د/ مروة إبراهيم
باحثة في وحدة الدراسات الإفريقية
مما لا شك فيه أن وصف مجلة “إيكونوميست” (The Economist) مؤخرًا لآبي أحمد بأنه إمبراطور حالم، يبرز رؤيته الإمبريالية المدفوعة بطموحات تهدف لتوسيع نفوذ إثيوبيا ، ولاسيما من خلال تأمين منفذ بحري لها، يعكس تحولاً جذرياً في النظرة الدولية له؛ حيث تحول من “صانع سلام” حائز على جائزة نوبل عام 2019م، إلى قائد يسعى لإعادة إحياء نفوذ الإمبراطورية الإثيوبية القديمة على حساب استقرار القرن الإفريقي.
تهدف هذه الورقة إلى رصد السردية الصحفية الغربية وردود فعل الخطاب الإعلامي الإثيوبي، حيث بات الاعلام الغربى يصور آبي أحمد كقائد “توسعي” تحركه طموحات “قومية وإمبرالية”، مع تحليل الخلفيات السياسية والتاريخية والجيوسياسية المُثيرة لهذا الجدل.
تتخذ الورقة من المقال الذي نشرته صحيفة “أديس استاندرد” بتاريخ 18 يونيو نموذجاً تطبيقياً للرد الإثيوبي؛ حيث جاء المقال تحت عنوان: “ما وراء الصورة الكاريكاتورية لـ”الحالم الإمبراطوري فهم تعقيدات الواقع الإثيوبي ومخاطر الاختزال أحادي البُعد”، ليفند ما وصفه بـ”الروايات المضللة” في تقييم حاضر إثيوبيا ومستقبلها وهو ما اعتبره كاتب المقال رد مباشر على الوصف الذي أطلقته مجلة إيكونوميست على رئيس الوزراء بأنه “إمبراطور حالم”، وهو تصوير، من وجهة نظره يبسّط الواقع السياسي المعقد لإثيوبيا بشكل مفرط، ويخاطر بترسيخ روايات مضللة حول حاضر البلاد ومستقبلها، بيد أن المقال يتفق مع معظم ما وجه من انتقادات للحكومة الإثيوبية ويبرر هذا برؤيته أن التدقيق النقدي لأداء أية حكومة هو أمر مشروع وضروري، إلا أنه يطالب التحليلات الدولية بالاستناد إلى السياق التاريخي والواقع المعاصر والتقييم المتوازن، سعياً لتقديم أدلة توضح طبيعة التحول المستمر في البلاد وتحدياتها ومسارها المعقد عبر الإصلاح .
صعود آبي أحمد 2018م: طوق نجاة اضطراري
يحلل كاتب المقال الإثيوبي ظروف صعود آبي أحمد إلى السلطة عام 2018م، مؤكداً أنه لم يكن انتقالاً ديمقراطياً طبيعياً، بل تمثّل في “طوق نجاة اضطراري” استهدف منع انهيار الدولة الإثيوبية جراء أزمتين أساسيتين هما: نظام “الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي” الذي هيمنت عليه جبهة تحرير تيجراي لعقود إلى طريق مسدود بعد سنوات من حكم الطوارئ والقمع الممنهج. وثورات الشارع المتأججة، إذ شلّت الاحتجاجات العارمة للعرقيتين الأكبر في البلاد (الأورومو والأمهرة) حركة الاقتصاد والحياة العامة.
