عبدالله فارس القزاز .. باحث بوحدة الدراسات الإفريقية
تشهد منطقة القرن الإفريقي منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023م درجة متزايدة من السيولة الاستراتيجية، حيث تداخلت الأزمات الداخلية مع حسابات التنافس الإقليمي على نحو أعاد تشكيل توازنات القوى في المنطقة. فقد أدى الصراع بين الجيش السوداني ومليشيات الدعم السريع إلى إضعاف قدرة الدولة على ضبط المجالين الأمني والحدودي، الأمر الذي فتح المجال أمام تفاعلات إقليمية متزايدة ومحاولات مختلفة لإعادة اختبار موازين القوى في محيط السودان المباشر. وفي هذا السياق، برزت التحركات الإثيوبية على الحدود الشرقية، وما رافقها من تصريحات صادرة عن وزارة الخارجية السودانية بشأن دخول طائرات مسيّرة من الحدود الإثيوبية إلى المجال الجوي السوداني، بوصفها أحد المؤشرات على تحولات أوسع في طبيعة التفاعلات بين الخرطوم وأديس أبابا.
وقد أثارت هذه التطورات تساؤلات حول طبيعة الرسائل التي تحملها هذه التحركات، وما إذا كانت تمثل حادثًا حدوديًا محدودًا أم أنها تعكس نمطًا أوسع من اختبار حدود الردع السوداني في ظل انشغال الدولة في صراعها الداخلي؟. من هنا تبرز أهمية تفكيك الدوافع الكامنة وراء هذا التحرك وقراءته في إطار أوسع يتداخل فيه البعد العسكري مع الحسابات الدبلوماسية والتوازنات الإقليمية في القرن الإفريقي.
أولا: أدوات الضغط وحدود الردع.
في ظل الصراع السوداني الممتد منذ أبريل 2023 بين الجيش السوداني ومليشيات الدعم السريع، دخلت الأزمة في عام 2026م مرحلة جديدة من التفاعل الإقليمي. ففي الربع الأول من العام نفسه التقى قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو بالرئيس الأوغندي يوري موسيفيني في كمبالا، حيث أكد موسيفيني أن الحوار والحل السياسي يمثلان السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار في السودان والمنطقة. غير أن توقيت اللقاء حمل دلالات تتجاوز الطابع الدبلوماسي، إذ جاء بعد استقبال القيادة الأوغندية نائب رئيس مجلس السيادة السودانى “مالك عقار”، بما يعكس محاولة من دقلو للتحرك عبر مسار سياسي موازٍ لتحركات المؤسسة العسكرية النظامية، بحثًا عن أشكال من الاعتراف السياسي الخارجي الرمزي عاكسا الاستراتيجية التي تتحرك بها المليشيا الرامية لتحقيق مكاسب على الأرض يتبعها اعتراف سياسي شكلي لضمان وجود المليشيا كطرف مواز في أية مفاوضات مقبلة بدلا من وصفها كقوة غير نظامية، في وقت تسعى فيه كمبالا إلى تعزيز حضورها الإقليمي في الملف السوداني.
وفي ظل هذا الحراك الإقليمي المتزايد، برز تطور أكثر حساسية تمثل في تصريحات وزارة الخارجية السودانية بشأن دخول طائرات بدون طيار من الحدود الإثيوبية إلى المجال الجوي السوداني، وهو ما اعتبرته الخرطوم انتهاكًا لسيادتها. كما أدانت تحركات أديس أبابا ووصفتها بأنها سلوك عدائي، مؤكدة احتفاظها بحق الدفاع عن أراضيها وسيادتها. وتفتح هذه التطورات الباب أمام قراءة أوسع للتحركات الإثيوبية في سياق أدوات الضغط غير المباشر واختبار حدود الردع، في ظل انشغال السودان بأزمته الداخلية. تمثل الطائرات المسيّرة إحدى أدوات الضغط منخفضة الكلفة وعالية التأثير في الصراعات الإقليمية المعاصرة، إذ تتيح توجيه رسائل عسكرية وأمنية دون الانزلاق نحو مواجهة مباشرة بين الدولتين، مع توفير هامش غموض سياسي للجهة التي تستخدمها في تنفيذ هجماتها.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى استخدام الطائرات المسيّرة بوصفه جزءًا من نمط ردع غير متماثل يعتمد على توظيف أدوات تقنية تمنح إثيوبيا القدرة على اختبار ردود الفعل العسكرية والسياسية للخرطوم، إثيوبيا التي تسعى إلى الحفاظ على هامش مناورة في بيئة إقليمية مضطربة، تستطيع عبر هذه الوسائل إرسال إشارات ضغط محدودة دون تحمّل تكاليف التصعيد العسكري التقليدي، في حين يجد السودان نفسه أمام معادلة أكثر تعقيدًا في ظل انشغال مؤسساته العسكرية بالصراع الداخلي .
