د. محمد محسن أبو النور
رئيس وحدة الدراسات الإيرانية
تحولت المواجهة بين إيران وإسرائيل من مجرد تبادل الضربات العسكرية أو العمليات الاستخبارية المباشرة، خلال السنوات الأخيرة إلى صراع متعدد المستويات والأدوات والساحات، يمتد من البحر الأحمر والخليج العربي إلى بلاد الشام وجنوب القوقاز، وفي هذا السياق، برزت جمهورية أذربيجان باعتبارها إحدى أهم حلقات التماس غير المباشر بين الطرفين، نظرًا لموقعها الجغرافي الحساس على الحدود الشمالية لإيران، وعلاقاتها المتنامية مع إسرائيل في المجالات العسكرية والأمنية والاقتصادية.
وقد أعادت التقارير الغربية الأخيرة بشأن وجود نشاط استخباري وعسكري إسرائيلي انطلاقًا من الأراضي الأذربيجانية إحياء النقاش حول ما يمكن تسميته بـ”العامل الأذربيجاني” في الصراع الإيراني ـ الإسرائيلي، ومدى قدرة تل أبيب على توظيف الجغرافيا والروابط القومية والاعتبارات الأمنية لتحويل هذه الساحة إلى نقطة ضغط دائمة على الأمن القومي الإيراني.
أولا: موقع أذربيجان في الصراع
كشفت تقارير إعلامي أمريكية أن إسرائيل نفذت خلال الحرب مع إيران انتشارًا سريًا لوحدات عسكرية واستخباراتية من النخبة داخل أراضي أذربيجان، في إطار شبكة مواقع عسكرية غير معلنة يُعتقد أنها امتدت عبر عدد من دول الشرق الأوسط، بهدف دعم العمليات الإسرائيلية ضد إيران وتعزيز قدرات الرصد والمراقبة في العمق الإيراني.
وبحسب التقرير الذي نشرته شبكة “سي إن إن” نقلا عن أربعة مصادر مطلعة، فإن هذه الوحدات عملت من مواقع متعددة في جنوبي أذربيجان بمحاذاة الحدود الإيرانية، حيث لا تبعد بعض النقاط سوى نحو 60 ميلاً عن مدينة تبريز الإيرانية، وهي منطقة شهدت نشاطًا عسكريًا خلال فترة الحرب، ما منح القوات الإسرائيلية قدرة مباشرة على متابعة التحركات داخل شمالي إيران وتنفيذ عمليات دعم استخباراتي ميداني.
التقرير قال إن القوات المنتشرة شملت وحدات كوماندوز إسرائيلية، إلى جانب عناصر من وحدات النخبة في العمليات الخاصة والإنقاذ الجوي، فضلاً عن أفراد من جهاز الاستخبارات الخارجية “الموساد”، حيث تولت هذه القوات مهام جمع معلومات استخباراتية دقيقة، وتشغيل طائرات مسيّرة، وتنسيق عمليات مراقبة ميدانية متقدمة.
وبحسب التقرير، مكّنت هذه الشبكة إسرائيل من تنفيذ عمليات متعددة الاتجاهات، ودعم الضربات الجوية وتوفير إنذار مبكر ضد إطلاق الصواريخ، إضافة إلى تحسين قدرات الاستطلاع في مناطق واسعة من الأراضي الإيرانية، ما يعني أن هذا الانتشار في أذربيجان لم يكن معزولًا، بل كان جزءًا من منظومة أوسع من المواقع السرية التي أنشأتها إسرائيل في عدد من الدول، وهو ما سمح بتموضع عسكري واستخباراتي يطوّق إيران من عدة جهات ويُوسّع نطاق عمليات الجيش الإسرائيلي خلال الحرب.
وفي المقابل، نفت أذربيجان بشكل قاطع هذه الاتهامات، حيث أكدت سفارتها في واشنطن رفضها التام لما وصفته بادعاءات غير صحيحة حول استخدام أراضيها في عمليات عسكرية ضد دول أخرى، مشددة على التزامها بعدم السماح باستخدام أراضيها كمنصة لعمليات تستهدف أطرافًا خارجية.