ويرى المقال أنه خلال هذه الفترة المضطربة، تولى آبي أحمد منصبه محاطاً بآمال شعبية هائلة وتوقعات شبه مستحيلة لترميم العقد الاجتماعي الممزق، وواعدًا بالإصلاح والمصالحة؛ وشكّلت تحركاته المبكرة نقطة تحول حادة ابتعدت بالبلاد عن الثقافة السياسية السلطوية السابقة. وتجسد ذلك في إطلاق سراح السجناء السياسيين، والترحيب بعودة المعارضة المنفية، وتخفيف القيود عن الإعلام، فضلاً عن تحرير القطاعات الاقتصادية التي احتكرتها الدولة طويلاً. ولم تكن هذه الخطوات مجرد إيماءات رمزية، بل مثّلت لمعظم الإثيوبيين- كما يراها الكاتب- بارقة أمل تُوّجت باعتراف دولي تمثل في منحه جائزة نوبل للسلام لعام 2019م؛ ما يثبت أن صعوده لم يكن متجذراً في نزعة عسكرية أو توسعية، بل نبع من رغبة وطنية عارمة في التغيير.
جدلية فلسفة “المدمر”: بين الأيديولوجيا الصهرية والتكامل الإقليمي
بالرغم من أن فلسفة آبي أحمد المعروفة بـ”المدمر” (التآزر أو التآلف)- التي طُرحت إبان توليه السلطة في كتابه الشهير المعنون بالاسم نفسه، وما زالت حتى اليوم يتم الدعاية لها كإطار فكري سلمي يسعى للتكامل والوحدة- فإن نقادها اليوم يفسرونها كغطاء أيديولوجي ذي شقين: داخلياً محاولة لـصهر الخصوصيات العرقية وتذويب الفيدرالية القائمة، وخارجياً يسعى لفرض الهيمنة الاقتصادية والسياسية على دول الجوار تحت تبريرات التكامل الإقليمي الحتمي.
وفي المقابل، يدافع كاتب المقال عن الجوهر الفلسفي لهذا الطرح، مؤكداً أن مستقبل إثيوبيا مرهون بتحقيق هذا التوازن الدقيق بين صون التنوع العرقي وبناء هوية وطنية مشتركة. وبغض النظر عن مدى الاتفاق أو الاختلاف مع آليات تطبيقها، فإن “المدمر” تعكس- في نظر الكاتب-جهداً حتمياً للمضي قدماً وتجاوز إرث نظام سياسي سابق باتت الغالبية تعتقد أنه غير مستدام.
ولا يعني هذا الدفاع الإعلامي المحلي تبرئة ساحة الحكومة أو الادعاء بنجاحها في التغلب على الانقسامات التاريخية؛ بل يقر كاتب المقال بأن الصراعات الدموية في أقاليم تيجراي وأمهرا وأوروميا، قد تسببت في معاناة إنسانية هائلة، ونزوح جماعي وصدمات مجتمعية عميقة. كما تظل المخاوف الدولية والمحلية المشروعة بشأن ملفات حقوق الإنسان والحوكمة وحرية الإعلام والإدماج السياسي، قضايا حيوية تستوجب معالجة شفافة وفورية. ويدافع كاتب المقال بقوله أن إرجاع كل أزمة مستفحلة إلى شخصنة السلطة أو اختزالها في فرد واحد (آبي أحمد) يعد قاصراً؛ لأنه يتجاهل عقوداً من التوترات البنيوية العميقة التي لم تُحل، والتي سبقت قيادة آبي أحمد بفترة طويلة، ليدلّل على أن عدم الاستقرار في إثيوبيا لا يمكن اختزاله في شخصية القائد بمفردها.
طفرة تنموية في مواجهة التضخم والقيود الجيوسياسية
تواجه إثيوبيا اليوم معضلات اقتصادية حادة، يتصدرها ارتفاع معدلات التضخم، والضغوط المالية العالمية والتحديات المناخية المتلاحقة، فضلاً عن تفاقم النزاعات الداخلية؛ غير أن كاتب المقال يرى أن الطموح التنموي الإثيوبي يظل أحد أكثر الجوانب إجحافاً وتجاهلاً في القراءات الدولية الحالية؛ حيث يعتقد أن إثيوبيا لا تخوض غمار إصلاح سياسي معقد فحسب، بل تحاول بالتوازي تحقيق واحد من أضخم التحولات الاقتصادية في القارة الأفريقية عبر الاستثمار المكثف في البنية التحتية والتصنيع والتنمية الحضرية، ويدافع عن مشاريع التحديث الجارية في العاصمة أديس أبابا (فينفيني) وتطوير قطاع الصناعة والنقل والمبادرات الرقمية، معتبراً إياها جهداً حثيثاً لترسيخ مكانة البلاد كقوة اقتصادية إقليمية منافسة، والتحرر من نموذج الدولة المعتمدة بشكل دائم على المساعدات.