يرتبط ضبط المجال الجوي في هذه الحالة بقدرة الدولة على المراقبة والاستجابة السريعة لأي اختراقات محتملة، وهو أمر يواجه تحديات واضحة في السياق السوداني الراهن. فالحرب الداخلية، وما ترتب عليها من تشتت للموارد العسكرية والأمنية، أضعفت إلى حدٍ ما قدرة الدولة على إدارة جميع مسارح التهديد في الوقت نفسه، الأمر الذي يخلق مساحة رمادية يمكن أن تتحول فيها التحركات المحدودة إلى أدوات ضغط استراتيجية. إلى جانب البعد العسكري، يبرز البعد الدبلوماسي بوصفه عنصرًا مكملًا في إدارة هذه التوترات. فبينما تنظر الخرطوم إلى هذه التحركات باعتبارها انتهاكًا لسيادتها واختبارًا مباشرًا لحدود ردعها، تحرص أديس أبابا في المقابل على تجنب خطاب تصعيدي مباشر، وهو ما يعكس نمطًا من التفاعلات يقوم على الضغط غير المباشر مع الحفاظ على هامش سياسي يسمح بتفادي المواجهة المفتوحة.
ثانيا: حسابات أديس أبابا الإقليمية وتوقيت التحرك.
لا يمكن فهم توقيت التحركات الإثيوبية تجاه السودان بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع الذي تتحرك فيه أديس أبابا خلال عام 2026م، حيث تشهد بيئة القرن الإفريقي درجة مرتفعة من السيولة الاستراتيجية مع تداخل الأزمات الأمنية والسياسية. فإثيوبيا، بقيادة أبي أحمد، تواجه في الوقت ذاته مجموعة من التحديات المتزامنة، تشمل هشاشة الوضع الأمني الداخلي بعد تصعيد التطورات في تيجراي، وتصاعد التوترات مع إريتريا، إلى جانب استمرار الضغوط المرتبطة بملف سد النهضة، لكن العلاقات بين أديس أبابا وأسمرا عادت لتشهد مؤشرات توتر متصاعدة بعد سنوات من التنسيق العسكري خلال حرب تيجراي خلال الفترة من 2020 م-2022م، وكشفت رسالة وجها وزير الخارجية الإثيوبي إلى نظيره الإريترى متهما أسمرا باحتلال اراضي إثيوبية على الحدود المشتركة، حيث إعتبرت إثيوبيا ذلك اعتداء صريحا علي أراضيها، وطالبت إريتريا بانسحاب القوات ووقف فوري لتعامل القوات الاريترية مع الجماعات المسلحة الإثيوبية، وفى هذا الإطار أشار وزير الخارجية الإثيوبى إلى رصد مناورات عسكرية مشتركة بين الجيش الإريتري وجماعات مسلحة إثيوبية بالقرب من الحدود في إقليم التيجراى، وهو ما أعاد المخاوف من إمكانية عودة تصاعد التوتر الأمني بين البلدين في شمال إثيوبيا.
في هذا السياق الإقليمي المضطرب، تكتسب التحركات الإثيوبية على الجبهة السودانية دلالات تتجاوز البعد الحدودي المباشر. وتعكس تصريحات وزارة الخارجية السودانية التي تحدثت عن دخول طائرات مسيرة من الحدود الإثيوبية إلى المجال الجوي السوداني في جانب منها نمطًا من الضغوط غير المباشرة التي يمكن توظيفها في سياق إدارة التوازنات الإقليمية. الصراع السوداني، الذي اندلع منذ أبريل 2023م بين الجيش السوداني و مليشيات الدعم السريع، خلق فراغًا استراتيجيًا على الحدود الشرقية للسودان، وهو ما فتح المجال أمام قوى إقليمية مختلفة لإعادة اختبار نفوذ المجلس السيادى السودانى أو توسيع هامش تحركها في المنطقة. ومن هذا المنظور، تُفهم التحركات الإثيوبية بوصفها محاولة لاستغلال لحظة الاضطراب السوداني لإعادة ترتيب توازنات النفوذ على الحدود المشتركة، ويظهر ذلك في التحركات الإثيوبية في منطقة الفشقة دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة بين الدولتين.
