عبدالله فارس القزاز .. باحث بوحدة الدراسات الإفريقية
أجرت وحدة الدراسات الأفريقية قراءة للمشهد الأفريقي خلال الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر، في ضوء أبرز التطورات التي شهدتها القارة وانعكاساتها على دوائر الأمن القومي المصري، حيث تناولت القراءة ثلاثة موضوعات رئيسية، تمثلت في تطورات التقارب السوداني الروسي، والتحركات السياسية والعسكرية في ليبيا في ظل التفاعلات الإقليمية والدولية، إلى جانب تطورات القدرات العسكرية الإثيوبية وانعكاساتها على توازنات القوى في منطقة القرن الأفريقي، وذلك في إطار رصد التحولات الجارية في محيط الدولة المصرية وتقدير تداعياتها المحتملة على مصالحها الاستراتيجية.
في 28 أكتوبر 2026، اتهم وزير الدفاع السوداني حسن داؤود كبرون أطرافًا خارجية بالمشاركة في الحرب من خلال تقديم الدعم العسكري واللوجستي لصالح الدعم السريع. وفي سياق متصل، بحث عبد الفتاح البرهان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال لقائهما في موسكو في 30 أكتوبر 2026، سبل تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري بين البلدين.
سياسيا :يعكس التقارب السوداني الروسي مساعي البرهان إلى إعادة ترتيب أوراق القوة الخارجية المحيطة بالأزمة، بما يحد من ارتباط قدرة القيادة السودانية على المناورة بمواقف العواصم الغربية أو الضغوط السياسية المرتبطة بمسار الحرب. وفي هذا السياق، تمثل العروض الاقتصادية والاستثمارية التي يطرحها السودان مدخلًا لتعزيز الحضور الروسي في بلد يمتلك موارد طبيعية مهمة وموقعًا استراتيجيًا على البحر الأحمر، في حين تسعى الخرطوم إلى توظيف الثقل السياسي والدبلوماسي لموسكو في توسيع خياراتها على الساحة الدولية. ومن هذه الزاوية ، يمكن النظر إلى هذا التحرك باعتباره محاولة لتقليص تأثير الضغوط الغربية، وتجنب الارتهان لمسار دولي واحد، من خلال بناء شبكة من المصالح المتبادلة التي تجعل استمرار الشراكة مع السودان ذا قيمة استراتيجية بالنسبة إلى الأطراف المعنية. إلا أن هذا التوجه يطرح معادلة معقدة؛ إذ إن تنويع الشراكات الخارجية قد يعزز استقلالية القرار السوداني إذا نجحت الخرطوم في إدارة علاقاتها بصورة متوازنة، لكنه قد يفضي في المقابل إلى إعادة إنتاج التبعية في صورة جديدة، إذا ارتبط الدعم الخارجي بالتزامات سياسية أو اقتصادية ممتدة. وفي المقابل، تعكس تصريحات وزير الدفاع محاولة لتدويل قضية الحرب على المستوى السياسي، وحشد التأييد لموقف الحكومة، بما يكشف عن تحرك القيادة السودانية عبر مسارين متوازيين، يتمثل أولهما في التأثير في البيئة الدولية المحيطة بالصراع، بينما يرتبط الأخر ببناء علاقات خارجية يمكن توظيفها في دعم قدرة الدولة على التعامل مع متطلبات المرحلة المقبلة. ومع ذلك، يظل نجاح هذه المقاربة مرهونًا بمدى قدرة الخرطوم على تحويل التقارب الدولي إلى نتائج ملموسة تسهم في استقرار الدولة، بدلًا من تحول السودان إلى ساحة إضافية للتنافس بين القوى الكبرى.