ثانيا: التوظيف الاستخباري الإسرائيلي لأذربيجان
تعتمد إسرائيل في مقاربتها تجاه إيران على إستراتيجية شد الأطراف القومية والإثنية، حيث تنظر إلى المكونات غير الفارسية باعتبارها نقاط ضغط محتملة على الدولة الإيرانية، خاصة أن كل هذه الأقليات موجودة على جيوب الدولة وليست في القلب منها، وفي هذا السياق، يحظى المكون الآذري بأهمية خاصة، ليس فقط بسبب حجمه الديموجرافي الذي يُقدّر بنحو 25 مليون نسمة داخل إيران، وإنما أيضا بسبب امتداده الثقافي واللغوي عبر الحدود مع جمهورية أذربيجان.
وتستثمر تل أبيب في تعزيز الروابط مع باكو وتوسيع التعاون الأمني والاستخباري معها، بما يتيح لها جمع معلومات عن الأوضاع الداخلية في المحافظات الآذرية الإيرانية، ومراقبة التحركات العسكرية والاقتصادية في الشمال الإيراني، ومن ذلك الاتفاق الأمني الأخير بتركيب أجهزة استخبارات وتنصت إسرائيلية على الحدود الإيرانية الأذربيجانية وينظر كثير من الإيرانيين أصلا إلى أذربيجان كونها معقل من معاقل الموساد الإسرائيلي بل إن مجتمع الخبراء في إيران يرى أن أذربيجان كانت منطلق عملية اغتيال الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي.
ومع ذلك، فإن الحديث عن قدرة إسرائيل على تحريك الشارع الآذري الإيراني بشكل واسع يظل مبالغا فيه، ذلك أن الغالبية الساحقة من الآذريين الإيرانيين مندمجون في بنية الدولة، ويشغلون مواقع مؤثرة في النظام السياسي والاقتصادي والعسكري، بما في ذلك المرشد الأعلى نفسه علي خامنئي ذي الأصول الآذرية، والرئيس مسعود بزشكيان ذي الأصول الأذرية كذلك، لكن هذا لا يمنع أن تشكل البيئة الحدودية مجالًا مناسبًا للعمليات الاستخبارية والتجنيد وجمع المعلومات خلال حالة الصراع المزمن بين طهران وتل أبيب.
ثالثا: تبادل المنافع الجيوسياسية بين تل أبيب وباكو
تحصل أذربيجان على مكاسب جيوسياسية واستراتيجية متعددة من علاقتها الوثيقة بإسرائيل، وهي كالتالي:
أ ــ الحصول على منظومات تسليح متقدمة، حيث أصبحت إسرائيل أحد أكبر موردي السلاح لباكو، ولعبت هذه الأسلحة دورًا بارزًا في حرب ناجورنو كاراباخ الأخيرة.
ب ــ تستفيد أذربيجان من التكنولوجيا الإسرائيلية في مجالات الطائرات المسيّرة والأمن السيبراني والاستخبارات الإلكترونية.
ج ــ توفر إسرائيل نافذة تأثير مهمة داخل دوائر صنع القرار الغربية، وخاصة في الولايات المتحدة، حيث تسعى باكو إلى تحسين صورتها وحماية مصالحها في مواجهة الضغوط المتعلقة بحقوق الإنسان أو النزاعات الإقليمية.
دــ البعد الاقتصادي إذ لا تقتصر العلاقات الأذرية ـ الإسرائيلية على البعد العسكري والأمني، إذ تمثل أذربيجان أحد أهم موردي النفط لإسرائيل، الأمر الذي أضفى على العلاقة بعدًا اقتصاديًا واستراتيجيًا إضافيًا، وجعلها أكثر رسوخًا من أن تُختزل في التعاون الاستخباري وحده.”
هـ ــ تمنح أذربيجان لإسرائيل موقعًا جغرافيًا بالغ الحساسية على حدود إيران الشمالية، وهو ما يرفع من قيمتها الاستراتيجية في الحسابات الإسرائيلية ويجعل العلاقة بين الطرفين أقرب إلى شراكة جيوسياسية طويلة الأمد منها إلى مجرد تعاون ثنائي عابر.
رابعا: الموقف الإيراني المحتمل
تتبنى إيران مقاربة مركبة لمواجهة الحضور الإسرائيلي المتنامي في أذربيجان، ويمكن إجمالها فيما يلي:
أـ تعزيز انتشارها الأمني والاستخباري في المحافظات الشمالية الغربية، وتكثيف الرقابة على الشبكات العابرة للحدود.
ب ــ العمل على تفكيك أي خلايا تجسس أو شبكات يُشتبه في ارتباطها بإسرائيل.