كما يتقاطع توقيت التحركات الإثيوبية مع دفعة دبلوماسية دولية متجددة حول ملف سد النهضة في مطلع عام 2026م، فقد عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يناير 2026م استئناف الوساطة الأمريكية بين مصر وإثيوبيا لحل الخلاف حول تقاسم مياه نهر النيل، في محاولة لإعادة إحياء مسار التفاوض الذي تراجع خلال السنوات الماضية. وقد جاء هذا العرض في رسالة وجهها ترامب إلى نظيره الرئيس عبدالفتاح السيسي، أعلن فيها أن الولايات المتحدة مستعدة لاستئناف الوساطة من أجل “حل مسألة تقاسم مياه النيل بمسؤولية وبشكل نهائي”، مؤكدًا أن هذا الجهد يهدف إلى ضمان مصالح جميع دول حوض النيل، بما فيها مصر والسودان وإثيوبيا، وهو توجه دبلوماسي حملته واشنطن علنًا في يناير 2026م.
وتعكس الخطوة الأمريكية اهتمامًا دوليًا متزايدًا بملف المياه في حوض النيل، خصوصًا في ظل استمرار جسامة تأثيرات سد النهضة على العلاقات بين دول الحوض. وفي هذا السياق، رحبت القاهرة بالمبادرة التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة، حيث أكد الرئيس السيسي أهمية أي جهد دولي يسهم في إعادة تنشيط المفاوضات والتوصل إلى اتفاق يراعي مصالح دول حوض النيل.
في هذا الإطار، يمكن قراءة التحركات الإثيوبية، بما في ذلك التصريحات السودانية بدخول طائرات مسيرة من الأراضي الإثيوبية، في سياق بيئة دولية فاعلة توازن بين الضغط الدبلوماسي المرتبط بملف المياه والتنافس الجيوسياسي في القرن الإفريقي. إثيوبيا تدرك أن هذه القضية قد تصبح موضوع تدخل دولي أوسع، ما يجعلها تحسب خطواتها الإقليمية بحذر أكبر في محاولة للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في النيل، مع إدارة الضغوط التي تمارسها القوى الدولية والإقليمية على حد سواء.
وبذلك، فإن توقيت التحرك الإثيوبي لا يبدو مجرد تطور حدودي عابر، بل يعكس تفاعل مجموعة من الحسابات المتشابكة تشمل التوازنات الإقليمية في القرن الإفريقي، والضغوط الدولية المرتبطة بملف سد النهضة، إضافة إلى اعتبارات السياسة الداخلية الإثيوبية. وهو ما يجعل قراءة هذه التحركات ضرورية لفهم طبيعة الدور الذي تسعى أديس أبابا إلى لعبه في محيطها الإقليمي خلال المرحلة الراهنة والقادمة.
ختاما
تكشف التحركات الإثيوبية تجاه السودان أن الأزمة لم تعد مجرد نزاع داخلي، بل تحولت إلى ساحة لاختبار التوازنات الإقليمية عبر أدوات ضغط غير مباشرة مثل الطائرات المسيّرة، التي تسمح بإرسال رسائل سياسية وعسكرية دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. وتبرز التحركات الإثيوبية في منطقة الفشقة بوصفها اختبارًا مباشرًا لحدود النفوذ على الأرض، مستغلة هشاشة السودان الداخلية دون الدخول في مواجهة مفتوحة. ومع استمرار هشاشة الدولة السودانية وانشغال مؤسساتها بالصراع الداخلي، تتسع المساحات الرمادية التي يمكن أن تتحرك فيها القوى الإقليمية لإعادة صياغة نفوذها على الحدود وفي الملفات الاستراتيجية، بما في ذلك ملف المياه.
ويبقى التساؤل الاستراتيجي : إلى أي مدى يمكن للخرطوم وأديس أبابا إدارة هذه الاختبارات المتبادلة دون الانزلاق إلى تصعيد عسكري يغير موازين القوى في المنطقة ويهدد الاستقرار الإقليمي؟

