عبدالله فارس القزاز
شهدت القارة الأفريقية خلال أغسطس 2026م تحركات متزايدة في مجال التعاون الدفاعي والأمني، عكست سعي عدد من الدول إلى تطوير علاقاتها العسكرية والأمنية مع شركاء إقليميين ودوليين، في ظل بيئة أمنية تتسم بتعدد التهديدات وتداخل أبعادها الداخلية والإقليمية. وفي هذا السياق، تبرز تحركات إثيوبيا مع الولايات المتحدة، والصومال مع التحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب، بما تعكسه من أنماط مختلفة للتعاون تتراوح بين بناء الشراكات الاستراتيجية وتعزيز القدرات في مجال مكافحة الإرهاب. وتعكس هذه التحركات اتجاهًا أوسع نحو إعادة بناء القدرات الأمنية وتنويع الشراكات الدفاعية، بما قد يسهم تدريجيًا في التأثير في طبيعة العلاقات الأمنية وموازين القوى داخل القارة. ومن هذا المنطلق، تتناول هذه الورقة دوافع هذه التحركات وأبعادها الاستراتيجية والقدراتية، وانعكاساتها المحتملة على البيئة الميدانية .
إثيوبيا والولايات المتحدة: تطوير التعاون الدفاعي والأمني إلى شراكة استراتيجية
خلال الفترة من 19 إلى 20 أغسطس 2026م، أجرى وفد عسكري إثيوبي رفيع المستوى برئاسة اللواء الركن تِشومي جِمِتشو، المدير العام للعلاقات الخارجية والتعاون العسكري بوزارة الدفاع الإثيوبية، مشاورات ثنائية في البنتاجون مع مسؤولين وقيادات بوزارة الدفاع الأمريكية. وانتهت المشاورات إلى اتفاق بين الجانبين على إقامة تعاون استراتيجي شامل في مجالي الدفاع والأمن، مع التركيز على توسيع التعاون بين المؤسسات الدفاعية وتعزيز التنسيق الاستراتيجي. وأكد الجانب الإثيوبي أن التعاون يستهدف حماية المصالح الوطنية والمنافع المتبادلة، وتعزيز الثقة، ودعم السلام والأمن والاستقرار في القرن الأفريقي .وتكمن أهمية الاتفاق في أنه يرفع العلاقة الدفاعية بين البلدين إلى إطار استراتيجي أوسع، بدلًا من اقتصارها على برامج أو اتصالات عسكرية منفردة. كما أن توقيته مهم؛ إذ يأتي في مرحلة تسعى فيها إثيوبيا إلى إعادة ترتيب علاقاتها الخارجية والأمنية بالتوازي مع التحولات الجيوسياسية في القرن الأفريقي. وفي المقابل، فإن ما أُعلن حتى الآن يتعلق أساسًا بالإطار المؤسسي والاستراتيجي للتعاون، وليس باتفاق تسليحي محدد أو التزام أمريكي معلن بنشر قوات أو إنشاء قاعدة عسكرية، ولذلك فإن القيمة المباشرة للاتفاق تتمثل في إعادة بناء قناة دفاعية مؤسسية بين البلدين.
على المستوى الاستراتيجي
بالنسبة لإثيوبيا: يمثل رفع مستوى التعاون مع الولايات المتحدة محاولة لتوسيع خياراتها الاستراتيجية في بيئة إقليمية شديدة التعقيد. فموقع إثيوبيا في قلب القرن الأفريقي، وارتباط أمنها بقضايا الحدود والبحر الأحمر والصومال والسودان بالإضافة إلي التوترات الداخلية وتحالفات بين الإقليم يضيف بعد آخر على حكومة أبي أحمد، يجعل بناء علاقات مستقرة مع القوى الدولية ذات الحضور الإقليمي عنصرًا مهمًا في حساباتها. ومن هذه الزاوية، فإن إعادة تفعيل قناة دفاعية رفيعة المستوى مع واشنطن تمنح أديس أبابا قدرة أكبر على التواصل مع قوة تمتلك نفوذًا عسكريًا واستخباراتيًا ودبلوماسيًا واسعًا في المنطقة. ولا يعني ذلك بالضرورة تحول إثيوبيا إلى محور أمريكي، بل يشير بصورة أكبر إلى محاولة توسيع هامش الحركة الاستراتيجية من خلال الحفاظ على علاقات دفاعية مع قوة دولية رئيسية.
