Close Menu
مركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيممركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيم
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام يوتيوب RSS
    أحدث المنشورات
    • بعد ثلاث سنوات من العدوان على غزة.. تتغيّر هوية الجيش الإسرائيلي من جيش التكنولوجيا والحسم السريع إلى جيش الاستنزاف والتحولات الدينية والاجتماعية
    • نوبل السلام لنافي بيلاي في مواجهة إسرائيل.. دلالات التكريم وتداعياته السياسية والقانونية
    • تحولات هوية الجيش الإسرائيلي بعد حرب غزة.. إعادة تشكيل العقيدة القتالية والتوازنات الأيديولوجية واستدامة القوة حتى عام 2030م
    • من أساليب الخداع الإسرائيلي للتطبيع الشعبي: الصفحات الناطقة بالعربية على مواقع التواصل
    • كيف توظف أمريكا التاريخ القديم في بناء صورة التهديد الإيراني الراهن؟!
    • ما يمكن أن يتعلمه مجتبى خامنئي من تجربة محمود طالقاني
    • الموقف الايراني من تداعيات الأزمة في اليمن
    • تأثير تباين توجهات القوى الداخلية على صنع السياسات الإيرانية
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام يوتيوب RSS
    الأحد, 18 أكتوبر
    مركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيممركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيم
    • الرئيسية
    • الوحدات البحثية
      • وحدة الدراسات الإسرائيلية و الفلسطينية
      • وحدة الدراسات الأفريقية
      • وحدة الدراسات الإيرانية
      • وحدة الدراسات التركية
    • برامج تدريبية
    • إصدارات المركز
      • النشرات الإلكترونية
      • مجلات
    • فعاليات
      • ندوات
    • مكتبة الوسائط
      • مكتبة الصوتيات
      • مكتبة الصور
      • مكتبة الفيديو
    • روابط هامة
    • عن المركز
      • إتصل بنا
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام يوتيوب RSS
    لإدراج دراسة
    مركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيممركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيم
    الرئيسية » مقاالت مختارة » بعد ثلاث سنوات من العدوان على غزة.. تتغيّر هوية الجيش الإسرائيلي من جيش التكنولوجيا والحسم السريع إلى جيش الاستنزاف والتحولات الدينية والاجتماعية
    تحليلات /تقدير موقف إسرائيلي

    بعد ثلاث سنوات من العدوان على غزة.. تتغيّر هوية الجيش الإسرائيلي من جيش التكنولوجيا والحسم السريع إلى جيش الاستنزاف والتحولات الدينية والاجتماعية

    د. محمد صالحبواسطة د. محمد صالح17 أكتوبر، 2026لا توجد تعليقات
    فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr واتساب البريد الإلكتروني
    شاركها
    فيسبوك تويتر لينكدإن واتساب بينتيريست البريد الإلكتروني

    د/محمد أحمد صالح

    أولاً: الملخص التنفيذي — حرب غزة بوصفها نقطة انعطاف في هوية الجيش الإسرائيلي

    لم تقتصر تداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي اندلعت عقب هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، على الخسائر البشرية والعسكرية، أو على إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل؛ بل امتدت إلى أحد أهم أعمدة الدولة الإسرائيلية: هوية الجيش ووظيفته الاجتماعية والسياسية، ومصادر شرعيته الداخلية، وطبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع الذي تستمد منه أفرادها وقدراتها. فبعد عقود من ترسيخ صورة الجيش القائم على التفوق التكنولوجي والاستخباري، والإنذار المبكر، والضربات الجوية، والقدرة على نقل الحرب إلى أرض الخصم وحسمها في وقت قصير، كشفت أحداث السابع من أكتوبر عن حدود هذا النموذج، ثم دفعت الحرب الممتدة إلى اختبار قدرته على خوض عمليات برية طويلة، وإدارة الاستنزاف، والتعامل مع أكثر من جبهة، وتحمل الأعباء النفسية والاجتماعية المتراكمة.

    وبحسب المعطيات الواردة في المادة المنشورة في أكتوبر/تشرين الأول 2026، فإن التغيرات التي شهدها الجيش الإسرائيلي لا يمكن اختزالها في زيادة حجم القوات البرية أو تعديل خطط الانتشار والتسليح. فهناك تحولات متزامنة في أربعة مستويات رئيسية: المستوى العملياتي، والمستوى القيمي والسلوكي، والمستوى الديني والاجتماعي، والمستوى النفسي والأمني الداخلي. وهذه المستويات لا تتحرك بالضرورة في الاتجاه نفسه؛ إذ يمكن للجيش أن يكتسب خبرة ميدانية إضافية، ويوسع قدراته البرية، بينما تتزايد في الوقت نفسه مشكلاته المتعلقة بالاستنزاف البشري، وتماسكه الداخلي، وانضباط أفراده، وعدالة توزيع أعباء الخدمة العسكرية بين مكونات المجتمع الإسرائيلي.

    على المستوى العملياتي، دفعت الحرب الطويلة الجيش إلى إعادة الاعتبار للمشاة والآليات والقوات البرية، بعد سنوات من الرهان المتزايد على التكنولوجيا والاستخبارات والقوة الجوية. فالتفوق التقني، على أهميته، لم يضمن منع المفاجأة الاستراتيجية، ولم يؤدِّ وحده إلى تحقيق حسم سريع ومستدام في غزة. وأصبح الجيش مضطراً إلى التعامل مع بيئة قتالية مركبة، تتداخل فيها المناطق الحضرية والأنفاق والقتال القريب، وتتطلب حضوراً برياً متواصلاً، وقدرة على تدوير القوات وتعويض الخسائر والمحافظة على الجاهزية لفترات طويلة.

    وعلى المستوى الاجتماعي، تزامن هذا التحول مع تصاعد الحضور النسبي للصهيونية الدينية في الوحدات القتالية ومسارات الضباط، في مقابل استمرار أزمة تجنيد الحريديم، رغم الحاجة إلى توسيع قاعدة القوى البشرية. ويطرح هذا التباين سؤالاً يتجاوز أعداد المجندين: هل يتجه الجيش نحو نموذج تتزايد فيه مساهمة جماعات اجتماعية ذات هوية دينية قومية واضحة، بينما تظل جماعات أخرى خارج الخدمة أو أقل اندماجاً في العبء العسكري؟ وإذا استمر هذا التفاوت، فهل يبقى الجيش مؤسسة جامعة تعكس المجتمع الإسرائيلي، أم يصبح بصورة متزايدة ساحة تتنافس داخلها تصورات مختلفة عن الدولة والأرض والدين والحرب؟

    أما على المستوى القيمي، فإن توثيق مشاهد تدمير المباني والمنازل والمنشآت المدنية، وانتشار مقاطع تظهر سلوكيات مهينة أو تحريضية لبعض الجنود، يثير تساؤلات عن طبيعة العلاقة بين العمليات العسكرية والانضباط المهني والحدود الأخلاقية لاستخدام القوة. ولا تكفي مقاطع فردية، مهما كانت خطورتها، لإثبات أن جميع أفراد الجيش يتبنون السلوك ذاته، لكنها تكتسب أهمية استراتيجية عندما تتكرر أو تنتشر، أو عندما يُنظر إليها بوصفها مؤشراً على ضعف الرقابة أو التساهل مع الانتهاكات. فالمؤسسة العسكرية لا تُقاس فقط بقدرتها على تدمير أهداف الخصم، بل أيضاً بقدرتها على ضبط القوة التي تمتلكها، وإخضاعها للقانون، ومنع تحول الممارسات غير المنضبطة إلى أنماط مقبولة داخل الوحدات.

    ويضاف إلى ذلك العبء النفسي والأمني الداخلي؛ إذ تشير المادة إلى تلقي أكثر من عشرة آلاف جندي علاجاً نفسياً منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، فضلاً عن وقائع تتعلق بتسرب أسلحة وذخائر إلى السوق غير القانونية، وارتفاع بلاغات العنف الأسري، وفق البيانات التي أوردها التقرير. ولا تسمح هذه الأرقام وحدها باستنتاج أن الحرب هي السبب الوحيد لكل تلك الظواهر، أو أنها تكشف بصورة قاطعة عن انهيار الصحة النفسية أو الانضباط داخل الجيش، لكنها تشير إلى ضرورة النظر إلى الحرب باعتبارها أزمة ممتدة تتجاوز ميدان القتال إلى حياة الجنود وأسرهم والأمن الاجتماعي الإسرائيلي.

    الأطروحة المركزية لهذه الورقة هي أن حرب غزة لم تغيّر فقط طريقة قتال الجيش الإسرائيلي، بل كشفت عن صراع أعمق على تعريفه ووظيفته وهويته. فبين الحاجة إلى جيش قادر على خوض حروب طويلة ومتعددة الجبهات، وصعود تيارات دينية قومية داخل بعض وحداته، واستمرار أزمة تجنيد الحريديم، وتراكم الأعباء النفسية والاجتماعية، يتشكل اختبار طويل الأمد لقدرة المؤسسة العسكرية على الجمع بين الفاعلية العملياتية والتماسك المؤسسي والانضباط القانوني والاندماج الاجتماعي.