ولا تقتصر دلالات هذه التحركات على تعزيز العلاقات الثنائية بين الخرطوم وموسكو، بل تمتد لتشمل التنافس على مستقبل السودان وموقعه ضمن التوازنات الأفريقية والإقليمية، في ظل الأهمية المتزايدة للبحر الأحمر بوصفه مجالًا استراتيجيًا تتداخل فيه المصالح التجارية والعسكرية للقوى الدولية. فالمشروعات الاستثمارية المقترحة، حال تحولها إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ، قد تتيح للشركاء الخارجيين بناء مصالح ممتدة داخل الاقتصاد السوداني، بما يعزز قدرتهم على التأثير في توجهاته المستقبلية. وفي هذا الإطار، تكتسب تصريحات وزير الدفاع دلالة إضافية، باعتبارها تعكس تداخل مساعي الحد من التدخلات الخارجية مع التنافس على مصادر الدعم وأدوات التأثير في موازين القوة داخل السودان. وبالتالي ، تتمثل المعضلة الاستراتيجية أمام الخرطوم في كيفية توظيف التنافس الدولي للحصول على الدعم السياسي والاقتصادي، دون السماح بتحوله إلى عامل يسهم في إطالة أمد الحرب أو تقييد استقلال القرار الوطني. فإعادة بناء السودان لا ترتبط فقط باستعادة السيطرة العسكرية وتعزيز العلاقات الخارجية، وإنما تتطلب أيضًا التوصل إلى تسوية سياسية قابلة للاستمرار، وبناء مؤسسات وطنية قادرة على إدارة الموارد والعلاقات الدولية وفقًا لأولويات الدولة، بما يحول دون تحول الانفتاح الخارجي إلى مصدر جديد للانقسام وعدم الاستقرار.
مصريا : يمثل استقرار السودان أحد المصالح الاستراتيجية المباشرة لمصر، في ضوء الترابط الجغرافي والأمني بين البلدين، وارتباط التطورات داخل السودان بمجموعة من الملفات الإقليمية التي تتجاوز حدود الدولة السودانية. ويأتي الأمن المائي المصري في مقدمة هذه الملفات، بالنظر إلى الدور الذي يؤديه السودان في معادلة حوض النيل، وما يمثله استقرار مؤسساته وقدرتها على تبني مواقف متماسكة من عامل داعم لفرص التنسيق المصري السوداني بشأن سد النهضة وقواعد إدارة الموارد المائية المشتركة. وفي المقابل، فإن استمرار الحرب بين الدولة ومليشا الدعم السريع وتراجع قدرة الدولة السودانية على ممارسة دورها الإقليمي قد يضعفان مستوى التنسيق بين القاهرة والخرطوم، في مرحلة تتطلب قدرًا كبيرًا من التوافق بشأن الأمن المائي وتداعيات الإجراءات الأحادية على دولتي المصب. ولا يعني ذلك أن الأزمة السودانية تمثل العامل الوحيد المحدد لمسار ملف سد النهضة، لكنها تؤثر في البيئة السياسية والاستراتيجية التي تتحرك مصر في إطارها. ومن هذا المنطلق، فإن دعم استقرار السودان واستعادة مؤسساته الوطنية يندرج ضمن رؤية مصرية أوسع تستهدف حماية المصالح الحيوية للدولة، ولا يقتصر على التعامل مع التداعيات المباشرة للحرب على الحدود الجنوبية. كما يرتبط استقرار السودان بأمن البحر الأحمر، إذ إن استمرار الصراع وتعدد مراكز النفوذ الخارجي قد يؤديان إلى تصاعد مخاطر التهريب والاضطرابات الأمنية، فضلًا عن إتاحة المجال أمام نشوء ترتيبات إقليمية تؤثر في التوازنات البحرية ومصالح التجارة والملاحة المرتبطة بقناة السويس. وبناءً على ذلك، تتمثل المصلحة المصرية في الحيلولة دون تحول السودان إلى بؤرة ممتدة لعدم الاستقرار، والحفاظ على قدرته على الإسهام في حماية المصالح المشتركة لدول المنطقة.
