بأن مساعي تمرير قانون التجنيد قد وصلت إلى طريق مسدود، خاصة بعد انضمام حزب “أغودات يسرائيل” إلى موقف “ديغل هتوراه” الرافض للصيغة الحالية للقانون.
يواصل مكتب نتنياهو اتصالاته مع الأحزاب الحريدية لمحاولة معرفة ما إذا كان لا يزال بالإمكان إنقاذ مشروع القانون ومنع حلّ الكنيست، إلا أن الرسائل الصادرة من الطرفين تعكس انهيارًا متسارعًا في الثقة السياسية.
إن الجمع بين انهيار المسار السياسي والاستعداد لشن حملات اعتقال ضد الحريديم المتهربين من التجنيد، يخلق واقعًا جديدًا في إسرائيل، حيث لم تعد أزمة التجنيد تُدار داخل لجان الكنيست وغرف الحاخامات فقط، بل بدأت تنتقل تدريجيًا إلى الشارع، بما يحمله ذلك من احتمالات التصعيد الداخلي والانقسام المجتمعي.
يتبين مما سبق أن هناك تحولًا نوعيًا في طريقة تعامل الدولة الإسرائيلية مع ملف الحريديم، ويتجلى ذلك في:
• انتقال المؤسسة الأمنية من سياسة الاحتواء إلى سياسة الإنفاذ القسري، عبر التحضير لحملات اعتقال منظمة ضد المتهربين من التجنيد داخل التجمعات الحريدية.
• تصاعد التدخل القضائي في الملف، خاصة بعد الضغوط التي مارستها المحكمة العليا والمستشارة القضائية للحكومة لتطبيق القانون بصورة فعلية.
• انهيار الثقة السياسية بين نتنياهو وقيادات الحريديم، بعد اتهامات متبادلة بالخداع والتراجع عن التفاهمات.
• انتقال الخطاب الحريدي من محاولة تعديل القانون إلى التلويح بإسقاط الحكومة ودعم حلّ الكنيست.
• اتساع القناعة داخل الائتلاف بأن مشروع قانون التجنيد بصيغته الحالية أصبح غير قابل للتمرير.
وتشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن الأزمة تجاوزت مرحلة المناورة السياسية التقليدية، ودخلت طور الصدام الفعلي بين متطلبات الدولة الأمنية وبين البنية العقائدية والاجتماعية للحريديم.
وهناك ثلاثة سيناريوهات الأزمة الحالية:
الأول: انتخابات مبكرة
يُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا في ضوء الانهيار المتسارع للثقة بين مكونات الائتلاف. وفي هذا المسار، ستفشل محاولات التوصل إلى تسوية بشأن قانون التجنيد، ما سيدفع الأحزاب الحريدية إلى دعم حلّ الكنيست.
ومن المرجح أن يحاول نتنياهو تأجيل موعد الانتخابات إلى أكتوبر بدل سبتمبر، لتقليل الأضرار السياسية داخل معسكر اليمين، ومنح نفسه وقتًا إضافيًا لترميم موقعه السياسي.
الثاني: تسوية مؤقتة
قد ينجح نتنياهو، تحت ضغط الخوف المشترك من الانتخابات، في تمرير صيغة مؤقتة أو غامضة لقانون التجنيد، تسمح بتأجيل الانفجار السياسي بضعة أشهر إضافية. لكن هذا السيناريو سيبقى هشًا للغاية، لأن جذور الأزمة البنيوية ستظل قائمة دون حل فعلي.
الثالث: تصعيد ميداني داخلي
إذا بدأت الشرطة العسكرية بتنفيذ حملات اعتقال واسعة داخل الأحياء الحريدية، فقد تتطور الأزمة إلى مواجهات ميدانية واسعة، تشمل احتجاجات جماهيرية، وإغلاق طرق، وصدامات مع الشرطة. ويحمل ذلك السيناريو مخاطر استراتيجية على الاستقرار الداخلي الإسرائيلي، لأنه قد يؤدي إلى تعميق الانقسام بين الدولة العلمانية والمجتمع الحريدي، ويُضعف تماسك الجبهة الداخلية في مرحلة أمنية حساسة، لأن الأزمة مرشحة للتحول من أزمة سياسية داخل الائتلاف إلى أزمة استقرار داخلي واسعة، قد تُعيد رسم العلاقة بين الدولة الإسرائيلية والمجتمع الحريدي لسنوات قادمة.
خلاصة القول، إن الحروب الإسرائيلية الأخيرة وما رافقها من استنزاف بشري أعادت ملف التجنيد إلى مركز الأولويات القومية. ولذلك، فإن الجيش لم يعد مستعدًا لاستمرار الوضع القائم، خاصة في ظل تزايد أعداد الحريديم المطلوبين للخدمة العسكرية.
ويبدو أن المؤسسة الأمنية تحاول فرض واقع جديد تدريجيًا، يقوم على الانتقال من سياسة التسويات السياسية إلى فرض القانون ميدانيًا، حتى لو أدى ذلك إلى احتكاك مباشر مع الشارع الحريدي.
أحدث المنشورات
- نتنياهو يخسر الحريديم: أزمة التجنيد تدفع إسرائيل نحو انتخابات مبكرة!
- مالي 2026: إنكشاف الدور الروسى فى الأزمة بمالى وسيناريوهات إعادة تشكيل الدولة والأمن
- إسرائيل بين التفوق العسكري والفشل الاستراتيجي في حربها إلى إيران
- تصدعات الداخل وضغوط الخارج: تفكيك للمأزق الإثيوبي الراهن
- قلعة الشقيف اللبنانية في الوعي الإسرائيلي: الجغرافيا والذاكرة والسياسة في زمن الأزمات الاستراتيجية
- المشهد الإثيوبي الراهن: صراعات الهوية بالداخل وإعادة تشكيل النفوذ بالخارج
- مصر في البحر الأحمر والسودان: تحليلات إثيوبية تستشعر الخطر
- من التصعيد إلى التفاهمات قراءة في دلالات اللقاء الإماراتي السوداني ومسار الوساطة المصرية التركية
الثلاثاء, 2 يونيو