    ومن هنا، فإن السؤال الاستراتيجي الأهم ليس ما إذا كان الجيش الإسرائيلي قد أصبح أكثر اعتماداً على القوات البرية أو أكثر حضوراً للصهيونية الدينية فحسب، وإنما أي نوع من الجيوش يتشكل بعد الحرب: جيش أكثر قدرة على الاستنزاف، أم جيش أكثر تعرضاً لاستنزاف موارده البشرية والاجتماعية؟ وهل تؤدي التحولات الجارية إلى إعادة بناء مؤسسة عسكرية أكثر تماسكاً، أم إلى تعميق التوتر بين مكوناتها وبينها وبين المجتمع الإسرائيلي؟

    ثانياً: من صدمة السابع من أكتوبر إلى أزمة النموذج العسكري

    1. انهيار افتراضات الإنذار المبكر والردع

    استند النموذج العسكري الإسرائيلي لعقود إلى افتراض أن التفوق الاستخباري والتكنولوجي يمكن أن يمنح القيادة إنذاراً مبكراً كافياً، وأن الردع قادر على منع الخصم من تنفيذ هجوم واسع، وأن القوة الجوية والدقة الاستخبارية تتيحان إنهاء المواجهة بسرعة نسبية. وقد ارتبط هذا التصور بصورة الجيش الذي يرى ساحة المعركة قبل أن يتحرك الخصم فيها، ويستطيع استخدام المعلومات والتكنولوجيا لتعويض محدودية العمق الجغرافي والاعتماد على الاحتياط.

    لكن هجوم السابع من أكتوبر 2023 كشف أن التفوق التكنولوجي لا يلغي احتمالات الفشل في تفسير المعلومات أو تقدير نوايا الخصم، وأن امتلاك وسائل المراقبة لا يعني بالضرورة القدرة على تحويلها إلى إنذار صحيح واستجابة في الوقت المناسب. كما أظهر أن الحدود المحصنة والمنظومات الذكية قد تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها إذا اجتمعت الثغرات الاستخبارية، وسوء التقدير، والاعتماد المفرط على افتراضات راسخة بشأن سلوك الطرف المقابل.

    لم تكن الصدمة إذاً عسكرية فقط؛ بل كانت صدمة معرفية ومؤسسية. فقد اهتز الاعتقاد بأن إسرائيل تستطيع إدارة التهديدات المحيطة بها من خلال مراقبتها واحتوائها، من دون الحاجة إلى تعبئة مجتمعية طويلة أو انخراط بري واسع. ومن هذه الزاوية، لا يُقرأ السابع من أكتوبر باعتباره إخفاقاً في التحصين أو الاستجابة فحسب، وإنما باعتباره كشفاً عن الفجوة الممكنة بين التفوق في الأدوات والتفوق في الحكم الاستراتيجي.

    وتترتب على ذلك نتيجة مهمة: إعادة بناء الجيش لا تتطلب فقط شراء أنظمة أكثر تطوراً أو زيادة عدد الجنود، بل تستدعي مراجعة آليات التقدير، وطبيعة العلاقة بين القيادة السياسية والعسكرية، وكيفية التعامل مع التحذيرات والمعلومات المخالفة للتصور السائد. وإذا بقيت الثقافة المؤسسية على حالها، فقد تتكرر فجوة التقدير حتى مع تحديث التكنولوجيا.

    1. من الحرب القصيرة إلى الحرب الممتدة

    كان أحد عناصر القوة في التصور الإسرائيلي التقليدي هو نقل العبء الأكبر من الحرب إلى الخصم، وتقليص مدة التعبئة، وتجنب استنزاف طويل يفرض تكاليف متزايدة على الاقتصاد والمجتمع. لكن امتداد الحرب في غزة، بالتزامن مع المواجهات في لبنان والحرب مع إيران وفق المادة المقدمة، دفع الجيش إلى العمل في بيئة تتعدد فيها الجبهات والتهديدات، وتتداخل فيها المهام القتالية مع متطلبات حماية الحدود، والدفاع الجوي، وإدارة الاحتياط، وتأمين الجبهة الداخلية.

    وهنا يتغير معنى الجاهزية. ففي نموذج الحرب القصيرة، يمكن تعبئة قدرات كبيرة لفترة محدودة، ثم العودة إلى نمط الحياة والاقتصاد الاعتيادي. أما في الحرب الممتدة، فتتحول الجاهزية إلى قدرة على الاستمرار: المحافظة على القوات المدربة، وتدوير الوحدات، وإعادة التأهيل، وتعويض النقص في الأفراد، وصيانة المعدات، وإدارة الضغط على أسر جنود الاحتياط وأماكن عملهم.

    ومن ثم، فإن طول الحرب لا يختبر قدرة الجيش على القتال فقط، بل يختبر قدرة المجتمع على تمويل القتال وتوفير أفراده وتحمل آثاره. وكلما اتسعت الفجوة بين المتطلبات العسكرية والقدرة الاجتماعية على تلبيتها، ازدادت احتمالات ظهور خلافات بشأن مدة الخدمة، وتوزيع الأعباء، وأولويات الإنفاق، وحدود ما يمكن أن تطلبه الدولة من مواطنيها.

    1. إعادة الاعتبار للقوات البرية: تصحيح عقيدة أم استجابة اضطرارية؟

    أدى استمرار العمليات في غزة إلى تعزيز الحاجة إلى المشاة والآليات والقوات الهندسية، بعد سنوات من الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا والاستخبارات والقوة الجوية. لكن هذا التحول لا يعني أن الجيش الإسرائيلي تخلى عن التفوق التكنولوجي، بل إنه بات مضطراً إلى إعادة التوازن بين أدوات القوة المختلفة.

    فالقوة الجوية قادرة على ضرب أهداف بعيدة، وتوفر الاستخبارات صورة متغيرة عن الميدان، وتتيح الأنظمة التقنية اكتشاف التهديدات ومتابعتها؛ لكن السيطرة على الأرض، وتفتيش المباني، والتعامل مع الأنفاق، وتأمين القوات، والبقاء في المناطق التي يجري القتال فيها، تظل مهام تتطلب حضوراً برياً بشرياً وميدانياً. وهذه المهام تنطوي على تكاليف وخسائر ومخاطر لا يمكن إلغاؤها بمجرد زيادة الاعتماد على الأنظمة الذكية.

    ومن منظور استراتيجي، تكشف هذه المعادلة عن حدود الاعتقاد بأن الحرب يمكن أن تصبح أقل اعتماداً على الجنود كلما تطورت التكنولوجيا. فالتكنولوجيا قد تقلل بعض المخاطر، وترفع دقة الاستهداف في ظروف معينة، وتحسن الاتصال والوعي الميداني؛ لكنها لا تلغي ضرورة اتخاذ القرار تحت الضغط، ولا تضمن تحقيق أهداف سياسية من خلال التدمير العسكري وحده.

    والسؤال الذي سيواجه المؤسسة العسكرية في مرحلة ما بعد الحرب هو ما إذا كانت ستتمكن من بناء صيغة تجمع بين التكنولوجيا والقوات البرية والقدرة على المناورة، من دون العودة إلى الاعتماد المكلف على تعبئة واسعة وطويلة. فالتحدي ليس في اختيار التكنولوجيا أو الإنسان، بل في تحديد حدود كل منهما، وتجنب تحويل التفوق التقني إلى بديل عن التقدير الاستراتيجي والقدرة على فهم البيئة التي يجري القتال فيها.

    ثالثاً: التحول في طبيعة استخدام القوة — من الحسم العسكري إلى التدمير واسع النطاق

    1. «عقيدة الضاحية» وتوسيع مفهوم الردع

    تثير أنماط التدمير التي رافقت الحرب في غزة تساؤلات بشأن تطور التصور الإسرائيلي لاستخدام القوة، ولا سيما ما يُشار إليه بمفهوم «عقيدة الضاحية»، المرتبط باستخدام قوة نارية واسعة وإلحاق أضرار كبيرة بالبنية التحتية والمناطق السكنية في سياق الضغط على الخصم. وقد برز هذا المفهوم في النقاشات المتعلقة بالعمليات الإسرائيلية في لبنان، ثم عاد إلى الواجهة في سياق الحرب على غزة.

    ومن منظور استراتيجي، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات في هذا النقاش:

    • المستوى العملياتي: حجم القوة المستخدمة، وطبيعة الأهداف، ومدى الاعتماد على النيران الجوية والمدفعية والهدم.
    • المستوى الردعي: الاعتقاد بأن إلحاق خسائر ودمار واسع بالخصم سيؤثر في إرادته القتالية، ويرفع تكلفة المواجهة المستقبلية.
    • المستوى السياسي: قدرة التدمير على إنتاج نتيجة سياسية مستقرة، أو ما إذا كان يؤدي إلى توسيع دائرة العداء وتعقيد فرص التسوية.

    تتمثل المعضلة في أن نجاح القوة النارية في إحداث دمار مادي لا يعني بالضرورة نجاحها في تحقيق الهدف السياسي. فقد تضعف البنية التحتية للخصم، وتتراجع قدرته على الحركة والتنظيم في مناطق معينة، لكن ذلك لا يضمن إنهاء الصراع أو إزالة دوافعه أو منع تجدد المقاومة. بل قد يؤدي التدمير الواسع، عندما يقترن بخسائر مدنية جسيمة ونزوح ممتد، إلى تكوين ذاكرة جماعية للضرر، وتوسيع نطاق الخصومة، وزيادة تكلفة إدارة مرحلة ما بعد الحرب.

    وهكذا، قد تنشأ مفارقة استراتيجية: كلما اتسع نطاق استخدام القوة لتأكيد الردع، ازدادت الحاجة إلى القوة والانتشار والرقابة للحفاظ على النتائج الميدانية؛ وإذا لم تُترجم السيطرة العسكرية إلى ترتيب سياسي قابل للاستمرار، فقد يتحول الردع إلى دورة متكررة من العمليات والتدمير وإعادة الانتشار.

    ولا يعني ذلك أن القوة العسكرية لا تحقق نتائج، بل إن النتيجة العسكرية والنتيجة السياسية ليستا شيئاً واحداً. فالأولى قد تُقاس بتدمير مواقع أو تحييد قدرات، أما الثانية فتتطلب تحديداً لما سيأتي بعد القتال، ومن سيتولى الحكم، وكيف ستُدار الحياة المدنية، وما إذا كانت البيئة التي أنتجت الصراع ستتغير أم ستبقى قائمة.