بالنسبة للولايات المتحدة: همية إثيوبيا تتجاوز مجرد التعاون الثنائي ، حيث تمثل أديس أبابا ورقة سياسية واستراتيجية يمكن لواشنطن توظيفها لتحقيق أهدافها في المنطقة، مستغلةً في ذلك حاجة إثيوبيا الماسّة لشريك دولي قوي يوازن الضغوط الناتجة عن التحالفات الإقليمية والداخلية في إثيوبيا “تحالف فانو مع قوة من إقليم التجراي وجماعات أخري”، وعن تصاعد التوترات الحدودية مع إريتريا والسودان. وعليه، فإن بناء علاقة دفاعية مؤسسية ومستقرة يمنح واشنطن قناة مباشرة للتأثير في إحدى أهم القوى الإقليمية. كما أن تأطير هذا التعاون تحت مظلة ‘السلام والأمن’ يشير إلى رغبة الطرفين في التعامل ضمن نطاق أوسع في القرن الأفريقي. ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في اعتبار هذه الخطوة عودة كاملة للتحالف التاريخي، فالإعلان يثبت رفع مستوى التنسيق، لكنه لا يحسم بعد حجم الالتزامات الأمريكية الجديدة أو طبيعة الأدوات الميدانية المخصصة لها. ويعكس التقارب الأميركي الاثيوبي أيضاً رغبة واشنطن فى توازن علاقتها بمنطقة القرن الافريقى نظرا للتقارب الأمريكي الإريتري الأخير.
القيمة الأساسية للاتفاق: تتمثل في إعادة بناء البنية المؤسسية للتعاون الدفاعي. فالإتفاق لا يركز فقط على علاقة بين مسؤولين سياسيين، وإنما جاء نتيجة مشاورات مباشرة بين مؤسستى الدفاع، وهو ما يتيح تطوير قنوات الاتصال والتنسيق وتبادل الخبرات والتدريب والتخطيط العسكري. وهذه النقطة مهمة بالنسبة لإثيوبيا؛ لأن تطوير القوة العسكرية لا يرتبط فقط بحجم المعدات، وإنما كذلك بقدرة المؤسسة العسكرية على التخطيط وإدارة الموارد والتدريب والتنسيق بين مكوناتها. ومن ثم، فإن أي تعاون أمريكي مستمر في هذه المجالات يمكن أن يؤثر في جودة المؤسسة العسكرية الإثيوبية على المدى المتوسط أكثر مما قد يحققه توريد منفرد لمعدات عسكرية. وتوجد بالفعل سابقة للتعاون العملي بين القوات الأمريكية والإثيوبية؛ ففي يوليو 2026م استضافت إثيوبيا المؤتمر الأفريقي الأول للوجستيات والاتصالات العسكرية بالتعاون مع القيادة الأمريكية في أفريقيا، وشارك فيه عسكريون من دول أفريقية إلى جانب الولايات المتحدة، مع التركيز على تطوير القدرات اللوجستية والاتصالات. وهذا يعني أن الاتفاق الجديد لا ينشئ بالضرورة علاقة عسكرية من الصفر، وإنما يمكن أن يوفر إطارًا أوسع لتطوير مسارات تعاون كانت قائمة بالفعل. ومن الناحية الإثيوبية، تكمن أهمية هذا المسار في إمكانية تحويل التعاون الخارجي من دعم منفصل إلى بناء قدرة مؤسسية تراكمية. فإذا ارتبطت المشاورات الاستراتيجية ببرامج تدريب وتبادل خبرات واتصالات ولوجستيات وتخطيط، فإن الأثر لا يقتصر على عملية أو وحدة عسكرية محددة، وإنما يمتد إلى طريقة إدارة المؤسسة العسكرية نفسها. وفي المقابل، تستفيد الولايات المتحدة من وجود قنوات اتصال مباشرة مع مؤسسة الدفاع الإثيوبية، بما يسمح لها التعرف بشكل أفضل على التحولات الأمنية والعسكرية داخل الدولة والمنطقة.
