د. نهال حمدي
باحثة في وحدة الدراسات الإيرانية
لم يكن قرار الحكومة الإيرانية برفع سعر البنزين مجرد إجراء اقتصادي عابر، لكنه جاء في لحظة شديدة الحساسية داخليا وخارجيا، حيث تتزامن فيها الضغوط الاقتصادية مع تراجع القدرة الشرائية للمواطن الإيراني، وارتفاع التضخم، وتدهور قيمة العملة، بالإضافة إلى تداعيات المواجهات الأخيرة في مضيق هرمز، والعقوبات والاضطرابات التي أصابت قطاع الطاقة من وراء تلك العقوبات والمواجهات.
ومنذ الإعلان عن القرار، عاد البنزين إلى واجهة النقاش العام في إيران، باعتباره ملفا يتجاوز مسألة تسعير الوقود إلى قضية ترتبط مباشرة بتكاليف المعيشة والنقل وأسعار السلع والخدمات.
ويكتسب القرار حساسيته بصورة أكبر بسبب الذاكرة السياسية والاجتماعية لاحتجاجات نوفمبر 2019، التي اندلعت عقب رفع أسعار البنزين وتحولت سريعا إلى احتجاجات واسعة ذات أبعاد سياسية.
ولذلك فإن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بقدرة الحكومة على تنفيذ سياسة جديدة لترشيد استهلاك الوقود، وإنما بمدى قدرتها على منع انتقال أثر القرار من المجال الاقتصادي إلى المجال الاجتماعي والسياسي.
رفع سعر البنزين ومخاطر الاحتقان الاجتماعي
دخلت الزيادة الجديدة حيز التنفيذ في الثامن من سبتمبر 2026، حيث أبقت الحكومة على حصتي البنزين المدعوم عند 1500 و3000 تومان للتر، بينما رفعت سعر الشريحة الثالثة، المرتبطة بالاستهلاك الذي يتجاوز الحصة المحددة، إلى 10 آلاف تومان للتر، أي ضعف السعر السابق البالغ 5 آلاف تومان، وقالت المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، إن الزيادة تستهدف التعامل مع مشكلات الاستهلاك والإمداد، مؤكدة أن العائد الناتج عن السعر الجديد سيُوجه إلى دعم معيشة المواطنين.
من منظور اقتصادي، قد تمتلك الحكومة مبررات واضحة لهذا القرار، فقد ارتفع استهلاك البنزين في إيران إلى مستويات قياسية، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطا على الإنتاج والتكرير والاستيراد. كما أن استمرار الدعم الواسع للوقود يفرض تكلفة متزايدة على الموازنة، ويشجع على ارتفاع الاستهلاك، خصوصا في ظل انتشار السيارات القديمة وضعف كفاءة استهلاك الوقود.
لكن الإصلاح الاقتصادي لا يحدث في فراغ، ولا يمكن فصل أي قرار يتعلق بأسعار الوقود عن تداعياته المباشرة على الحياة اليومية للمواطن. ويكشف رصد اتجاهات الرأي العام الإيراني عبر منصات التواصل الاجتماعي أن المواطن يدرك جيدا أن رفع أسعار البنزين لن يتوقف عند حدود فاتورة الوقود، لكن قد يتحول إلى بداية لارتفاعات متتالية في أسعار الغذاء والإيجارات والنقل، فضلا عن زيادة الضغوط على سوق العملات، ومن ثم، فإن موقف الشارع الإيراني تجاه هذا القرار لا يرتبط بسعر البنزين في حد ذاته، بقدر ما يرتبط بالخوف من موجة تضخمية جديدة تُفاقم الأعباء المعيشية وتقلص القدرة الشرائية للمواطن.
وهنا تكمن حساسية القرار، فالحكومة تتعامل مع البنزين باعتباره أداة لمعالجة اختلالات اقتصادية، بينما قد ينظر إليه المواطن باعتباره حلقة جديدة في سلسلة الضغوط التي تحيط بمستوى معيشته. وقد نقلت تقارير حديثة مخاوف مواطنين إيرانيين من أن تؤدي زيادة أسعار الوقود إلى موجة جديدة من التضخم، في وقت تعاني فيه البلاد أصلا من تراجع القوة الشرائية.
وبالتالي، فإن الخطر لا يكمن بالضرورة في قيمة الزيادة وحدها، وإنما في الأثر التراكمي للقرار على المجتمع الإيراني؛ فحين يشعر المواطن بأن دخله لا يرتفع بمعدل يتناسب مع ارتفاع تكاليف الحياة، يصبح أي قرار جديد لرفع الأسعار قابلا للتحول إلى محفز إضافي للاحتقان.