    1. من السيطرة على الميدان إلى السيطرة على المجتمع

    تكشف الحرب أيضاً عن اتساع الفجوة بين القدرة على السيطرة العسكرية على مساحة جغرافية والقدرة على إنتاج نظام سياسي واجتماعي مستقر داخلها. فالجيش قد يسيطر على مناطق، ويدمر منشآت، ويحد من حركة خصمه، لكنه لا يستطيع بمفرده ضمان وجود سلطة محلية تحظى بالقبول، أو إعادة بناء المؤسسات المدنية، أو معالجة الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية للسكان.

    وتزداد أهمية هذه المسألة في غزة، حيث تتداخل النتائج العسكرية مع مستقبل الحكم، وإعادة الإعمار، والتمويل، والحدود، والأمن، وحقوق السكان. وإذا لم يوجد تصور سياسي واضح للمرحلة التالية، فقد تتحول العمليات العسكرية إلى إدارة مستمرة لأزمة لا تنتهي، بما يفرض على الجيش العودة إلى الميدان مراراً لمعالجة مشكلات لم تُحل سياسياً.

    وهنا يظهر أحد أعمق التحولات في هوية الجيش: احتمال انتقاله من مؤسسة يُنتظر منها تحقيق الحسم في حرب محددة إلى مؤسسة تُكلَّف بصورة متكررة بإدارة نتائج صراع مفتوح. وهذا التحول يرفع الأعباء البشرية والمالية، ويزيد الاحتكاك بالسكان، ويجعل المؤسسة العسكرية أكثر تعرضاً للجدل بشأن حدود مسؤوليتها وغايات تدخلها.

    1. التدمير والانضباط العسكري: حدود التفسير العملياتي

    تتصل بهذه القضية المقاطع التي أظهرت جنوداً إسرائيليين وهم ينسفون مباني سكنية أو يعبثون بممتلكات مدنية أو يطلقون تصريحات تحريضية. كما أشارت المادة المقدمة إلى مقاطع تحققت منها وسائل إعلام إسرائيلية، تضمنت تحطيم تمثال للمسيح في لبنان وإحراق نسخ من القرآن في غزة.

    ولا يجوز تعميم سلوك أفراد على الجيش بأكمله من دون أدلة كافية، كما ينبغي التمييز بين التدمير الذي تدعي المؤسسة العسكرية أنه يستند إلى ضرورة عملياتية، وبين الأعمال التي لا يمكن تبريرها بمتطلبات القتال. لكن تكرار الوقائع المصورة وانتشارها يطرحان أسئلة مؤسسية تتعلق بالتدريب والقيادة والرقابة والتحقيق والمحاسبة.

    وتكمن الأهمية الاستراتيجية هنا في أن الانضباط ليس مسألة أخلاقية مجردة أو شأناً داخلياً يخص الجيش وحده؛ بل هو عنصر من عناصر الفاعلية العسكرية. فالقوة التي لا تُضبط بصورة موثوقة قد تخلق مشكلات إضافية للقيادة، وتزيد الاحتكاك مع السكان، وتمنح الخصم مادة دعائية، وتؤثر في العلاقات مع الحلفاء، وتعرض الأفراد والمؤسسة لمخاطر قانونية.

    كما أن انتشار المقاطع المصورة يغير طبيعة البيئة التي يعمل فيها الجيش. فلم تعد السيطرة على المعلومات مرتبطة بالبيانات الرسمية أو المؤتمرات الصحفية وحدها؛ إذ يستطيع جندي يحمل هاتفاً أن ينتج مادة تنتشر عالمياً خلال وقت قصير، وتصبح جزءاً من النقاش السياسي والقانوني حول الحرب.

    وعليه، تواجه القيادة العسكرية معضلة مزدوجة: فهي تحتاج إلى الحفاظ على تماسك الجنود في ظروف قتال قاسية، لكنها تحتاج أيضاً إلى التأكيد أن الضغوط الميدانية لا تعفي الأفراد من قواعد السلوك، وأن الانضباط ليس اختياراً فردياً يتوقف على قناعات الجندي.

    رابعاً: صعود الصهيونية الدينية — تغير في تركيبة الجيش أم في تصوره لذاته؟

    1. من الحضور العددي إلى النفوذ المؤسسي

    يُعد صعود الصهيونية الدينية من أكثر التحولات أهمية في فهم هوية الجيش الإسرائيلي بعد الحرب. فالمسألة لا تتعلق بمجرد زيادة عدد المتدينين بين المجندين أو الضباط، بل باحتمال تغير التوازن بين التيارات الاجتماعية والفكرية التي تشكل المؤسسة العسكرية وتؤثر في تصوراتها عن الأمن والأرض والحرب والواجب الوطني.

    وبحسب الأرقام التي أوردتها المادة، ارتفعت نسبة المتدينين بين طلاب دورات ضباط المشاة من 2.5% عام 1990 إلى 26% عام 2008. كما تشير المادة إلى أن أتباع الصهيونية الدينية يشكلون ما بين ثلث ونصف طلاب الضباط، رغم أن نسبتهم من السكان تقارب 10%، وأن نسبتهم بين الملتحقين بقوات الاحتياط بعد السابع من أكتوبر بلغت 31%، مقابل 15% من المؤهلين للتجنيد.

    هذه الأرقام، كما وردت في المادة، تشير إلى احتمال وجود تمثيل يفوق الوزن السكاني للتيار في بعض المسارات العسكرية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات حجم نفوذه في القيادة العليا أو في جميع أفرع الجيش. فقياس النفوذ يتطلب أيضاً معرفة التوزيع حسب الرتب والوحدات، ومواقع اتخاذ القرار، ومسارات الترقية، ومدى تأثير الأفكار الدينية والقومية في العقائد والتوجيهات العملياتية.

    ومع ذلك، فإن ارتفاع الحضور في الوحدات القتالية ومسارات الضباط قد يمنح هذا التيار تأثيراً طويل الأمد؛ لأن الجيش لا يتشكل من المجندين في لحظة واحدة، بل من مسارات مهنية تتراكم فيها الخبرة والعلاقات والثقة والقدرة على الوصول إلى مواقع القيادة.

    ومن ثم، فإن المسألة الاستراتيجية ليست أن الجيش «أصبح دينياً» بصورة كاملة، بل أن أحد التيارات التي كانت أقل حضوراً نسبياً في بعض المواقع العسكرية بات يمتلك وزناً متزايداً في قطاعات مهمة، وهو ما قد يؤثر في الثقافة المؤسسية وفي النقاشات المتعلقة بأهداف الحرب وحدود القوة والهوية الوطنية.

    1. من الهوية الوطنية المشتركة إلى تعدد تصورات الواجب العسكري

    تقوم إحدى الوظائف الاجتماعية التقليدية للجيش الإسرائيلي على جمع شرائح مختلفة من المجتمع في إطار الخدمة العسكرية، وتقديم الخدمة بوصفها واجباً وطنياً ومصدراً للاندماج والمكانة الاجتماعية. لكن هذا النموذج يصبح أكثر تعقيداً عندما تتباين تصورات المجندين عن معنى الحرب نفسها.

    فبالنسبة إلى بعض الجنود، قد تُفهم الحرب بوصفها مهمة أمنية هدفها حماية الحدود ومنع الهجمات. وبالنسبة إلى آخرين، قد تتداخل هذه الوظيفة مع تصورات دينية وقومية تتعلق بالأرض والهوية التاريخية والمعتقد. ولا يعني هذا أن جميع المتدينين يتبنون تصوراً واحداً، أو أن العلمانيين يشكلون كتلة متجانسة؛ فداخل كل تيار اختلافات سياسية وفكرية ومهنية.

    لكن حين تكتسب لغة دينية حضوراً متزايداً في ساحات القتال، فإن ذلك يثير سؤالاً حول حدود العلاقة بين العقيدة العسكرية والتصورات الأيديولوجية. فالمؤسسة العسكرية تحتاج إلى أهداف عملياتية قابلة للتحديد، وإلى قيادة تخضع لها الوحدات، وإلى قواعد قانونية ومهنية تنظم استخدام القوة. وإذا تداخلت هذه الأهداف مع تفسيرات دينية أو قومية غير منضبطة، فقد يصبح من الأصعب الحفاظ على لغة مؤسسية مشتركة بشأن ما يجب فعله، وما لا يجوز فعله، ومتى ينبغي وقف العمليات.

    ولا تكمن المخاطرة في التدين بحد ذاته، بل في احتمال تحول أي تصور أيديولوجي، دينياً كان أو قومياً أو سياسياً، إلى بديل عن التقدير المهني والقانوني. فالجيش الذي تُحسم فيه الأسئلة العملياتية وفق اعتبارات غير خاضعة للمراجعة المؤسسية قد يواجه صعوبات في تصحيح الأخطاء أو تحديد أهداف قابلة للتحقيق.

    1. الحرب بوصفها مسرّعاً للتحول

    لا يصح تفسير صعود الصهيونية الدينية باعتباره ظاهرة بدأت بعد السابع من أكتوبر. فالتحول سبق الحرب، وتراكم عبر عقود من التغير الاجتماعي والتعليمي والسياسي، ومن تنامي الحضور الديني القومي في بعض الوحدات والمسارات العسكرية.

    لكن الحرب يمكن أن تعمل بوصفها مسرّعاً لهذا الاتجاه لثلاثة أسباب.