وفي ضوء ذلك، يمكن لمصر توظيف علاقاتها مع روسيا لدعم مسار دبلوماسي يستهدف الحد من تصعيد الأزمة السودانية، والدفع نحو بلورة تفاهمات دولية وإقليمية تقوم على الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، واستعادة مؤسساته الوطنية، وتهيئة الظروف الملائمة لإنهاء الحرب. وتنبع أهمية هذا الدور بالنسبة إلى القاهرة من طبيعة علاقاتها بالأطراف المعنية، فضلًا عن إدراكها أن استمرار الصراع من شأنه تهديد الأمن الإقليمي وإضعاف قدرة السودان على التعامل مع الملفات المشتركة، وفي مقدمتها الأمن المائي وأمن البحر الأحمر. ويتسق هذا التوجه مع ثوابت الدبلوماسية المصرية المعلنة، التي تقوم على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ورفض التدخلات الخارجية التي تسهم في تأجيج النزاعات أو تقويض مؤسسات الدولة الوطنية. ويقتضي ذلك توجيه التحركات المصرية نحو دعم الحلول السياسية التي يقودها السودانيون، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، والعمل على تهيئة بيئة مواتية لوقف القتال وإعادة بناء مؤسسات الدولة، دون فرض ترتيبات تنتقص من استقلال القرار السوداني. وفي هذا السياق، يمكن أن يوفر الحوار مع موسكو قناة لتوضيح المصالح المصرية المرتبطة باستقرار السودان والبحر الأحمر، وتشجيع الفصل بين أوجه التعاون الاقتصادي المشروع وأي ترتيبات قد تؤدي إلى زيادة عسكرة المنطقة أو تعميق التنافس الدولي فيها ، إلا أن هناك تقارير تشير إلى رغبة موسكو في إنشاء قاعدة عسكرية بحرية في السودان، وهو ما يثير تحفظات القاهرة، التي ترفض عسكرة البحر الأحمر، كما تتحفظ على فتح المجال أمام مطالبات الدول الحبيسة بالحصول على منافذ بحرية على البحر الأحمر. وتضيف هذه التقارير بُعدًا آخر لفهم الرؤية المصرية تجاه التقارب السوداني الروسي، في ظل حرص القاهرة على الحفاظ على توازنات الأمن الإقليمي وضمان استقرار البحر الأحمر باعتباره أحد أهم الممرات الاستراتيجية في المنطقة.
في 28 أكتوبر 2026، أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تسلّم بلاده 12 مقاتلة روسية من طراز «سوخوي-35»، بالتزامن مع إعلان اعتزامها الحصول على أربع بطاريات من طراز «إس-400»، في ظل تصاعد المواجهات الداخلية وتجدد التوتر مع إريتريا، واستمرار المساعي الإثيوبية للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر.
عسكريا :لا يمكن النظر إلى حصول إثيوبيا على المقاتلات الروسية بمعزل عن طموحاتها الاستراتيجية للوصول إلى البحر الأحمر، إذ يتجاوز هذا الهدف الاعتبارات الاقتصادية المرتبطة بتقليص الاعتماد على موانئ الدول المجاورة، ليمتد إلى تعزيز مكانة أديس أبابا باعتبارها قوة إقليمية تسعى إلى التأثير في معادلات الأمن بالقرن الأفريقي. وفي هذا الإطار، فإن إصرار آبي أحمد على تأمين منفذ بحري، بالتوازي مع تدهور العلاقات مع إريتريا ، يعكس ارتباط تطوير القدرات العسكرية بمسعى أوسع يستهدف توسيع الخيارات الاستراتيجية الإثيوبية وتعزيز قدرتها على الردع والتفاوض. ولذلك ، فإن امتلاك مقاتلات متقدمة، إلى جانب التوجه نحو تطوير منظومات الدفاع الجوي، قد يمنح القيادة الإثيوبية أدوات إضافية لحماية مجالها الجوي ومنشآتها الحيوية، فضلًا عن رفع كلفة أي مواجهة محتملة. ومع ذلك، لا يعني تطوير القدرات العسكرية امتلاك إثيوبيا حقًا في الوصول إلى أراضي الدول الأخرى أو موانئها بالقوة، كما لا يمثل في حد ذاته دليلًا على وجود قرار باستخدام القوة لتحقيق هذا الهدف؛ إذ تظل مسألة الوصول إلى البحر الأحمر مرتبطة بمسارات التفاوض والاتفاقات، واحترام سيادة الدول الساحلية وهذا الأمر مرفوض من قبل الدول المطلة على البحر الأحمر وأي تحرك لأديس أبابا بعد اختراق لسيادة الدول والقانون الدولي.
