د.محمد أحمد صالح
تشير التقديرات إلى أن عقد الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر 2026م قد يعزز الاستقطاب السياسي، مع بروز دور إيتمار بن جفير داخل اليمين المتشدد. تعتمد فرص فوزه على تحالفاته وقدرة حزبه على توسيع قاعدته، مستفيداً من خطاب أمني شعبي، لكن معارضة واسعة لتوجهاته قد تحد من تقدمه وتؤثر في نتائج الاقتراع بشكل ملحوظ أيضاً. من هو بن جفير؟ ومافرص فوزه، وماسيناريوهات تقدمه أو تراجعه؟
النشأة والبدايات
وُلد بن جفير عام 1976م في القدس، ونشأ في بيئة تمزج بين التدين اليهودي اليهيوني والنزعة اليمينية المتشددة. برز اسمه مبكرًا في أوساط اليمين المتطرف، خاصة خلال شبابه، حين انخرط في أنشطة سياسية احتجاجية ذات طابع تصادمي. لم يؤدِّ الخدمة العسكرية الكاملة في الجيش الإسرائيلي بسبب مواقفه السياسية المتطرفة. ارتبط اسمه منذ بداياته بحركات قومية دينية راديكالية، أهمها حركة “كاخ” التي أسسها الحاخام مئير كاهانا (1932م-1990م)، وهو تيار محظور في إسرائيل ومصنّف كتنظيم متطرف. شكلت هذه البداية المبكرة ملامح صورة بن جفير كشخصية “متطرفة” قبل أن يدخل معترك الحياة السياسية لاحقًا.
الخلفية الأيديولوجية
تقوم رؤية بن جفير على مزيج من:
-الكهانية (Kahanism)(نسبة إلى مئير كاهانا): تتمثل في الدعوة إلى دولة يهودية ذات طابع ديني صارم، ورفض التعايش المتكافئ مع الفلسطينيين، وتأييد سياسات الطرد أو فرض الولاء القسري.
-القومية الدينية المتشددة: تتمثل في اعتبار الأرض (خاصة الضفة الغربية) حقًا دينيًا غير قابل للتنازل، ورفض حل الدولتين بشكل قاطع.
–النزعة الأمنية الصلبة: تتمثل في دعم استخدام القوة المفرطة ضد الفلسطينيين، والدعوة إلى تسليح المدنيين اليهود وتوسيع صلاحيات الشرطة.
وهكذا يمكن أن نطلق على هذا المزيج الأيديولوجي بأنه يمثل أقصى يمين الطيف السياسي الإسرائيلي.
التحول إلى العمل السياسي الرسمي
رغم ماضيه المتطرف، نجح بن جفير في الانتقال من الهامش إلى المركز عبر الانضمام إلى حزب القوة اليهودية (عوتسما يهوديت)، والتحالف مع قوى اليمين الديني والقومي، والاستفادة من صعود اليمين بقيادة بنيامين نتنياهو. وقد شكّل دخوله الكنيست نقطة تحول أساسية، فأصبح جزءًا من الائتلاف الحكومي، ليتولى لاحقًا منصب وزير الأمن القومي. وقد عكس هذا التحول تطبيعًا تدريجيًا للأفكار المتطرفة داخل السياسة الإسرائيلية.
ويمكن فهم صعود بن جفير ضمن ثلاثة مسارات متقاطعة: تحول بنيوي داخل المجتمع الإسرائيلي نحو القومية الدينية، وتآكل تيار الوسط واليسار، وتسييس العامل الأمني وتحويله إلى أداة تعبئة انتخابية، لينتج عن ذلك انتقال “الهامش المتطرف” إلى “قلب صناعة القرار”.
الفرص والتهديدات
الفرص (Opportunities)
-بيئة أمنية متوترة: كل تصعيد أمني يعزز خطاب “الحسم بالقوة” يرفع شعبية التيارات المتشددة.
-تحالفه مع بنيامين نتنياهو: يوفر له مظلة سياسية ويمنحه شرعية داخل النظام السياسي.
-تغير ديمجرافي-سياسي: تزايد جمهور المستوطنين وصعود التيار الديني القومي.
-ضعف البدائل: غياب قيادة يمينية “أقل تطرفًا” بنفس الحضور.
التهديدات (Threats)
-الضغط الدولي: مواقفه تثير رفضًا واسعًا في أوروبا وأمريكا وقد تؤدي لعزلته سياسيا.
-هشاشة الائتلافات الحاكمة: تعتمد الائتلافات الحاكمة على توازنات دقيقة، وأي خلل قد يخرجه من السلطة.
-صورته الراديكالية: قد تمنع وصوله إلى شرائح أوسع وتحدّ من تحوله إلى قائد وطني شامل.
-الصراع داخل اليمين: منافسة من شخصيات يمينية أخرى أقل حدّة.
ممارساته السياسية
تتسم ممارساته بعدة سمات واضحة:
-التصعيد الميداني: يتمثل في زيارات مثيرة للجدل إلى الأماكن الحساسة (مثل المسجد الأقصى)، ودعم سياسات أمنية أكثر تشددًا.