    أولها أن التعبئة الواسعة تمنح الوحدات القتالية وأفرادها دوراً مركزياً في الوعي العام، وتزيد من حضور الجنود والضباط الذين يشاركون في القتال لفترات طويلة. وثانيها أن الحروب الممتدة ترفع أهمية شبكات التضامن والهوية والانتماء، وقد تجعل الروابط الدينية والقومية أكثر بروزاً لدى بعض المقاتلين. وثالثها أن التقدير الاجتماعي للمساهمة العسكرية قد يتحول إلى رصيد سياسي واجتماعي، بما يمنح بعض الجماعات قدرة أكبر على المطالبة بالنفوذ والتمثيل.

    وتبرز هنا مفارقة مهمة: قد تزيد الحرب مكانة قطاعات دينية قومية بسبب مساهمتها في القتال، لكن هذه المكانة لا تعني بالضرورة أن جميع قطاعات المجتمع الإسرائيلي ستقبل تصوراتها السياسية أو الدينية. فقد تنشأ، في المقابل، مخاوف من تحول النفوذ العسكري إلى نفوذ سياسي يغير طبيعة الدولة أو يضعف الفصل بين المؤسسة العسكرية والجدل الحزبي.

    1. هل يتغير معنى الانتصار؟

    عندما يصبح الدين جزءاً أكثر حضوراً في تفسير الحرب لدى بعض المقاتلين، قد يتغير أيضاً النقاش بشأن معنى الانتصار. فالانتصار العسكري المهني يفترض وجود أهداف يمكن قياسها ومراجعتها، مثل منع هجوم أو تقليص قدرة قتالية أو تأمين منطقة. أما التصورات التي تمنح الحرب معنى دينياً أو تاريخياً مطلقاً فقد تجعل التراجع أو التسوية أو وقف القتال أكثر صعوبة في بعض السياقات، إذا فُهمت باعتبارها تنازلاً عن واجب يتجاوز الحسابات الأمنية.

    لكن ذلك يظل احتمالاً تحليلياً لا حكماً عاماً على الجنود المتدينين أو على سلوك الجيش بأكمله. فالاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت القيادة تستطيع المحافظة على تسلسل واضح للأهداف، وإخضاع القرارات للتقييم العسكري والقانوني، ومنع تحول الاختلافات العقائدية إلى انقسام في الانضباط أو في تعريف المهمة.

    والنتيجة الاستراتيجية أن صعود الصهيونية الدينية لا يغير فقط من يحمل السلاح، بل قد يؤثر في النقاش حول الغاية التي يُستخدم السلاح من أجلها. وهذه هي النقطة التي تستحق المتابعة في السنوات التالية للحرب.

    خامساً: أزمة تجنيد الحريديم — التناقض بين الحاجة العسكرية والامتياز الاجتماعي

    1. نقص القوى البشرية في مقابل استمرار الإعفاءات

    في الوقت الذي يحتاج فيه الجيش الإسرائيلي إلى قوات إضافية، وتدوير وحداته، وإبقاء الاحتياط جاهزاً، تستمر أزمة تجنيد قطاعات واسعة من اليهود الحريديم. وتشير المادة إلى أن هذه الشريحة تمثل نحو 13% من السكان، وأن قرار المحكمة العليا إلغاء الأساس القانوني لإعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية أثار احتجاجات وتوتراً داخلياً.

    وتكشف هذه الأزمة عن تناقض بنيوي بين منطقين مختلفين. فمن منظور المؤسسة العسكرية، يفرض طول الحرب وتعدد الجبهات توسيع قاعدة المجندين وتقليل الاعتماد المفرط على شرائح بعينها. ومن منظور قطاعات حريدية، ترتبط مسألة التجنيد بنمط الحياة الدينية، ومكانة دراسة التوراة، والعلاقة بين المجتمع الحريدي ومؤسسات الدولة.

    ولا يمكن فهم الخلاف باعتباره نقاشاً إدارياً حول أعداد المجندين فقط؛ إذ يتعلق بتوزيع الواجبات والامتيازات داخل الدولة، وبمدى استعداد كل مجموعة اجتماعية لتحمل تكاليف الأمن الجماعي. وكلما طالت الحرب وازدادت الأعباء على الجنود وأسرهم، أصبح استمرار التفاوت في الخدمة أكثر حضوراً في النقاش العام.

    1. العدالة في توزيع الأعباء بوصفها مسألة أمن قومي

    تستند قدرة الجيش على الاستمرار إلى توافر القوى البشرية والموارد المالية، لكنها تعتمد أيضاً على شعور قطاعات المجتمع بأن الأعباء موزعة بطريقة مقبولة. فإذا تكررت تعبئة أفراد الاحتياط، وتأثرت أعمالهم ودخولهم وحياتهم الأسرية، بينما ظلت جماعات أخرى خارج الخدمة، فقد يتصاعد الشعور بعدم العدالة.

    ولا يعني ذلك أن كل أفراد المجتمع الإسرائيلي يتبنون موقفاً واحداً من تجنيد الحريديم، أو أن القضية وحدها تحدد مستقبل الجيش؛ لكنها تضع المؤسسة العسكرية في قلب خلاف اجتماعي وسياسي أوسع، لأن أي تعديل في سياسة التجنيد يمس العلاقة بين الدولة والجماعات التي تتكون منها.

    وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تتزامن مع صعود الحضور العسكري للصهيونية الدينية. فالمشهد قد يبدو متناقضاً: جماعات ذات هوية دينية قومية تزيد مشاركتها في الوحدات القتالية، بينما تستمر جماعات دينية أخرى في مقاومة التجنيد. ولا يعني ذلك وجود صراع مباشر بين جميع أفراد التيارين، لكنه يكشف أن «المجتمع الديني» ليس كتلة متجانسة، وأن العلاقة بين الدين والخدمة العسكرية تختلف بحسب التوجهات العقائدية والاجتماعية والسياسية.

    1. السيناريوهات المحتملة لأزمة التجنيد

    يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية:

    المسار الأول: توسيع تدريجي للخدمة. تنجح الدولة في تطبيق قواعد تجنيد أوسع، مع ترتيبات انتقالية أو صيغ خدمة مختلفة، بما يخفف الضغط على الاحتياط ويوسع قاعدة القوى البشرية. لكن هذا المسار يتطلب تسوية سياسية واجتماعية لا تقتصر على القرارات القضائية.

    المسار الثاني: مواجهة داخلية ممتدة. تتواصل الاحتجاجات والخلافات السياسية والقضائية، وتتأخر عملية توسيع التجنيد أو تُطبق بصورة جزئية، بينما تستمر الحاجة العسكرية إلى الأفراد. وفي هذا السيناريو قد تتفاقم مشاعر عدم العدالة بين المجندين وأسرهم، ويزداد التوتر بين المؤسسة العسكرية وبعض القوى السياسية والاجتماعية.

    المسار الثالث: حلول انتقائية لا تعالج المشكلة من جذورها. تُتخذ إجراءات لتجنيد أعداد محدودة أو لتوسيع بعض أنواع الخدمة، لكنها لا تنتج تغييراً كافياً في توزيع الأعباء. وقد يمنح هذا المسار الدولة هامشاً زمنياً، لكنه يبقي التوتر قائماً ويعيد إنتاج الأزمة عند كل موجة تعبئة جديدة.

    وتتوقف النتائج على قدرة الحكومة والجيش والمؤسسات القضائية والقوى الاجتماعية على صياغة حل قابل للتطبيق. أما استمرار الحرب أو تجدد القتال على جبهات متعددة، فمن شأنه أن يرفع كلفة تأجيل هذا الملف.

    سادساً: الصحة النفسية للجنود — الكلفة البشرية للحرب الممتدة

    1. ما وراء أعداد القتلى والجرحى

    تشير المادة إلى أن أكثر من عشرة آلاف جندي تلقوا علاجاً نفسياً منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، استناداً إلى تقديرات منسوبة إلى وزارة الدفاع الإسرائيلية. وتكتسب هذه المعطيات أهمية لأنها توسع مفهوم الكلفة العسكرية، فلا يعود محصوراً في الخسائر المباشرة أو تدمير المعدات، بل يشمل الأثر النفسي المتراكم للتعرض للقتال، وفقدان الرفاق، والضغط المستمر، والعودة المتكررة إلى الخدمة.

    غير أن هذا الرقم لا ينبغي تفسيره بمعزل عن تعريف «العلاج النفسي» المستخدم، والفترة التي يغطيها، وما إذا كان يشمل أنواعاً مختلفة من الدعم النفسي والعلاج السريري. كما لا يكفي وحده لتحديد معدل الاضطرابات النفسية بين الجنود، أو مقارنة هذا المعدل بمرحلة ما قبل الحرب.

    لكن الدلالة العامة واضحة: الحرب الطويلة تفرض على المؤسسة العسكرية أعباء علاجية وتأهيلية قد تستمر حتى بعد تراجع العمليات. فالجندي الذي ينهي مهمته لا يعود بالضرورة إلى حياته السابقة فوراً، وقد يحتاج إلى فترة تعافٍ، أو متابعة متخصصة، أو إعادة تأهيل للعودة إلى العمل والخدمة.

    1. الاحتياط بين واجب الدولة وحدود القدرة الفردية

    يُعد الاحتياط جزءاً أساسياً من بنية الجيش الإسرائيلي، وهو ما يجعل العلاقة بين الخدمة العسكرية والحياة المدنية أكثر حساسية. فكل تعبئة طويلة تؤثر في العمل والأسرة والدخل والتعليم، وقد تفرض على الأفراد الانتقال المتكرر بين بيئة مدنية عادية وبيئة قتالية شديدة الضغط.

    ومع تكرار الاستدعاء، لا يقتصر العبء على الجندي نفسه، بل يمتد إلى أسرته وشركائه في العمل وأطفاله، وإلى أصحاب الأعمال والقطاعات الاقتصادية التي تفقد جزءاً من قواها العاملة. ومن هنا، فإن استمرار الجاهزية العسكرية يصبح مرتبطاً بقدرة المجتمع على تحمل التعبئة، وبقدرة الدولة على توفير الدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي لمن يخدمون.