وعلى المستوى الداخلي، يكتسب الإعلان عن الصفقة أبعادًا سياسية موازية، في ظل تجدد القتال في إقليم تيجراي، واستمرار التمرد المسلح في أمهرة وتصاعد التحالف ضد حكومة أبي أحمد ، وتصاعد التوتر مع إريتريا. ففي مثل هذه الظروف، يمكن للقيادة الإثيوبية توظيف الإنجازات العسكرية ذات القيمة الرمزية في ترسيخ صورة الدولة باعتبارها قوة قادرة على حماية سيادتها وتعزيز قدرتها على الردع، بما يدعم خطابها السياسي في مواجهة الأزمات الداخلية والانتقادات المرتبطة بالأمن والاستقرار. كما يوفر الإعلان عن تسلّم مقاتلات متقدمة خلال زيارة آبي أحمد إلى موسكو فرصة لإبراز قدرة الحكومة على بناء شراكات استراتيجية والحصول على أسلحة متطورة، رغم التحديات التي تواجهها. وعلية يمكن النظر إلى هذه الخطوة باعتبارها انعكاسًا لنمط محتمل في السياسة الإثيوبية يقوم على الربط بين الطموحات الخارجية والرسائل الموجهة إلى الداخل، بحيث تُوظَّف الإنجازات العسكرية والدبلوماسية في تعزيز صورة القيادة وتأكيد قدرتها على تحقيق أهداف وطنية كبرى. ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن الصفقة أُبرمت أساسًا لأغراض دعائية، أو أن توقيت الإعلان استهدف صرف الانتباه عن الأزمات الداخلية؛ إذ يُرجَّح أن للصفقة أبعادًا عسكرية واستراتيجية فعلية تتداخل مع توظيفها السياسي والإعلامي.
إقليما :تنبع أهمية هذا التطور بالنسبة إلى مصر من تزامن تحديث القدرات العسكرية الإثيوبية مع تصاعد طموحات أديس أبابا البحرية واستمرار الخلاف حول سد النهضة. فعلى الرغم من اختلاف طبيعة هذه الملفات، فإنها تتقاطع ضمن بيئة إقليمية تتزايد فيها حدة المنافسة على النفوذ والموارد والممرات الاستراتيجية. وفي هذا السياق، قد يؤدي تطوير القوات الجوية الإثيوبية إلى توسيع الخيارات العسكرية المتاحة أمام الإثيوبي، خصوصًا في ظل التوتر مع إريتريا، لكنه لا يعني بالضرورة حدوث تحول حاسم في ميزان القوى مع مصر، أو أن الصفقة ترتبط بخطط تستهدف مواجهة القاهرة. ومن ثم، تتمثل المصلحة المصرية في تقييم القدرات العسكرية التي تدخل الخدمة فعليًا، ومدى جاهزيتها التشغيلية، وانعكاساتها على الحسابات العسكرية الإقليمية، بدلًا من بناء التقديرات على عدد الطائرات المعلن وحده. وفي المقابل، فإن استمرار المساعي الإثيوبية للحصول على منفذ بحري قد يسهم في إعادة تشكيل طبيعة التوازنات المحيطة بالبحر الأحمر، لا سيما إذا تحول هذا المسعى إلى مصدر ضغط على إريتريا أو الصومال، بما قد ينعكس على أمن الملاحة والتحالفات الإقليمية، وهي ملفات ترتبط بصورة مباشرة بالمصالح المصرية في البحر الأحمر.