ج ــ استخدام أدوات الردع السياسي والعسكري عبر إجراء مناورات عسكرية قرب الحدود الأذرية وتوجيه رسائل مباشرة إلى باكو بشأن “الخطوط الحمراء” الإيرانية.
د ـ محاولة احتواء النزعات القومية الآذرية عبر التأكيد على الهوية الوطنية الجامعة وإبراز الدور التاريخي للآذريين في بناء الدولة الإيرانية.
هــ ــ توثيق تعاونها مع أرمينيا كأداة لتحقيق توازن استراتيجي في مواجهة التقارب الأذري الإسرائيلي، مع الحرص في الوقت نفسه على عدم الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع باكو قد تخدم المصالح الإسرائيلية.
و ـ تعميق التخوف من مشروع “أذربيجان الكبرى” ففي العقل الاستراتيجي الإيراني لا يُنظر إلى الخطر الإسرائيلي منفصلًا عن صعود النزعة القومية التركية ـ الأذرية في جنوب القوقاز، بحيث وتزداد الحساسية الإيرانية تجاه العلاقة الأذرية ـ الإسرائيلية بسبب اقترانها أحيانًا بخطابات قومية تتحدث عن “أذربيجان الكبرى”، وهي أطروحات تنظر إليها طهران باعتبارها تهديدًا مباشرًا لوحدة أراضيها، حتى وإن كانت لا تحظى بتأييد واسع داخل المجتمع الآذري الإيراني.
خامسا: العمق الآذري في المنظور الإيراني
حتى الآن، لا تبدو فرص نجاح إسرائيل في تحويل الورقة الآذرية إلى تهديد وجودي لوحدة إيران كبيرة، وذلك بناء على الروافع التالية:
أــ التجربة التاريخية تشير إلى أن الآذريين الإيرانيين كانوا جزءًا أصيلًا من النخبة الحاكمة ومن مؤسسات الدولة منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية وقبلها.
ب ـ الروابط الدينية والمذهبية بحيث لا تزال بين آذريي إيران والدولة الإيرانية أقوى من الاعتبارات القومية العابرة للحدود في معظم الحالات.
ومع ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية هذه الورقة في إطار حرب الاستنزاف طويلة المدى بين إيران وإسرائيل، إذ قد تستخدمها تل أبيب لإرباك البيئة الأمنية الإيرانية واستنزاف مواردها الاستخبارية وإثارة مخاوف دائمة لدى صانع القرار الإيراني.
ومن ثم فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في احتمال انفصال المناطق الآذرية أو انهيار وحدة الدولة، بل في قدرة إسرائيل على توظيف هذه الساحة كأداة ضغط إضافية ضمن شبكة أوسع من الضغوط الأمنية والاقتصادية والإقليمية المفروضة على إيران.
خاتمة
تحولت أذربيجان خلال العقدين الأخيرين من مجرد دولة مجاورة لإيران إلى متغير استراتيجي مؤثر في معادلة الصراع الإيراني ـ الإسرائيلي، ليس بسبب قدراتها الذاتية فحسب، وإنما بسبب الموقع الذي تحتله في الحسابات الأمنية للطرفين، إذ تنظر إسرائيل إلى باكو باعتبارها نافذة متقدمة على العمق الإيراني ومنصة مهمة للرصد والاحتواء والضغط، بينما ترى طهران في التقارب الأذري ـ الإسرائيلي أحد أخطر التحديات الأمنية على حدودها الشمالية.
ومع ذلك، فإن الرهان الإسرائيلي على توظيف العامل الآذري يظل محكومًا بقيود بنيوية مهمة، في مقدمتها اندماج الآذريين الإيرانيين في الدولة والمجتمع، وضعف فرص تحول النزعة القومية إلى مشروع انفصالي واسع النطاق.
ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية للورقة الأذرية بالنسبة لتل أبيب لا تكمن في قدرتها على تفكيك إيران، وإنما في تحويل حدودها الشمالية إلى ساحة استنزاف استخباري وأمني مستمر، بما يفرض على صانع القرار الإيراني تخصيص موارد إضافية لحماية جبهته الداخلية، ويجعل العامل الأذربيجاني أحد الملفات المرشحة للبقاء في قلب التنافس الإيراني ـ الإسرائيلي خلال السنوات المقبلة.