ويبرز المقال سد النهضة الإثيوبي في قلب هذا النجاح كأهم رمز لهذا الطموح؛ حيث يوضح الكاتب أن هذا المشروع- الذي مُوِّل بمدخرات ومساهمات المواطنين الإثيوبيين- يتجاوز كونه مبادرة لتوليد الطاقة ليصبح رمزاً قومياً للكرامة والاستقلال الاستراتيجي، و يُعد ضرورة ملحة لتوفير الكهرباء للملايين ودعم التصنيع وتوسيع القدرات الزراعية.
وفي المقابل، ينتقد المقال السرديات الدولية التي تؤطر تحركات إثيوبيا التنموية والمائية عبر عدسة مخاوف دول الجوار فقط، دون إعطاء وزن كافٍ لحقوق إثيوبيا المشروعة. ويرى الكاتب أنه في الوقت الذي تبدو فيه مخاوف دول المصب، وخاصة مصر- كما ذكر- مفهومة وتستلزم تعاطياً دبلوماسياً مرناً، فإن لدول المنبع أيضاً مطالبات تاريخية مشروعة بالاستخدام المنصف والمشترك للموارد، مؤكداً أن التعاون الإقليمي البنّاء لا ينبغي أن يقوم على فرضية تجميد إثيوبيا لطموحاتها التنموية إلى أجل غير مسمى.
ويسقط الكاتب هنا في فخ البروباجندا التنموية والمغالطات المنهجية، حيث يتجاهل القواعد الراسخة للقانون الدولي للمجاري المائية التي تشترط “الاستخدام المنصف وعدم الإضرار الجسيم”. ويتجلى خطأ الكاتب الأبرز في تسطيح واختزال الموقف المصري؛ إذ يصوّر دفاع مصر عن شريان حياتها كأنه مجرد “مخاوف جيران” أو محاولة لتعطيل النهضة الإفريقية مساوياً بشكل جَائِر بين “حق الرفاهية وتوليد الكهرباء” لإثيوبيا، وبين الأمن الوجودي وحق البقاء. كما يقع المقال في تناقض بنيوي عندما يفصل بين أزمة التضخم الخانقة والسياسات الاقتصادية الموجهة للمشاريع الاستعراضية الكبرى- كسد النهضة والاندفاع نحو منافذ بحرية أحادية- والتي تُموَّل محلياً على حساب القيمة الشرائية للمواطن الإثيوبي المثقل بالأعباء. وتكشف هذه الرؤية القاصرة عن محاولة واضحة للهروب إلى الأمام؛ عبر استخدام القومية المائية وشماعة المظلومية التنموية لتصدير الأزمات، وحشد جبهة داخلية ممزقة بالصراعات العرقية في تيجراي وأمهرا وأوروميا، على حساب استقرار المنظومة الإقليمية والأمن القومي لدول المصب والجوار.
الهوس بالوصول إلى البحر الأحمر.. كسر السجن الجغرافي
منذ عام 2023م بدأ آبي أحمد يدلي بتصريحات علنية وصادمة، اعتبر فيها أن وصول إثيوبيا الحبيسة إلى منفذ بحري على البحر الأحمر مسألة وجودية، ورأى كاتب المقال أن تصوير سعي البلاد نحو التنمية والبنية التحتية والوصول الاستراتيجي للمنافذ البحرية كلغة “إمبريالية”، أو تصنيف جهود التماسك الوطني كـ”سلطوية قمعية”، هو قفزٌ متعمّد فوق واقع هشاشة الدولة المتوارثة، وتجاهلٌ لعزيمة الشعب الإثيوبي في تفادي الانهيار. وتساءل الكاتب عن توجيه النقد المتكرر لسعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري ويجيب أنه منذ استقلال إريتريا في عام1993م أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة بلا سواحل، وهو وضع يفرض تكاليف اقتصادية واستراتيجية باهظة على دولة بحجمها وعدد سكانها. لذلك، فإن السعي لتنويع منافذ الوصول إلى البحر ليس دليلاً على حنين إمبراطوري، بل هو هدف اقتصادي وجيوسياسي عقلاني.