وعلى المستوى الداخلي، قد يدفع استمرار الصراعات الإثيوبية إلى تعزيز الخطاب القومي المرتبط بالسيادة والوصول إلى البحر، وتقديم تحديث القدرات العسكرية باعتباره مؤشرًا على استعادة الدولة لقوتها ومكانتها الإقليمية. وفي حال تداخل هذا الخطاب مع الضغوط الأمنية والاقتصادية والسياسية، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة الاعتماد على أدوات القوة في إدارة الخلافات الإقليمية، وإن ظل هذا المسار احتمالًا قائمًا وليس نتيجة حتمية. وبالنسبة إلى مصر، تبرز أهمية متابعة هذا التداخل بين الأزمات الداخلية والطموحات الخارجية، في ضوء ما قد يترتب على تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا من إعادة تشكيل للتحالفات في القرن الأفريقي، وزيادة احتمالات عدم الاستقرار بالقرب من البحر الأحمر. وبالتالي يتطلب التعامل المصري مع هذه التطورات الجمع بين حماية المصالح المائية عبر المسارات القانونية والدبلوماسية، وتعزيز التعاون مع الدول المعنية بأمن البحر الأحمر، ومتابعة التحولات العسكرية الإثيوبية، إلى جانب دعم الحلول السياسية التي تحول دون اتساع نطاق الصراعات الإقليمية. كما تقتضي هذه المقاربة أن يستند التقدير المصري إلى التمييز بين الخطاب السياسي الإثيوبي والقدرات العسكرية الفعلية والقرارات المتخذة على أرض الواقع، بما يضمن تجنب المبالغة في تقدير حجم التهديد، دون التقليل في الوقت ذاته من خطورة التحولات الاستراتيجية المتراكمة نظرا للدعم الخارجي الإسرائيلي لإثيوبيا في أواخر عام 2026.
في 25 أكتوبر 2026، زار صدام حفتر القاهرة، في أعقاب الرفض المصري لإقرار مذكرة التفاهم البحرية بين تركيا وليبيا. وفي اليوم نفسه، استقبل وكيل وزارة الدفاع الليبية، الفريق عبدالسلام الزوبي، وفدًا عسكريًا بريطانيًا برئاسة اللواء جون كلارك في طرابلس، لبحث سبل تعزيز التعاون الدفاعي والأمني بين البلدين.
استراتيجيا : تعكس زيارة صدام حفتر إلى القاهرة أهمية خاصة بالنظر إلى توقيتها، الذي جاء في أعقاب تحول لافت في موقف مجلس النواب الليبي بشرق البلاد تجاه مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وليبيا عام 2019. إذ يشير إقرار المذكرة إلى تغير في حسابات شرق ليبيا تجاه أنقرة، بعدما ارتبط هذا الطرف لسنوات بموقف رافض للاتفاق، في ظل علاقاته الوثيقة بالقاهرة. وعلية يطرح هذا التحول تساؤلات حول طبيعة التوازنات الجديدة داخل ليبيا، ومدى استعداد القوى المؤثرة في شرق البلاد لإعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية وفقًا لمصالحها السياسية والاقتصادية. وفي هذا السياق، تتيح زيارة صدام حفتر للقاهرة فرصة للحفاظ على قنوات التواصل مع أحد أبرز الفاعلين في شرق ليبيا، وتقييم انعكاسات التقارب الليبي التركي على المصالح المصرية، خصوصًا في ظل التداخل بين تطورات الملف الليبي والتنافس على النفوذ في شرق المتوسط.