    وهذا يعني أن أي تقييم لمستقبل الجيش يجب أن يتجاوز عدد الجنود الموجودين في قوائم الخدمة إلى أسئلة أكثر تعقيداً: كم منهم قادر على الاستمرار؟ ما أثر التعبئة المتكررة على أدائهم؟ ما حجم الاحتياجات العلاجية؟ وما قدرة المؤسسة على الاحتفاظ بالأفراد ذوي الخبرة؟

    1. الصحة النفسية باعتبارها عاملاً في الجاهزية العملياتية

    تؤثر الصحة النفسية في التركيز، واتخاذ القرار، والتواصل داخل الوحدة، والقدرة على التعامل مع الضغط. ولا يعني ذلك أن الجنود الذين يتلقون علاجاً نفسياً غير قادرين على الخدمة؛ فالعلاج قد يكون جزءاً من الحفاظ على الجاهزية واستعادة القدرة على الأداء. لكن تجاهل الاحتياجات النفسية أو تأخير التعامل معها قد يزيد من احتمالات الغياب عن الخدمة، أو تراجع الأداء، أو تفاقم المشكلات الفردية والأسرية.

    ومن منظور استراتيجي، يجب النظر إلى الصحة النفسية باعتبارها جزءاً من البنية البشرية للجيش، لا مجرد ملف اجتماعي يأتي بعد انتهاء العمليات. فالمؤسسة التي تخطط لحرب طويلة تحتاج إلى أن تحسب تكلفة التعافي وإعادة التأهيل بقدر ما تحسب تكلفة الذخائر والمعدات.

    1. الآثار المحتملة بعد انتهاء الحرب

    قد تظهر النتائج النفسية للحرب على مدى زمني أطول من العمليات نفسها. وقد تشمل صعوبات العودة إلى الحياة المدنية، وتوتر العلاقات الأسرية، والحاجة إلى علاج طويل الأمد، والضغط على مؤسسات الرعاية الصحية والاجتماعية. ولا يمكن الجزم بأن كل هذه النتائج ستقع بالدرجة نفسها أو لدى جميع الجنود، لكن وجود أعداد كبيرة من المتلقين للعلاج يجعل الاستعداد لها جزءاً ضرورياً من التخطيط المؤسسي.

    وتتمثل المخاطرة في أن ينجح الجيش في تقليص مستوى العمليات، لكنه يواجه لاحقاً موجة من الاحتياجات العلاجية والاجتماعية التي لم تُحسب بصورة كافية. عندها تتحول الكلفة التي لم تظهر مباشرة في ساحة القتال إلى عبء طويل على المؤسسة العسكرية والموازنة العامة والمجتمع.

    سابعاً: انتشار السلاح والعنف الأسري — امتداد الحرب إلى الأمن الداخلي

    1. تسرب الأسلحة من المؤسسة العسكرية

    تشير المادة إلى وقائع تتعلق باتهام جنود بإخراج أسلحة من عهدة الجيش وبيعها، منها واقعة في فبراير/شباط 2024، وأخرى في يونيو/حزيران 2026. وهذه الوقائع، مع ضرورة التمييز بين الاتهام والإدانة القضائية، تطرح قضية تتعلق بإدارة المخزون العسكري، والرقابة على الأسلحة، وآليات المساءلة، ومخاطر انتقال المعدات العسكرية إلى السوق غير القانونية.

    وتزداد خطورة هذا الملف في بيئة أمنية تتسم بارتفاع الطلب على السلاح وتعدد مناطق القتال وتوسع التعبئة. فكلما زاد حجم الأسلحة والذخائر المتداولة داخل المؤسسة العسكرية، ازدادت أهمية أنظمة التتبع والتدقيق والمراقبة. ولا يعني ذلك أن التعبئة الواسعة تؤدي حتماً إلى تسرب السلاح، لكنه يوضح أن توسيع النشاط العسكري يحتاج إلى توسع موازٍ في الرقابة الإدارية والأمنية.

    وتتجاوز التداعيات حدود الجيش إذا وصلت الأسلحة إلى عصابات الجريمة المنظمة. إذ قد يتحول خلل داخل منظومة التسليح إلى مصدر تهديد للأمن المدني، ويصبح على الشرطة والأجهزة الأمنية معالجة نتائج لا ترتبط مباشرة بميدان الحرب، لكنها قد تكون متصلة بضعف الرقابة على الموارد العسكرية.

    1. هل يمكن ربط ارتفاع العنف الأسري بالحرب؟

    تذكر المادة ارتفاع بلاغات العنف الأسري منذ بداية الحرب، وتشير إلى مقتل ثماني نساء. لكن هذه المعطيات لا تكفي وحدها لإثبات علاقة سببية مباشرة بين الحرب وكل حالة عنف، أو لتحديد حجم الزيادة من دون معرفة خط الأساس، وطريقة جمع البيانات، والفترة الزمنية، وطبيعة الحالات المسجلة.

    ومع ذلك، فإن الحرب الممتدة قد تزيد الضغوط الواقعة على بعض الأسر، نتيجة الغياب المتكرر، والقلق، والتوتر النفسي، والخسائر الاقتصادية، وصعوبات العودة إلى الحياة اليومية. وتلك عوامل تستدعي المتابعة والدعم، لكنها لا تبرر العنف ولا تعفي مرتكبيه من المسؤولية.

    والدلالة الاستراتيجية أن الأمن الداخلي لا ينفصل عن إدارة الحرب. فإذا أدى القتال الطويل إلى زيادة الضغط على الأسر والخدمات الاجتماعية، فإن الدولة تحتاج إلى سياسات استجابة لا تقتصر على العلاج العسكري، بل تشمل الحماية الاجتماعية والرعاية النفسية وآليات التعامل مع العنف.

    1. من أمن الحدود إلى أمن المجتمع

    تفرض هذه التحولات توسيع مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي في مرحلة ما بعد الحرب. فالأمن لا يتحدد فقط بقدرة الجيش على ردع الخصوم وحماية الحدود، بل أيضاً بقدرته على الحفاظ على الانضباط في إدارة السلاح، وإعادة دمج الجنود، وتقليل الأعباء الاجتماعية الناتجة عن التعبئة، ومنع انتقال مخاطر المؤسسة العسكرية إلى المجتمع.

    وإذا لم تُعالج هذه الملفات، فقد تتشكل فجوة بين الصورة الرسمية للجيش بوصفه المؤسسة المسؤولة عن حماية الدولة وبين الآثار اليومية التي يتحملها المجتمع نتيجة استمرار العمليات. وهذه الفجوة لا تؤدي تلقائياً إلى انهيار الثقة، لكنها قد تضعفها إذا اقترنت بغياب الشفافية أو الشعور بعدم العدالة أو تكرار الحوادث دون مساءلة فعالة.

    ثامناً: التحولات الأربع مترابطة — نموذج تفسيري لهوية الجيش بعد الحرب

    يمكن فهم التحولات التي تعرضها المادة من خلال النظر إليها باعتبارها حلقات في منظومة واحدة، لا ملفات منفصلة.

    الحرب الممتدة وتعدد الجبهات

    ارتفاع الحاجة إلى القوات البرية والاحتياط والجاهزية المستمرة

    ضغط القوى البشرية

    التعبئة المتكررة، نقص الأفراد، أزمة تجنيد الحريديم

    تغير التركيبة الاجتماعية

    ارتفاع الحضور النسبي للصهيونية الدينية في بعض الوحدات والمسارات

    ضغط نفسي ومجتمعي

    العلاج النفسي، أعباء الأسرة، صعوبات العودة إلى الحياة المدنية

    تحديات الانضباط والرقابة

    سلوك الجنود، تداول الأسلحة، والمساءلة عن التجاوزات

    النتيجة الاستراتيجية المحتملة

    إعادة تعريف هوية الجيش، وتوزيع أعباء الخدمة، وحدود استخدام القوة، والعلاقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع

    يوضح هذا النموذج أن الحرب الممتدة يمكن أن تولد ضغوطاً متزامنة على الموارد البشرية، والتركيبة الاجتماعية، والصحة النفسية، والانضباط. لكن اتجاه النتائج النهائية ليس حتمياً؛ إذ يعتمد على قدرة الجيش والدولة على إدارة تلك الضغوط، وإجراء مراجعات مؤسسية، وتطوير قواعد التجنيد والرقابة والدعم النفسي.

    وقد يخرج الجيش من الحرب أكثر خبرة في العمليات البرية، وأكثر إدراكاً لحدود التكنولوجيا، لكنه قد يخرج أيضاً بموارد بشرية أكثر إنهاكاً، وانقسامات اجتماعية أعمق، وتحديات أكبر في الحفاظ على صورة المؤسسة الجامعة. وهنا تكمن المفارقة: قد ترتفع القدرة العسكرية في بعض المجالات بالتزامن مع ارتفاع كلفة الحفاظ عليها في مجالات أخرى.

    تاسعاً: التداعيات على العلاقة بين الجيش والمجتمع الإسرائيلي

    1. الجيش بوصفه مؤسسة جامعة تحت الضغط

    احتل الجيش موقعاً مركزياً في التصور الإسرائيلي للدولة والمجتمع، باعتباره أداة دفاعية ومؤسسة للتعبئة الوطنية، ومساراً لاكتساب المكانة والخبرة والروابط الاجتماعية. لكن هذا الدور يصبح أكثر صعوبة عندما تتوزع الخدمة والأعباء بصورة غير متكافئة، أو عندما تتباين تصورات الجماعات المختلفة عن الغاية من الحرب.