يختتم الكاتب مقاله بالتأكيد على أن مسار بناء الدول وتحولها العميق نادراً ما يسير في خطوط مستقيمة أو يحقق نجاحات خطية؛ إذ تظل الانتكاسات والتناقضات حول الهوية والسلطة جزءاً حتمياً من هذا التحول، وبالرغم من إقراره بالتكلفة البشرية المدمرة للصراعات الأخيرة والمخاوف المشروعة حول وتيرة التحول الديمقراطي والحوكمة- والتي تستوجب مساءلة وحواراً ومصالحة- فإنه يرفض اختزال المشهد الإثيوبي في ثنائية المثالية أو الفشل مطلقًا وفي محاولة لتحليل وتفنيد المأزق الجيوسياسي لشرعنة المغامرة الخارجية تحت لافتة المرونة الاستراتيجية والمخاوف الاقتصادية المشروعة، يحاول الخطاب الإثيوبي الالتفاف على التداعيات القانونية والسياسية الخطيرة لمذكرة التفاهم الموقعة مع أرض الصومال عام 2024م عبر تصويرها كخطوة دبلوماسية لفك الاختناق الجيوسياسي لدولة حبيسة، وتلجأ سرديته إلى استدعاء “الحق في الوصول للبحر” كأداة لحشد الجبهة الداخلية المفككة وبأطروحة دفاعية تؤكد أن وجود إثيوبيا قوية ومستقرة يُعد مصلحة حيوية للقرن الإفريقي لتعزيز تكامل الطاقة والتجارة والبنية التحتية الإقليمية، وهو مستقبل واعد يطالب المجتمع الدولي بعدم استبعاده لصالح روايات اختزالية تتمحور حول إثارة التهديدات والاضطرابات. لينتهي المقال بدعوة المجتمع الدولي والمنصات الغربية إلى تبني مقاربة تحليلية منصفة وبنّاءة توازن بين نقد إخفاقات السلطة القائمة وحرية إعلامها، دون إغفال الحقوق التنموية المشروعة وتطلعات الشعب الإثيوبي نحو الاستقرار والتجدد.
ختامًا
تخلص الورقة إلى أن قراءة الخطاب الإثيوبي لسياسات آبي أحمد تعكس تناقضاً بنيوياً عميقاً في السردية الإثيوبية المعاصرة. فبالرغم من النبرة النقدية المتوازنة التي تبدو موضوعية للوهلة الأولى- من خلال الاعتراف بالنزاعات الدموية في أقاليم تيجراي وأمهرا وأوروميا والدعوة للحوكمة والمساءلة- فإن هذا النقد يظل مجرد واجهة تلتف على استحقاقات الداخل الإثيوبي. ويكمن الخلل الجوهري هنا في سعي الكاتب لتبرئة القيادة السياسية من الفشل عبر ترحيل الأزمات الحالية إلى الهشاشة البنيوية المتوارثة للدولة، وفي الوقت ذاته تسييس الحق في التنمية للهروب من الاستحقاقات المحلية. فبدلاً من تفكيك جذور الحرب الأهلية، تنحو المقاربة الإثيوبية نحو تصدير الأزمة؛ مستدعيةً ملفات سيادية مثيرة للجدل مثل سد النهضة والمنفذ المائي، والاتفاق مع أرض الصومال وتسويقها كحلول وجودية للاختناق الجغرافي.