ولا تقتصر أهمية الزيارة على الموقف من مذكرة التفاهم البحرية، بل تمتد إلى قدرة القاهرة على الحفاظ على حضورها المؤثر في المشهد الليبي، في ظل مساعي الأطراف المحلية إلى تنويع علاقاتها الخارجية والاستفادة من التنافس الإقليمي والدولي. فالتقارب مع تركيا لا يعني بالضرورة ابتعاد شرق ليبيا عن مصر، لكنه يعكس في الوقت ذاته أن حسابات القوى الليبية قد لا تتطابق بصورة دائمة مع الأولويات المصرية في مختلف الملفات ب . ولذلك، تبرز أهمية إدارة القاهرة لعلاقاتها مع الأطراف الليبية المختلفة من خلال الحوار وتنسيق المصالح، بدلًا من التعويل على الشراكات القائمة باعتبارها ضمانة لاستمرار التوافق بشأن القضايا الإقليمية الحساسة. وفي المقابل، يعكس استقبال وكيل وزارة الدفاع الليبية وفدًا عسكريًا بريطانيًا استمرار انفتاح المؤسسات التابعة لحكومة الوحدة الوطنية على تعزيز علاقاتها الدفاعية والأمنية مع القوى الدولية. ويكشف ذلك عن تعدد مسارات التعاون الخارجي داخل ليبيا، في ظل استمرار الانقسام المؤسسي والعسكري، بما يجعل بناء الشراكات مع الأطراف الليبية أحد أبعاد المشهد الأوسع للتنافس على النفوذ. مصريا :يمثل التحول في موقف شرق ليبيا من مذكرة التفاهم البحرية تحديًا للمصالح المصرية في شرق المتوسط، في ضوء اعتراض القاهرة على الاتفاق وما تعتبره مساسًا بحقوقها البحرية. وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية في ظل ما يمنحه إقرار المذكرة من جانب مجلس النواب الليبي للتقارب التركي الليبي من أبعاد سياسية جديدة، رغم استمرار الخلافات القانونية المتعلقة بالاتفاق وآثاره على الدول الأخرى. وفي هذا السياق، توفر زيارة صدام حفتر إلى القاهرة فرصة لمناقشة التطورات الليبية والإقليمية، والحفاظ على قنوات الاتصال مع القوى المؤثرة في شرق البلاد، بما يعزز فرص الحد من تباعد المواقف بين الجانبين. كما يتطلب التعامل المصري مع هذا الملف الجمع بين التحرك القانوني والدبلوماسي لحماية الحقوق البحرية، ومواصلة الحوار مع الأطراف الليبية المختلفة، بما يحول دون تطور الخلاف بشأن الاتفاق إلى أزمة أوسع تؤثر في العلاقات المصرية الليبية أو تحد من قدرة القاهرة على التأثير في مسار التسوية السياسية.
وعلى المستوى الأمني الأوسع، تفرض التحركات الدولية داخل ليبيا ضرورة متابعة طبيعة الشراكات الدفاعية التي تتشكل مع الأطراف الليبية المختلفة، وانعكاساتها المحتملة على توازنات القوة ومستقبل توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية. فاستمرار الانقسام الليبي يتيح تعدد قنوات التأثير الخارجي، وقد يسهم في ترسيخ ترتيبات أمنية متوازية يصعب دمجها ضمن مؤسسة وطنية موحدة. وبالنسبة إلى مصر، يرتبط استقرار ليبيا بصورة مباشرة بأمن الحدود الغربية، ومواجهة تهديدات التهريب والجماعات المسلحة، والحيلولة دون انتقال الاضطرابات إلى المجال الإقليمي. وفي هذا الإطار، لا يمثل التعاون العسكري الليبي البريطاني تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري في حد ذاته، وإنما تتحدد دلالاته وفقًا لطبيعة هذا التعاون وأهدافه ومدى إسهامه في دعم استقرار الدولة الليبية. وبالتالي تتمثل المصلحة المصرية في أن تسهم الشراكات الدولية في تعزيز مؤسسات الدولة والحفاظ على وحدة أراضيها، بدلًا من تكريس الانقسام أو تعميق التنافس بين مراكز القوة. وبناءً على ذلك، تظل الأولوية المصرية متمثلة في حماية مصالحها البحرية والأمنية، والحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الليبية المختلفة، ودعم تسوية سياسية تحافظ على سيادة ليبيا ووحدة مؤسساتها، بما يحد من احتمالات توظيف الانقسام الليبي في صراعات النفوذ الإقليمية والدولية.