ذاكرة 2019 تجعل البنزين قضية سياسية لا اقتصادية فقط
تدرك السلطات الإيرانية جيدا أن البنزين يمثل أحد أكثر الملفات الاقتصادية حساسية سياسيا. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2019، أدى الإعلان المفاجئ عن رفع أسعار البنزين إلى اندلاع احتجاجات واسعة امتدت إلى عدد كبير من المدن الإيرانية، قبل أن تتحول من احتجاجات اقتصادية إلى مطالب سياسية أوسع.
ولهذا السبب، لم يكن قرار رفع السعر الحالي منفصلا عن تلك التجربة. بل إن الحكومة اتخذت هذه المرة آلية مختلفة نسبيا، إذ أبقت على الحصص المدعومة ولم ترفع السعر الأساسي لجميع المستهلكين، وإنما ركزت الزيادة على الشريحة الثالثة. كما أن القرار جاء مصحوبا بخطاب رسمي يحاول تقديم الزيادة باعتبارها إجراء يستهدف ترشيد الاستهلاك والحفاظ على استدامة منظومة الوقود، وليس مجرد وسيلة لزيادة الإيرادات.
وتكشف تصريحات مهاجراني ومحمد صادق عظيمى فر (المدير التنفيذي للشركة الوطنية لتكرير وتوزيع المنتجات النفطية) عن محاولة واضحة لتقليل الكلفة السياسية للقرار؛ فهما لم يكتفيا بالإعلان عن السعر الجديد، بل أكدا أن العائدات الإضافية ستُستخدم في مجال معيشة المواطنين. كما أشار (عظيمى فر) إلى أن اختيار سعر 10 آلاف تومان جاء بعد مناقشات وأرقام مختلفة داخل الحكومة، مع الأخذ في الاعتبار تعهد الرئيس مسعود بزشكيان بمراعاة المواطنين.
إلا أن قدرة هذا الخطاب على تهدئة الشارع ستتوقف على عامل أكثر أهمية: هل سيشعر المواطن بأن الزيادة محدودة فعلا، أم أنها بداية لمسار أوسع من رفع الدعم والأسعار؟
النقطة السابقة تحديدا يمكن أن تكون حاسمة في تشكيل رد الفعل الشعبي، فإذا بقيت الزيادة محصورة في شريحة استهلاك محددة، ونجحت الحكومة في منع انتقالها بصورة حادة إلى أسعار النقل والسلع، فقد تظل التداعيات الاجتماعية محدودة، أما إذا ارتبطت الزيادة بموجة ارتفاعات جديدة في الأسعار، فقد يصبح البنزين رمزا لمشكلة أكبر تتعلق بالأزمة الاقتصادية برمتها.
لكن لابد من ملاحظة أن السياق السياسي الحالي أكثر تعقيدا من مجرد أزمة أسعار، فقد أشار رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى أن الضغوط التي تواجهها إيران لم تعد عسكرية فقط، وإنما تشمل التضخم والبطالة وتقلبات العملة واضطراب الأسواق، وأن على الشعب تقليل استهلاك الوقود، هذا الاعتراف الرسمي مهم؛ لأنه يعكس إدراكا من داخل مؤسسات الدولة بأن الاستقرار الاقتصادي أصبح جزءا أساسيا من معادلة الاستقرار الداخلي.
من الاحتقان إلى الاحتجاج.. ما السيناريوهات المحتملة؟
رغم ارتفاع مؤشرات الضغط الاقتصادي، فإن الانتقال من الاستياء الشعبي إلى احتجاجات واسعة ليس أمرا حتميا، فاندلاع الاحتجاجات يتوقف عادة على تفاعل مجموعة من العوامل، وليس على عامل اقتصادي منفرد.
ولذلك يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية خلال المرحلة المقبلة:
السيناريو الأول: الاحتواء وفيه تنجح الحكومة في إبقاء الزيادة ضمن نطاق محدود، وتمنع انتقال آثارها بصورة كبيرة إلى أسعار السلع والخدمات، مع تقديم إجراءات تخفيفية للفئات الأكثر تأثرا. وفي هذه الحالة قد يظل الغضب في إطار الانتقادات الشعبية ووسائل التواصل دون أن يتحول إلى احتجاجات واسعة.
السيناريو الثاني: الاحتجاجات المطلبية المحدودة. وقد يظهر إذا ارتفعت تكلفة النقل أو أسعار بعض السلع والخدمات بصورة ملحوظة، بحيث يتحول البنزين إلى عنوان لمطالب معيشية أوسع. وهذا السيناريو لا يعني بالضرورة تحول الاحتجاج إلى أزمة سياسية شاملة، لكنه قد يمثل اختبارا لقدرة السلطات على إدارة الغضب الاجتماعي.
أما السيناريو الثالث: التسييس والتوسع، وهو الأكثر حساسية بالنسبة للحكومة. ويحدث إذا تزامنت زيادة أسعار البنزين مع صدمات اقتصادية أخرى، مثل ارتفاع جديد في أسعار الغذاء، أو تراجع إضافي في قيمة العملة، أو نقص في السلع الأساسية، أو اتساع البطالة، عندها يمكن أن يتحول الاحتجاج من رفض قرار اقتصادي محدد إلى تعبير أوسع عن عدم الرضا عن الأوضاع الاقتصادية والسياسية، ومطالبات بتوقيع معاهدة وإنهاء الحرب.
وتزداد أهمية القلق بشأن السيناريو الأخير في ظل الضغوط الخارجية التي تواجهها إيران؛ فالحرب والقيود المفروضة على حركة التجارة والطاقة تضغط على الاقتصاد في وقت تحتاج فيه الحكومة إلى الحفاظ على قدر مرتفع من التماسك الداخلي. وفي الوقت نفسه، يستمر التوتر في المنطقة وترتفع مخاطر اضطراب إمدادات الطاقة وتزيد الضغوط التضخمية. وقد تجاوز بالفعل سعر خام برنت في اليومين الأخيرين حاجز 100 دولار للبرميل في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واضطراب حركة الطاقة.
خاتمة
لا يبدو رفع سعر البنزين في إيران مجرد قرار يتعلق بإدارة سوق الوقود، وإنما اختبارا مزدوجا لقدرة الحكومة على تنفيذ إصلاح اقتصادي من جهة، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي من جهة أخرى، فالقرار يأتي في بيئة اقتصادية شديدة الهشاشة، حيث تتراكم الضغوط على المواطن الإيراني، وتصبح تكلفة أي زيادة جديدة أكبر من قيمتها الحسابية المباشرة بسبب تأثيرها المحتمل على النقل والأسعار والتوقعات التضخمية.
ومن الخطأ، في المقابل، افتراض أن رفع سعر البنزين سيؤدي تلقائيا إلى اندلاع احتجاجات واسعة، فالتجربة الإيرانية تُظهر أن الاحتجاج يحتاج إلى بيئة أوسع من السخط، تتداخل فيها الأوضاع الاقتصادية مع مستوى الثقة في الحكومة، وقدرة الدولة على تقديم تعويضات، وسرعة انتقال أثر الأسعار إلى الحياة اليومية، وطبيعة الاستجابة الأمنية والسياسية.
لكن المؤكد أن البنزين أصبح مرة أخرى متغيرا سياسيا واجتماعيا داخل المعادلة الإيرانية. وإذا تمكنت الحكومة من احتواء آثار القرار وإقناع المواطنين بأن الزيادة محدودة وموجهة لمعالجة اختلالات حقيقية، فقد تمر الأزمة بأقل تكلفة ممكنة. أما إذا تحولت الزيادة إلى مقدمة لموجة أوسع من ارتفاع الأسعار، فقد يصبح البنزين “نقطة تجمع” لمظالم اقتصادية متراكمة أصلا.
إيران – أسعار الوقود – الأزمة الاقتصادية – التضخم – الاحتجاجات في إيران – احتجاجات 2019 – الإصلاح الاقتصادي – الشارع الإيراني – القدرة الشرائية
ملخص:
يمثل رفع أسعار البنزين في إيران اختبارًا لقدرة الحكومة على تنفيذ الإصلاح الاقتصادي دون زيادة الاحتقان الاجتماعي، خاصة مع احتمال انتقال الزيادة إلى تكاليف النقل وأسعار السلع والخدمات. وتزيد حساسية القرار بسبب تداعيات احتجاجات نوفمبر 2019، في ظل استمرار التضخم وتراجع القوة الشرائية، ما يجعل نجاح الحكومة مرهونًا بقدرتها على احتواء الآثار الاقتصادية ومنع تحول أزمة الوقود إلى احتجاجات اجتماعية أوسع.