تأثير الاتفاق ميدانياً: لن يكون التأثير آليًا، إذ يتوقف على سرعة تنفيذ الأطر التي اتفق عليها الطرفان، وعلى مدى استمرار التعاون، وقدرة الجيش الإثيوبي على استيعاب الخبرات الخارجية وتحويلها إلى إجراءات وممارسات داخلية. كما أن طبيعة العلاقة الأمريكية مع المؤسسة العسكرية الإثيوبية ستظل مرتبطة بالحسابات السياسية وملفات حقوق الإنسان والصراعات الداخلية، وهو ما يمكن أن يفرض حدودًا على مستوى التعاون في بعض المجالات. لذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا في المرحلة الأولى هو التوسع التدريجي في التعاون المؤسسي والتدريبي قبل الوصول إلى أي مستوى أعلى من التعاون العملياتي؛ وبالتالي فإن الأثر الميداني المباشر للاتفاق لا يزال يحتاج إلى مؤشرات تنفيذية لاحقة حتى يمكن تقييمه بصورة دقيقة.
لهذا يمثل الاتفاق تحولًا مهمًا في مستوى العلاقة الدفاعية بين إثيوبيا والولايات المتحدة أكثر من كونه تحولًا في القدرات العسكرية الإثيوبية بحد ذاته. فإثيوبيا تحصل على قناة مؤسسية أوسع للتعاون مع قوة دولية رئيسية، بينما تستعيد الولايات المتحدة قناة دفاعية مباشرة مع دولة ذات أهمية في القرن الأفريقي.
وتكمن القيمة الاستراتيجية الحقيقية في إمكانية تحويل هذا الإطار إلى تعاون طويل الأمد في التدريب وبناء القدرات والتنسيق الأمني، ما يمنح الطرفين أدوات أكبر للتعامل مع البيئة الأمنية الإقليمية. وفي المقابل، فإن وصف الاتفاق بأنه تحول كامل في موازين القوى أو بداية تحالف عسكري أمريكي إثيوبي سيكون أكبر من الأدلة المتاحة حاليًا. فالمعلن حتى الآن يثبت إنشاء إطار للتعاون الاستراتيجي، لكنه لا يثبت صفقة تسليح، أو وجودًا عسكريًا أمريكيًا جديدًا، أو التزامًا عملياتيًا مشتركًا. ولذلك، فإن المؤشر الأهم خلال المرحلة المقبلة سيكون كيفية ترجمة الإطار السياسي إلى برامج دفاعية فعلية؛ فإذا توسعت التدريبات وبناء القدرات والتنسيق العسكري، يمكن عندها اعتبار الاتفاق بداية تحول فعلي في العلاقة، أما إذا ظل في حدود المشاورات والتنسيق السياسي، فستبقى أهميته الأساسية مؤسسية واستراتيجية أكثر منها ميدانية.

زيارة الأمين العام للتحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب إلى الصومال
وصل الأمين العام للتحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب، اللواء الركن محمد بن سعيد المجيدي، إلى مقديشو في 21 أغسطس 2026م في زيارة رسمية، لبحث تعزيز التعاون مع المؤسسات الصومالية في مجال مكافحة الإرهاب، وتبادل الخبرات والمعلومات، ودعم قدرات الأجهزة الأمنية. ويضم التحالف العسكرى الذى تأسس فى الرياض عام 2015م نحو 41 دولة اسلامية ويعمل على مكافحة الفكر المتطرف وأنشطته، وتزامنت الزيارة مع إطلاق مبادرة “إعلاميو السلام” في مقديشو في 22 أغسطس، بحضور وزير الدفاع الصومالي وعدد من المسؤولين الحكوميين والأمنيين والعسكريين، بهدف تطوير قدرات الإعلام الصومالي في مواجهة الخطاب المتطرف، وخطاب الكراهية والتضليل، والدعاية الإرهابية في المجال الرقمي. ويعكس ذلك انتقال التعاون من مستوى التواصل السياسي والأمني إلى برامج عملية لبناء القدرات، مع التركيز على الجانب المعلوماتي والإعلامي في مكافحة الإرهاب.
وتكتسب هذه النقطة أهمية في الحالة الصومالية تحديدًا؛ لأن مواجهة الجماعات المسلحة لا ترتبط بالعمليات العسكرية وحدها، وإنما تشمل أيضًا قدرتها على التجنيد والتعبئة ونشر الدعاية واستغلال البيئة الرقمية؛ وبالتالي فإن تطوير أدوات وطنية للتعامل مع هذه الجوانب يمكن أن يمثل مكوّنًا داعمًا للجهد الأمني والعسكري الصومالي.
وتأتي الزيارة، على المستوى الاستراتيجي، ضمن اتجاه صومالي أوسع نحو توسيع شبكة الشراكات الأمنية والدفاعية، بدلًا من حصر عملية بناء القدرات في شريك واحد. ويتضح ذلك من استمرار التعاون العسكري مع كل من مصر وتركيا، بالتوازي مع تعزيز التعاون الدفاعي مع باكستان، بينما يمثل التحالف الإسلامي مسارًا مختلفًا يركز بدرجة أكبر على مكافحة الإرهاب وبناء القدرات المرتبطة به. ومن ثم، فإن أهمية التحرك لا تكمن في الزيارة منفردة، وإنما في موقعها داخل سياسة صومالية أوسع تستهدف الحصول على أدوات وخبرات متعددة لمواجهة التهديدات الأمنية. ويمنح هذا النهج مقديشو مساحة أوسع لتوزيع احتياجاتها الأمنية بين شركاء مختلفين؛ فتركيا توفر مسارًا عسكريًا وتدريبيًا، وباكستان تضيف بعدًا دفاعيًا جديدًا، بينما يركز التحالف الإسلامي على مكافحة الإرهاب والجوانب الفكرية والإعلامية والمعلوماتية غير أن تعدد الشركاء لا يتحول تلقائيًا إلى قوة استراتيجية؛ إذ تظل قدرة الدولة الصومالية على دمج هذه المسارات داخل مؤسسات وطنية موحدة هي العامل الحاسم. فإذا ظلت الخبرات والبرامج مرتبطة بكل شريك بصورة منفصلة، فإن أثرها سيكون محدودًا، أما إذا نجحت مقديشو في استيعابها ضمن منظومة أمنية وطنية، فإن تنوع الشراكات يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة واستقلالية أكبر في مواجهة الإرهاب.
يرتبط التعاون مع التحالف الإسلامي بصورة أساسية بتطوير القدرات المؤسسية والمعلوماتية. وتكشف مبادرة “إعلاميو السلام” عن التركيز على تمكين الإعلاميين من التعامل مع الخطاب المتطرف والتضليل والدعاية الإرهابية في الفضاء الرقمي، ما يضيف بُعدًا وقائيًا إلى مكافحة الإرهاب. فالجماعات المسلحة لا تعتمد فقط على وجودها الميداني، وإنما تحتاج إلى بيئة تسمح لها بالتجنيد والتعبئة والحفاظ على حضورها المجتمعي؛ وبالتالي فإن تطوير قدرة المؤسسات الوطنية على مواجهة هذه الأدوات يمكن أن يقلل من إحدى آليات استمرار النشاط الإرهابي. كما أن هذا المسار يمكن أن يتكامل مع برامج بناء القدرات العسكرية التي تحصل عليها مقديشو من شركاء آخرين. وهنا تظهر أهمية تنويع التعاون، فالتدريب العسكري والدعم الدفاعي يعالجان جانب القوة الصلبة، بينما يركز التعاون في مكافحة التطرف على البيئة المعلوماتية والفكرية المحيطة بالتهديد. وإذا تمكنت المؤسسات الصومالية من دمج هذه الخبرات، فقد تنتقل تدريجيًا من الاعتماد على الدعم الخارجي في تنفيذ المهام إلى امتلاك قدرات وطنية أكثر استدامة.
وتتمثل القيمة الميدانية المحتملة للتعاون في دعم البيئة التي تعمل فيها القوات والأجهزة الأمنية الصومالية، وليس في إضافة قوة قتالية مباشرة. فتطوير القدرة على مواجهة الدعاية والتجنيد والتضليل يمكن أن يدعم الجهد العسكري من خلال الحد من قدرة الجماعات الإرهابية على استقطاب عناصر جديدة والحفاظ على شبكتها الاجتماعية، ما يجعل مكافحة الإرهاب عملية متعددة المستويات تجمع بين الضغط الأمني والتعامل مع مصادر القدرة على الاستمرار. وتزداد أهمية هذا المسار مع استمرار مقديشو في توسيع علاقاتها الدفاعية والأمنية؛ لأن تراكم التدريب وبناء القدرات والخبرات من عدة شركاء يمكن أن يرفع تدريجيًا قدرة المؤسسات الصومالية على إدارة المواجهة. لكن الأثر الميداني الحقيقي سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الدولة على تحويل التعاون الخارجي إلى أداء مؤسسي وعملياتي مستدام؛ فالقيمة الاستراتيجية لا تنتج من تعدد الشركاء في حد ذاته، وإنما من قدرة الصومال على استيعاب ما يقدمونه وتحويله إلى قدرة وطنية قابلة للاستمرار.

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version