    فإذا شعر جنود الاحتياط بأنهم يتحملون عبئاً متكرراً، بينما لا تشارك شرائح أخرى بالمستوى نفسه، فقد يتحول الخلاف حول التجنيد إلى أزمة ثقة أوسع. وإذا شعر بعض أفراد المجتمع بأن الجيش يتجه نحو تبني تصور سياسي أو ديني بعينه، فقد تزداد المخاوف بشأن حياده المؤسسي وقدرته على تمثيل المجتمع بأكمله.

    لكن هذه النتائج ليست تلقائية. فقد تؤدي التجربة القتالية المشتركة لدى قطاعات واسعة إلى تعزيز التضامن الوطني في بعض المراحل، حتى مع استمرار الخلافات. ومن ثم، فإن السؤال ليس ما إذا كانت الحرب ستوحد المجتمع أو تقسمه بصورة مطلقة، بل أي اتجاه سيغلب على المدى الطويل، وتحت أي شروط.

    1. التفاوت في تحمل الكلفة بوصفه مصدر نزاع سياسي

    عندما تطول الحرب، يصبح توزيع الكلفة موضوعاً سياسياً يومياً. فمن يخدم؟ ومن يُعفى؟ ومن يتحمل المخاطر؟ ومن يدفع الكلفة الاقتصادية؟ ومن يملك حق تحديد أهداف الحرب ومدتها؟

    هذه الأسئلة تزداد أهمية كلما تراكمت أعباء الاحتياط، وظهرت احتياجات علاجية واجتماعية، واستمر الخلاف حول تجنيد الحريديم. وقد ينتقل النقاش من تأييد الحرب أو رفضها إلى مساءلة أعمق عن عدالة النظام الاجتماعي الذي ينظمها.

    وقد تتبلور هذه المساءلة في صورة ضغط على الحكومة لتعديل قواعد التجنيد، أو مطالبات بتحسين حقوق جنود الاحتياط، أو جدل بشأن تمويل الخدمات العامة، أو خلاف حول مدى توافق الأهداف السياسية للحرب مع الكلفة التي يتحملها المجتمع.

    1. الثقة بالقيادة العسكرية والسياسية

    لا تتحدد الثقة بالمؤسسة العسكرية عبر الأداء الميداني وحده؛ بل تتأثر أيضاً بالقدرة على تفسير الإخفاقات، وإجراء تحقيقات موثوقة، وتحديد المسؤوليات، وإظهار أن الدروس المستخلصة ستتحول إلى إصلاحات. وإذا بقيت أسباب الإخفاقات الكبرى موضع خلاف أو تنازع سياسي، فقد يتراجع الشعور بوجود مراجعة مؤسسية مستقلة.

    كما أن التوتر بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية يمكن أن يتفاقم إذا اختلف الطرفان بشأن أهداف الحرب أو مدتها أو كيفية إنهائها. فالقيادة العسكرية تحتاج إلى أهداف سياسية واضحة، بينما تعتمد القيادة السياسية على الجيش لتحقيق تلك الأهداف. وإذا ظلت الغايات النهائية غير محددة، فقد يتحمل الجيش عبء تنفيذ مهام لا تملك نهاية واضحة، وتزداد صعوبة قياس النجاح أو الفشل.

    وبذلك تصبح مساءلة القيادة عن أحداث السابع من أكتوبر، ومراجعة طريقة إدارة الحرب، وتحديد المسؤولية عن التجاوزات، جزءاً من معركة أوسع على الثقة المؤسسية. فالمراجعة ليست مجرد إجراء بعد انتهاء العمليات؛ إنها عنصر في قدرة الدولة على استعادة التماسك.

    عاشراً: الأبعاد القانونية والأخلاقية — كيف تؤثر سلوكيات الحرب في مستقبل الجيش؟

    لا يمكن فصل هوية الجيش بعد الحرب عن القواعد التي تحكم استخدام القوة. فالقانون الدولي الإنساني يفرض التزامات على أطراف النزاعات المسلحة، من بينها التمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتناسب في الهجمات، واتخاذ الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين، وحظر التعذيب والمعاملة المهينة وغيرها من الأفعال المحظورة.

    ولا يكفي ظهور مقطع مصور بمفرده لتحديد المسؤولية القانونية عن كل واقعة؛ إذ تتطلب المساءلة فحص السياق، والأدلة، والأوامر، وطبيعة الهدف، والظروف المحيطة. لكن وجود ادعاءات متكررة أو مواد مصورة موثقة يجعل من الضروري وجود آليات تحقيق جادة ومستقلة وفعالة، مع عدم الخلط بين الادعاء والإدانة.

    ومن منظور استراتيجي، تتجاوز أهمية هذه المسألة المسؤولية الفردية عن سلوك معين. فالمؤسسة التي تثبت قدرتها على التحقيق في التجاوزات ومحاسبة المسؤولين عنها تعزز فرص الحفاظ على الانضباط والثقة. أما المؤسسة التي يُنظر إليها على أنها تتسامح مع التجاوزات أو تحمي مرتكبيها، فقد تواجه أضراراً في سمعتها وعلاقاتها الخارجية، فضلاً عن مخاطر قانونية محتملة على أفرادها.

    كذلك، فإن انتشار الصور والفيديوهات يجعل البيئة المعلوماتية جزءاً من البيئة العملياتية. فكل واقعة موثقة قد تتحول إلى عنصر في الجدل الدولي بشأن مشروعية العمليات، وتؤثر في صورة الجيش لدى جماهير لا تتلقى معلوماتها من البيانات الرسمية وحدها.

    ومع ذلك، ينبغي تجنب اختزال التحول الأخلاقي في الجيش إلى مقاطع انتقائية، مثلما ينبغي تجنب اعتبار الخطاب الرسمي دليلاً كافياً على الانضباط الفعلي. فالتقييم الجاد يتطلب بيانات أوسع عن التحقيقات، والعقوبات، والأوامر، وممارسات القيادة، ومدى تطبيق القواعد في الميدان.

    والسؤال الاستراتيجي هنا هو: هل ستقود الحرب إلى تعزيز آليات الانضباط والمساءلة، أم إلى تطبيع ممارسات استثنائية تتحول بمرور الوقت إلى سلوك مؤسسي؟ الإجابة عن هذا السؤال ستؤثر في مستقبل الجيش بقدر تأثيرها في تقييم حرب غزة نفسها.

    الحادي عشر: التداعيات الإقليمية — جيش يتكيف مع تعدد الجبهات

    1. غزة ولبنان وإيران: اتساع نطاق التخطيط العسكري

    تشير المادة إلى أن الحرب في غزة تزامنت مع المواجهات في لبنان والحرب مع إيران. وإذا استمرت إسرائيل في تصور بيئتها الأمنية بوصفها مجموعة من التهديدات المترابطة، فمن المرجح أن تزداد أهمية التخطيط لعمليات متزامنة أو متعاقبة على جبهات مختلفة.

    وهذا يفرض على الجيش تحديات تتعلق بتوزيع القوات، وتحديد الأولويات، وإدارة الذخائر والاعتراضات الجوية، وحماية الجبهة الداخلية، والمحافظة على احتياط استراتيجي يمكن استخدامه عند الضرورة. كما يزيد من أهمية التنسيق بين القوات البرية والجوية والاستخبارات والدفاع الجوي، ويجعل إدارة المخاطر جزءاً أساسياً من التخطيط اليومي.

    لكن تعدد الجبهات لا يعني بالضرورة أن الجيش يستطيع القتال بكفاءة متساوية في جميعها وفي الوقت نفسه. فالقدرات والذخائر والأفراد والوقت موارد محدودة، وقد يفرض الضغط في جبهة معينة نقل موارد من جبهة أخرى، أو تأجيل عمليات، أو قبول مخاطر إضافية.

    1. التناقض بين القوة النارية والقدرة على الاستمرار

    قد تتيح القدرات الجوية والتكنولوجية لإسرائيل إحداث أضرار كبيرة بالخصوم، لكنها لا تحل وحدها مشكلة الاستمرار في حرب متعددة الجبهات. فالتدمير المادي ليس سوى أحد عناصر الصراع، بينما يتطلب الحفاظ على الجاهزية وجود أفراد قادرين على الخدمة، ومخزون مناسب من المعدات والذخائر، ونظام فعال للتعويض والتأهيل، وقدرة على تحمّل الكلفة الاقتصادية والاجتماعية.

    ومن ثم، فإن صعود القوات البرية لا يعني العودة البسيطة إلى نموذج عسكري قديم، بل يشير إلى الحاجة إلى مزيج جديد من الأدوات: التكنولوجيا لتقليل بعض المخاطر وتحسين المعلومات، والقوات البرية لتحقيق أهداف ميدانية لا تستطيع القوة الجوية وحدها تحقيقها، والاحتياط لتوسيع حجم القوة، والدعم الاجتماعي والنفسي للحفاظ على استمراريتها.

    1. هل يحقق الجيش الجديد ردعاً أكثر استدامة؟

    يمكن أن يؤدي التعلم من إخفاقات السابع من أكتوبر إلى تطوير الإنذار المبكر، وتحسين التنسيق، وإعادة بناء القوات البرية، وتعزيز حماية الحدود. لكن الردع لا يعتمد فقط على القوة المتاحة؛ بل يتأثر أيضاً بتقدير الخصوم لإرادة إسرائيل، وقدرتها على تحمل الخسائر، ومدى وضوح أهدافها، وما إذا كانت نتائج عملياتها قابلة للاستمرار.

