أ/ أحمد يحيى
باحث بوحدة الدراسات الإيرانية
وقعت كل من إيران والولايات المتحدة مذكرة تفاهم مؤلفة من 14 بنداً، والتي تعد واحدة من أكثر الاتفاقيات الدولية غرابة في الذاكرة الحديثة؛ إذ تفتقر صفحتاها إلى التفاصيل، فيما تمنح -بحسب ظاهرها- تنازلات أمريكية كبيرة ومسبقة لإيران مقابل فتح مضيق هرمز. (1)
تكمن ثلاثة أهداف رئيسية محتملة خلف توقيع الولايات المتحدة لمذكرة التفاهم:
- الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب، بسبب تكلفتها السياسية والاقتصادية.
- كسب الوقت في الطريق لجولة عسكرية جديدة أشد حدة بناء على دروس الجولة السابقة.
- إدارة لعملية تغيير النظام في إيران.
يتناول التحليل التالي الهدف الثالث، عبر محاولة استقراء المعالم الرئيسية لاستراتيجية الولايات المتحدة المحتملة لتحقيق هذا الهدف، وكذلك استراتيجية إيران المضادة، وذلك انطلاقا من فرضية رئيسية وهي أن ” تغيير النظام في إيران هو الهدف النهائي للولايات المتحدة”.
الاستراتيجية الأمريكية المحتملة:
من الممكن النظر إلى المسار التفاوضي في إطار أوسع وهو هدف تغيير النظام في إيران، وهنا تتسع الرؤية لتشمل العمل العسكري ومسار التفاوض كخط واحد متصل في ثنائية العصا والجزرة، لكن الهدف الرئيسي ليس تحصيل مكاسب و تنازلات، بل إدارة عملية تغيير النظام في إيران، وذلك عبر توجيه الضربات العسكرية ثم التفاوض تحت تأثير تلك الضربات داخل بنية النظام نفسه وكذلك تأثيرها على المجتمع وصورة السلطة داخليا، أي توسيع فجوات الخلافات بالأداة العسكرية ثم الضغط عبر تلك الفجوات بالأداة الدبلوماسية والشروط والمطالب الأمريكية، مع فواصل من الضربات العسكرية المحدودة خلال مسار التفاوض وسريان وقف إطلاق النار، بالإضافة إلى توظيف عملية التفاوض لقياس مدى الخلافات الداخلية وجدوى استراتيجية التغيير عبر هذا المسار من خلال قياس مدى التناقض بين الخطاب الإيراني في كل من الإعلام وطاولة المفاوضات، وكذلك سقف المقبول فيما يخص المطالب والشروط والتعديلات والتصريحات الأمريكية حول المفاوضات.
وفي هذا الإطار، حتى مكاسب إيران من التفاوض تكون إما وسيلة لتغليب رؤية معينة داخل إيران توافق الإرادة والمصالح الأمريكية، وكذلك تصعيد كوادر وقيادات تمثل تلك الرؤية من خلال قدرتها على تحقيق مكاسب لإيران بعيدا عن المسار المتشدد تجاه الولايات المتحدة، ما يمكن اعتباره تغييرا من وجهة النظر الأمريكية وإن كانت نتائجه لا تظهر في المدى القريب، أو تكون وسيلة لتوسيع فجوة الخلافات في سبيل التفكيك، وكلا الاحتمالين يحقق مصلحة أمريكية.
ملحوظات:
- سلوك الولايات المتحدة لهذا المسار المحتمل لتغيير النظام في إيران، قد يكون نتيجة لإعادة صياغة الاستراتيجية الأمريكية بعد تبين تكلفة إسقاط النظام عبر الأداة العسكرية فقط، أو أن هذه هي الاستراتيجية الأمريكية من البداية.
- يمكن تطعيم هذا المسار بعمليات داخل إيران في المنطقة الرمادية تحت عتبة الحرب.