-الشعبوية السياسية: تتمثل في خطاب مباشر يعتمد على إثارة المخاوف الأمنية، وتقديم نفسه كمدافع عن “اليهود العاديين”.
-الضغط داخل الحكومة: استخدام موقعه لفرض أجندة يمينية متشددة، وتهديد استقرار الائتلاف عند تعارض المصالح.
يجمع أسلوبه على هذا النحو بين التعبئة الجماهيرية والتأثير المؤسسي.
موقعه داخل الخريطة السياسية
يمكن فهم موقع بن جفير من خلال شريحة اليمين الديني القومي المتطرف التي يمثلها، حيث يجذب المستوطنين، والشباب اليميني المتشدد، وبعض الفئات المهمّشة أمنيًا. لكنه يواجه رفضًا من التيار الليبرالي والعلماني، وتحفظًا دوليًا واسعًا.
تحليل قوته النسبية (Power Profile)
| البعد | التقييم |
| النفوذ الشعبي | متوسط – مرتفع |
| النفوذ المؤسسي | متوسط |
| القبول الدولي | منخفض جدًا |
| القدرة على التأثير الأمني | مرتفع |
| الاستمرارية السياسية | متوسطة |
يكشف هذا التحليل أن بن جفير قوي تكتيكيًا، ومحدود استراتيجيًا.
تقدير مستقبله السياسي
-عوامل القوة: تتمثل في صعود التيار اليميني في إسرائيل، ودعم قاعدة جماهيرية متماسكة، ومهارة في استثمار الأزمات الأمنية.
-عوامل الضعف: تتمثل في ماضيه المتطرف، وحساسية مواقفه دوليًا، واعتماده الكبير على تحالفاته داخل اليمين.
-السيناريوهات المحتملة
-استمرار الصعود المتدرج: الاحتمالية مرتفعة نسبيًا إذا استمرت الأزمات الأمنية وهيمنة اليمين، وبقائه في الحكم، وتوسع نفوذه داخل الحكومة، كل هذا قد يعزز نفوذه ويحصل على حقائب وزارية أقوى. يترتب على ذلك تعزيز صلاحياته الأمنية وتأثير أكبر على السياسات تجاه الفلسطينيين.
-التقييد أو التراجع السياسي أو الاحتواء المؤسسي: الاحتمالية متوسطة في حال تغيّر المزاج الشعبي والسياسي لنرى محاولات داخلية لتقييد نفوذه، من خلال صعود بديل يميني أقل تطرفًا، أو ضغوط دولية متزايد قد يتم احتواؤه داخل النظام، أو تهميشه تدريجيًا. يترتب على ذلك بقاؤه في المشهد مع تقليص تأثيره ونفوذه، من خلال فقدان موقعه الحكومي، وعودة جزئية إلى الهامش.
-التحول إلى لاعب دائم: هو السيناريو الأكثر واقعية، حيث يبقى جزءًا ثابتًا من المشهد دون أن يصل إلى قيادة الدولة منفردًا.
تقدير ممارساته المستقبلية
من المرجح أن يستمر بن جفير في تعظيم الأحداث الأمنية لصالحه سياسيًا، ودفع الخطاب نحو مزيد من الاستقطاب، ومحاولة إعادة تعريف “الأمن” كقضية داخلية يومية، فأسلوبه لايقوم على
تهدئة الأزمات، بل إدارتها بما يخدم صعوده.
التأثير على الأرض (Operational Impact)
-داخليًا: تشديد السياسات الأمنية وزيادة التوتر بين مكونات المجتمع.
-إقليميًا: تعقيد العلاقات مع الدول العربية ورفع احتمالات الاحتكاك.
-دوليًا: توتر مع الحلفاء الغربيين وضغط دبلوماسي متزايد.
الخلاصة
بن جفير يمثل تحولًا من “التطرف الاحتجاجي” إلى “التطرف الحاكم”، لكنه لايمثل مشروع “قائد دولة” حتى الآن، بل فاعل ضغط قوي داخل منظومة أكبر. هكذا ينظر إلى بن جفير على أنه ليس مجرد سياسي تقليدي، بل يمثل ظاهرة سياسية تعكس تحولات عميقة داخل المجتمع الإسرائيلي، تتمثل في انتقال اليمين المتطرف من الهامش إلى التأثير المباشر، ومؤشرًا على تصاعد النزعة القومية الدينية. على هذا النحو لا يُقاس التأثير الحقيقي لبن جفير فقط بمنصبه، بل بقدرته على تغيير الخطاب السياسي ودفع السياسات نحو مزيد من التشدد.
إيتمار بن جفير هو نتاج بيئة أيديولوجية متطرفة، ومستفيد من تحولات سياسية داخلية، ولاعب مؤثر في دفع السياسة الإسرائيلية نحو اليمين. مستقبله مرهون بثلاثة عوامل رئيسية: طبيعة الصراع الأمني، وتوازنات الائتلافات، والموقف الدولي من سياساته.