    وإذا استمر الجيش في خوض عمليات واسعة دون أن تنتج عنها تسويات سياسية مستقرة، فقد تتراجع القيمة الردعية لبعض الإنجازات العسكرية مع مرور الوقت. أما إذا اقترنت القوة العسكرية بأهداف قابلة للتحقيق، وآليات تمنع تجدد التهديدات، وتصور سياسي لما بعد الحرب، فقد تصبح نتائج العمليات أكثر استدامة.

    وهنا تظهر أهمية التمييز بين القدرة على إلحاق الضرر بالخصم والقدرة على تشكيل بيئة أمنية مستقرة. فالأولى تقاس بقدرات عسكرية مباشرة، أما الثانية فتحتاج إلى عناصر سياسية واجتماعية وإقليمية لا يملك الجيش السيطرة عليها بمفرده.

    الثاني عشر: التداعيات الدولية وصورة الجيش الإسرائيلي

    تتصل التحولات في سلوك الجنود وطبيعة العمليات بالجدل الدولي حول الحرب، لكنها لا تختزل فيه. فالصورة الخارجية للجيش تتشكل من مزيج من الأداء العسكري، والتصريحات الرسمية، والمقاطع المصورة، والتحقيقات، ومواقف الحكومات والمؤسسات الدولية، وطبيعة الإجراءات التي تتخذها إسرائيل عند ظهور اتهامات بانتهاكات.

    وقد تتباين صورة الجيش بين الدول والجماهير؛ إذ لا توجد استجابة دولية واحدة أو موقف عالمي موحد. لكن تكرار الوقائع المثيرة للجدل، إذا لم تقابله استجابة مؤسسية موثوقة، قد يزيد من صعوبة الدفاع عن بعض الممارسات، ويضع الحكومات الداعمة لإسرائيل أمام ضغوط سياسية وقانونية.

    ولا يعني ذلك أن كل اتهام يؤدي إلى تغيير في التحالفات أو وقف التعاون العسكري. فالعلاقات الدولية تحكمها أيضاً المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية. لكن استمرار الخلاف بشأن سلوك الجيش قد يرفع كلفة الدعم، ويزيد الحاجة إلى التبرير القانوني والسياسي، ويجعل التعاون أكثر تعرضاً للنقاش الداخلي في الدول الحليفة.

    وتظهر هنا علاقة متبادلة بين السمعة الخارجية والرقابة الداخلية: فكلما كانت آليات التحقيق والمحاسبة أكثر مصداقية، زادت قدرة الدولة على التعامل مع الاتهامات من خلال المؤسسات والأدلة؛ وكلما بدا أن المؤسسة العسكرية تتجنب المساءلة، ازدادت احتمالات تحول القضية من واقعة محددة إلى أزمة ثقة أوسع.

    وبالنسبة إلى الجيش نفسه، فإن التحدي لا يتمثل فقط في مواجهة النقد الخارجي، بل في تحديد ما إذا كانت المؤسسة ستستخدم هذا النقد لتصحيح ممارساتها، أم ستتعامل معه بوصفه خصومة سياسية لا تستدعي مراجعة داخلية.

    الثالث عشر: السيناريوهات الاستراتيجية لهوية الجيش الإسرائيلي حتى نهاية العقد

    تتيح التحولات الواردة في المادة رسم أربعة سيناريوهات محتملة. وهي ليست تنبؤات مؤكدة، بل مسارات تحليلية تتوقف احتمالات تحققها على نتائج الحرب، وسياسات التجنيد، وقدرة القيادة على الإصلاح، وطبيعة البيئة الإقليمية.

    السيناريو الأول: إعادة بناء مؤسسية متوازنة

    إصلاح وتكيّف

    ينجح الجيش في مراجعة إخفاقات السابع من أكتوبر، ويعيد التوازن بين التكنولوجيا والقوات البرية، ويوسع قاعدة التجنيد تدريجياً، ويطور برامج الصحة النفسية وإعادة التأهيل، ويعزز آليات الرقابة والانضباط. وفي هذا المسار، لا يختفي الحضور المتزايد للصهيونية الدينية، لكنه يبقى داخل إطار مهني موحد تحكمه قواعد واضحة للقيادة والمساءلة.

    النتيجة المحتملة: جيش أكثر استعداداً للحروب الطويلة، مع تخفيف نسبي للتوترات الاجتماعية والمؤسسية. ويتطلب هذا السيناريو إرادة إصلاحية تتجاوز تحديث السلاح إلى معالجة أسباب الإخفاق والتفاوت في الأعباء.

    السيناريو الثاني: تعمق الاستقطاب الاجتماعي داخل الجيش

    تتواصل أزمة تجنيد الحريديم، وتبقى أعباء الاحتياط مركزة على شرائح محددة، بينما يتزايد التنافس السياسي حول هوية الجيش ودور الصهيونية الدينية. وقد تتسع الفجوة بين من يرون الخدمة واجباً وطنياً مشتركاً ومن يتمسكون بترتيبات إعفاء خاصة.

    النتيجة المحتملة: استمرار القدرة على القتال مع تراجع العدالة المتصورة في توزيع الأعباء، وارتفاع الضغط على الحكومة والمؤسسة العسكرية، وصعوبة التوصل إلى سياسة تجنيد تحظى بقبول واسع.

    السيناريو الثالث: جيش أكثر خبرة ولكن أكثر استنزافاً

    يكتسب الجيش خبرة إضافية في العمليات البرية وإدارة الجبهات، لكنه يواجه استمرار الضغط على الاحتياط، وتراكم الاحتياجات النفسية، وكلفة متزايدة لتأهيل الأفراد والمحافظة على الجاهزية. وتبقى أزمة التجنيد دون حل جذري، بينما تتواصل آثار الحرب على الأسر والاقتصاد.

    النتيجة المحتملة: تحسن في بعض القدرات العسكرية يقابله ارتفاع في كلفة استخدامها والحفاظ عليها، بما يجعل القدرة على الاستمرار عاملاً حاسماً في التخطيط الأمني.

    السيناريو الرابع: تسييس أعمق للهوية العسكرية

    تتداخل الخلافات السياسية والدينية مع النقاش بشأن أهداف الحرب واستخدام القوة، وتزداد حساسية قضايا الانضباط والمساءلة والتجنيد. وإذا لم تتمكن القيادة من حماية الطابع المهني للمؤسسة، فقد تتحول بعض الخلافات المجتمعية إلى نزاعات أكثر حدة بشأن تعريف الواجب العسكري وحدود سلطة القيادة.

    النتيجة المحتملة: ارتفاع مخاطر التوتر بين المؤسسة العسكرية ومكونات المجتمع، وتراجع القدرة على صياغة تعريف مشترك لأهداف الحرب، حتى مع استمرار امتلاك الجيش قدرات تقنية ونارية متقدمة.

    من المرجح أن تتضمن المرحلة التالية مزيجاً من عناصر هذه السيناريوهات، لا تحقق أحدها بصورة خالصة. فقد ينجح الجيش في تحديث عقيدته القتالية، بينما تستمر أزمة التجنيد؛ وقد تتطور برامج الدعم النفسي، في حين يبقى الجدل حول السلوك الميداني قائماً. ولذلك فإن المتابعة الاستراتيجية ينبغي أن تركز على المؤشرات التي تحدد الاتجاه الغالب، لا على افتراض أن الحرب أنتجت نتيجة نهائية واحدة.

    الرابع عشر: المؤشرات المبكرة التي ينبغي مراقبتها

    يمكن رصد اتجاه التحول في هوية الجيش الإسرائيلي من خلال مجموعة مؤشرات عملية:

    المؤشر ما الذي ينبغي متابعته؟ دلالته الاستراتيجية
    العقيدة العسكرية تحديثات التدريب والتخطيط للقوات البرية والاحتياط مدى تحول دروس الحرب إلى إصلاح مؤسسي
    القوى البشرية أعداد المجندين، ومدد الخدمة، وتكرار استدعاء الاحتياط قدرة الجيش على الاستمرار في حرب طويلة
    تجنيد الحريديم تنفيذ القرارات القضائية والتشريعية، ومستويات الامتثال اتجاه أزمة توزيع الأعباء
    الصهيونية الدينية التمثيل في الوحدات القتالية ودورات الضباط والقيادة مدى تغير التوازن الاجتماعي والفكري داخل الجيش
    الصحة النفسية أعداد المتلقين للعلاج، وبرامج إعادة التأهيل، والعودة إلى الخدمة الكلفة البشرية طويلة الأمد للحرب
    الانضباط العسكري التحقيقات في الوقائع المصورة، والنتائج والعقوبات قدرة المؤسسة على فرض القواعد والمساءلة
    إدارة السلاح ضبط المخزون، وحوادث التسرب، والملاحقات القضائية سلامة الرقابة على الموارد العسكرية
    العلاقات المدنية اتجاهات الثقة بالجيش، والجدل حول الخدمة والاحتياط تماسك العلاقة بين المؤسسة والمجتمع
    الجبهات الإقليمية وتيرة العمليات وتوزيع القوات والموارد قدرة الجيش على إدارة تعدد الجبهات
    العلاقات الدولية أثر الجدل بشأن سلوك الجيش في التعاون والدعم الخارجي الكلفة الدبلوماسية والقانونية للتحولات الميدانية

    وتتطلب قراءة هذه المؤشرات تجنب الاعتماد على رقم منفرد أو واقعة استثنائية. فارتفاع عدد متلقي العلاج النفسي، على سبيل المثال، قد يعكس زيادة الاحتياجات، لكنه قد يعكس أيضاً تحسناً في الوصول إلى العلاج والإفصاح عنه. كما أن ارتفاع نسبة فئة اجتماعية في دورة ضباط لا يثبت وحده سيطرتها على المؤسسة، ما لم تقترن الأرقام ببيانات عن الرتب والاختصاصات ومواقع القرار.