- توظيف سلوك إسرائيل وحقيقة الخلاف معها، وكذلك ساحة لبنان ومسار التفاوض الإسرائيلي اللبناني، كعامل إرباك وتشويش للرؤية الإيرانية، وكذلك كمعزز للخلافات بين الأجنحة في إيران.
- في حال صعوبة تحقيق التغيير المرجو عبر هذا المسار، سيعتبر تهيئة لمسرح العمليات – خاصة في ساحة الداخل الإيراني – للجولة العسكرية القادمة.
الاستراتيجية الإيرانية المضادة:
لمواجهة الاستراتيجية الأمريكية المذكورة، تعمل إيران من خلال مسار التفاوض على إبعاد شبح العمل العسكري قدر الإمكان، مع الاستعداد له عبر كسب الوقت لترميم القدرات، بالإضافة إلى محاولة تحصيل مكاسب من التفاوض من خلال الإيهام بإمكانية تغيير سلوك النظام وفق الإرادة الأمريكية – دون نية حقيقية لذلك – إذا تم القبول بشروط إيرانية كمعزز لمسار التغيير الأمريكي المتصور، وأولى تلك الشروط هي صياغة البنود وضبط التصريحات بحيث يمكن وضعها في إطار السردية الإيرانية.
المحددات الرئيسية لنجاح الاستراتيجية الإيرانية:
- وجود رغبة حقيقية لدى الرئيس ترمب في الوصول لتسوية.
- رغبة الوسطاء وجهودهم للتوصل إلى اتفاق دائم ينهي الحرب.
- قدرة إيران على ضبط الخلافات الداخلية.
- قدرة إيران على قياس شروطها وتصريحاتها بصورة تعزز سرديتها لكن لا تدفع الموقف الأمريكي في اتجاه معاكس.
- قدرة إيران والوسطاء على تحييد التأثير الإسرائيلي.
- قدرة إيران على حسن توظيف أوراقها – خاصة مضيق هرمز – دون أن تتحول لأدوات تحفز مسار معاكس.
العوائق التي تواجه الاستراتيجية الإيرانية:
- غياب علي خامنئي، خاصة دوره كضابط للتوازنات الداخلية، مع عدم وضوح مدى قدرة نجله على القيام بنفس الدور.
- الادراك الأمريكي للاستراتيجية الإيرانية، قد يؤدي لعودة العمل العسكري، أو مط المسار التفاوضي بهدف زيادة الضغط على الخلاف الداخلي.
- التربص الإسرائيلي، في ظل عدم قناعة إسرائيل بجدوى أي محاولة لترويض سلوك النظام الإيراني.
- حالة الانكشاف الأمني والاختراقات في إيران، تعزز القدرة على كشف حقيقة النوايا الإيرانية، وكذلك كشف حقيقة ومدى الخلافات الداخلية، ما يعزز قدرة الولايات المتحدة على إدارة استراتيجيتها، وكذلك يعزز من قدرة إسرائيل على إفساد الاستراتيجية الايرانية بكشف حقيقتها
- الخلاصة:
- تواجه إيران محاولة تغيير قسرية محتملة عبر كل من العمليات العسكرية والتفاوض، تحت ضغط أزمة اقتصادية واجتماعية، وتأثير الضربات العسكرية الأمريكية – الإسرائيلية على القدرات العسكرية والبنية التحتية، بجانب ظهور بوادر خلافات داخل المستوى القيادي مع صعود متوقع – ظهرت إشاراته – لهيمنة الحرس الثوري، في ظل تأثير غياب مرشدها الأعلى الذي حكمها على مدار أكثر من ثلاثة عقود، والشكوك حول قدرة نجله على القيام بأدوار والده وقيادة البلاد في هذه الظروف الغير مسبوقة، في مواجهة تربص إسرائيلي، واحتمالية عودة العمليات العسكرية في ظل مفاوضات يصعب التوصل لتوافق نهائي فيها، بالإضافة إلى الخطر الأكبر وهو احتمالية حراك شعبي داخلي يهدد النظام.