    وبالمثل، لا يكفي إعلان خطة لإصلاح التجنيد أو الانضباط لإثبات نجاحها؛ فالمعيار هو التنفيذ، والنتائج، واستمرارها عبر الزمن.

    الخامس عشر: ما الذي تعنيه التحولات لمستقبل الردع الإسرائيلي؟

    يظل الردع أحد الأهداف المركزية للاستراتيجية الإسرائيلية، لكن الحرب الممتدة تطرح سؤالاً حول طبيعة الردع الذي يستطيع الجيش إنتاجه. فالتفوق في الطيران والاستخبارات والنيران قد يرفع كلفة المواجهة على الخصم، لكنه لا يضمن منع الهجمات أو إنهاء الصراعات بصورة دائمة. كما أن القدرة على خوض عمليات واسعة لا تعني بالضرورة القدرة على تحمل حرب طويلة ومتعددة الجبهات دون آثار اجتماعية واقتصادية.

    ويمكن تحديد ثلاثة تحديات رئيسية للردع في المرحلة المقبلة.

    أولها مصداقية الإنذار المبكر. فبعد صدمة السابع من أكتوبر، لن يكفي أن تمتلك إسرائيل أجهزة مراقبة متطورة؛ بل ستحتاج إلى إثبات قدرتها على تفسير المعلومات، وتجنب التقديرات الجامدة، والتعامل مع احتمالات المفاجأة.

    وثانيها مصداقية القدرة على الاستمرار. فالخصم لا يقيّم فقط قوة الضربة الأولى، بل قد ينظر أيضاً إلى قدرة إسرائيل على مواصلة القتال، وتدوير القوات، وتحمل الخسائر، والحفاظ على دعم المجتمع والاحتياط.

    وثالثها مصداقية النتيجة السياسية. فإذا تكررت العمليات من دون الوصول إلى ترتيبات مستقرة، فقد يصبح التهديد باستخدام القوة أقل قدرة على إنتاج نتائج دائمة، حتى لو بقيت القدرة على إحداث الدمار كبيرة.

    وتتصل هذه التحديات مباشرة بهوية الجيش. فالمؤسسة التي تتعرض لضغط بشري واجتماعي طويل قد تحتاج إلى إعادة تعريف أولوياتها، وتحديد الحروب التي يمكنها تحملها، وتطوير خيارات أقل اعتماداً على الاستنزاف المفتوح. أما إذا بقي التخطيط قائماً على افتراض أن القوة النارية قادرة على معالجة كل مشكلة، فقد يستمر التناقض بين الإنجاز الميداني والكلفة الاستراتيجية.

    السادس عشر: الخلاصة الاستراتيجية — جيش يعيد تعريف نفسه تحت ضغط الحرب والمجتمع

    بعد ثلاث سنوات من الحرب، وفق الإطار الزمني الذي تتناوله المادة، تبدو هوية الجيش الإسرائيلي موضوعاً يتجاوز التحديث العسكري التقليدي. فالحرب دفعت إلى إعادة النظر في قيمة التكنولوجيا والإنذار المبكر، وأعادت القوات البرية والاحتياط إلى مركز الاهتمام، وفتحت نقاشاً حول طبيعة استخدام القوة وحدود التدمير، بالتزامن مع صعود الحضور النسبي للصهيونية الدينية، واستمرار أزمة تجنيد الحريديم، وتزايد أهمية الصحة النفسية والرقابة على السلاح والانضباط الميداني.

    ولا يعني ذلك أن الجيش فقد قدرته العسكرية، أو أن تحولاً واحداً قد حسم مستقبله؛ فالمؤسسات العسكرية قادرة على التعلم والتكيف، كما أن بعض التغيرات قد تقود إلى تطوير قدرات أكثر ملاءمة لبيئة أمنية معقدة. لكن التحدي يكمن في أن عملية التكيف نفسها تجري داخل مجتمع منقسم حول توزيع الأعباء، وأهداف الحرب، ودور الدين في المجال العام، وحدود السلطة السياسية والعسكرية.

    وتتمثل الدلالة الأعمق في أن الجيش الإسرائيلي لم يعد يواجه سؤالاً تقنياً حول كيفية خوض الحرب فحسب، بل سؤالاً مؤسسياً حول نوع الجيش الذي ينبغي أن يكونه. هل يكون مؤسسة مهنية قادرة على الجمع بين التفوق التكنولوجي والقوة البرية، مع إخضاع القرار العسكري للقانون والرقابة؟ أم يتجه إلى نموذج تتداخل فيه بصورة أكبر الاعتبارات الدينية والقومية مع تصور المهمة العسكرية؟ وهل يمكنه الحفاظ على قاعدة بشرية واسعة في ظل استمرار التفاوت في الخدمة وتراكم أعباء الاحتياط؟ وهل يستطيع تحويل التجربة القاسية إلى إصلاحات تقلل احتمالات الإخفاق، أم أن ضغوط الحرب ستعيد إنتاج المشكلات نفسها بصيغ مختلفة؟

    هذه الأسئلة مترابطة؛ لأن القدرة على القتال لا تنفصل عن القدرة على تجنيد الأفراد والاحتفاظ بهم، ولا تنفصل عن الانضباط الذي يحكم سلوكهم، ولا عن الثقة التي تمنحها قطاعات المجتمع للمؤسسة العسكرية. كما أن شرعية الجيش لا تتحدد فقط بما يعلنه عن أهدافه، بل بما يفعله على الأرض، وكيف يحقق في التجاوزات، وكيف يتعامل مع نتائج عملياته، ومدى اتساق سلوكه مع القواعد القانونية التي يفترض أن تحكم استخدام القوة.

    ومن هنا، فإن التحول الجاري قد ينتج جيشاً أكثر استعداداً للعمليات البرية الطويلة، لكنه لن يكون بالضرورة جيشاً أكثر استدامة ما لم يعالج الضغوط البشرية والاجتماعية التي ترافق هذا الاستعداد. وقد يتزايد الحضور الديني القومي في بعض وحداته من دون أن يصبح الجيش كله مؤسسة دينية؛ غير أن أثر هذا الحضور سيتوقف على مدى بقائه ضمن إطار مهني موحد، وعلى كيفية إدارة الاختلافات الفكرية داخله. كما قد تدفع أزمة تجنيد الحريديم إلى إصلاحات في توزيع الخدمة، أو تتحول إلى مصدر مزمن للتوتر إذا بقيت الحلول جزئية.

    الخلاصة المركزية: حرب غزة لا تعيد تشكيل هوية الجيش الإسرائيلي من الخارج فقط، بفعل تغير طبيعة التهديدات، بل من الداخل أيضاً، عبر إعادة ترتيب العلاقة بين التكنولوجيا والقوة البشرية، وبين الخدمة العسكرية والانتماء الاجتماعي، وبين العقيدة القتالية والتصورات الدينية والقومية، وبين القوة والانضباط والمساءلة.

    وإذا كان السابع من أكتوبر قد كشف حدود النموذج الذي افترض أن التفوق الاستخباري والتكنولوجي يكفيان لمنع المفاجأة، فإن سنوات الحرب التالية كشفت أن إعادة بناء القدرة العسكرية تتطلب أكثر من تعويض الثغرات الميدانية. إنها تتطلب إعادة النظر في كيفية اتخاذ القرار، وتوزيع الأعباء، وتأهيل الجنود، وضبط السلوك، وتحديد الأهداف السياسية التي يُراد للقوة العسكرية أن تحققها.

    وعليه، فإن الاختبار الحقيقي للجيش الإسرائيلي في المرحلة المقبلة لن يكون عدد الوحدات التي أعاد تشكيلها، أو حجم النيران التي يستطيع استخدامها، أو مستوى التكنولوجيا التي يمتلكها فقط؛ بل قدرته على تحويل خبرة الحرب إلى مؤسسة أكثر تماسكاً وانضباطاً، وعلى المحافظة على قاعدة بشرية واجتماعية قادرة على تحمل أعبائها، وعلى تحقيق نتائج سياسية وأمنية لا تتحول إلى مقدمة لحرب جديدة.

    فقد يتغير شكل الجيش وتسليحه وتوزيع قواته خلال سنوات قليلة، لكن التغير الأعمق هو الذي يمس تعريفه لذاته: هل هو أداة دفاع عن الدولة، أم مؤسسة تتوسع وظائفها لتشمل إدارة صراعات طويلة ومفتوحة؟ وهل يظل إطاراً جامعاً لمجتمع متعدد الاتجاهات، أم يصبح مرآة أكثر وضوحاً لانقساماته؟ وهل تكون القوة وسيلة لتحقيق غاية سياسية محددة، أم تتحول إلى عملية مستمرة يعاد إنتاجها كلما أخفقت في إنهاء الصراع؟

    ستتحدد الإجابات عبر مسار الإصلاح والمساءلة والتجنيد وإدارة القوى البشرية، وبالقدر نفسه عبر طبيعة القرارات السياسية التي تحدد أهداف الحرب ونهاياتها. وفي هذا المعنى، فإن المعركة الأهم على هوية الجيش الإسرائيلي بعد غزة قد لا تكون معركة السلاح وحده، بل معركة تعريف القوة وحدودها، وتوزيع ثمنها، وتحديد الغاية التي تُستخدم من أجلها.

    • Facebook
    • Share on X
    • LinkedIn
    • WhatsApp
    • Email
    • Copy Link
    شاركها. فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr واتساب البريد الإلكتروني
    د. محمد صالح

    اترك تعليقاً
    اترك تعليقاً إلغاء الرد

    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام يوتيوب RSS
    • دراسات
    • تحليلات/ تقديرات موقف
    • تقارير
    • مقالات رأي
    • ملفات خاصة
    © 2026 كافة الحقوق محفوظة. تصميم وبرمجة شركة بيو فري للحلول المتكاملة.

    اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter