د. محمد محسن أبو النور
رئيس وحدة الدراسات الإيرانية
في وقت متأخر من مساء السبت 7 نوفمبر 2026م، أفاد مراسل هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية بسماع دوي انفجارات في جزيرتي “قشم” و”سيريك” وميناءي “جاسك” و”بندر عباس”، وقال إن هذه الأصوات قد تكون ناجمة عن أنشطة القوات المسلحة في مضيق هرمز، غير أن القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” أعلنت أنها أوقفت حركة سفينة الشحن “هودا” في بحر عُمان، بعد محاولات عدة لانتهاك الحصار البحري المفروض على إيران، وذلك بإطلاق النار عليها من طائرة عسكرية.
ولقد أثار تأخر استئناف العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران تساؤلات بشأن حسابات واشنطن وحدود قدرتها على توظيف التفوق العسكري لتحقيق أهداف سياسية، وبين اعتبارات الهزيمة هزيمة الجمهوريين وفوز الديمقراطيين بالانتخابات الأمريكية، يوم الثلاثاء 3 نوفمبر 2026م، ومخاطر اتساع المواجهة، والتحركات الدبلوماسية الإقليمية، تتحدد ملامح القرار الأمريكي بين استئناف الضربات والإبقاء على الضغط العسكري والتفاوضي، أخذا في الاعتبار أن السؤال الذي بات يسأل في إيران ليس هل تتجدد الحرب الأمريكية على إيران أم لا؟ بل متى تتجدد تلك الحرب.
أولا: الانتخابات الأمريكية وحسابات الحرب المؤجلة
لا يمكن تفسير تأخر استئناف العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران باعتباره تراجعا عن استخدام القوة، كما لا يصح التعامل مع الحشد العسكري في الشرق الأوسط بوصفه دليلا كافيا على اقتراب الهجوم، لأن الفارق بين امتلاك القدرة على الحرب واتخاذ قرار استخدامها يظل محكوما بحسابات سياسية وعسكرية واقتصادية متداخلة، تتقدمها في المرحلة الراهنة انتخابات التجديد النصفي الأمريكية 3 نوفمبر 2026، وما يمكن أن تفرضه نتائجها على الرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري إثر هزيمة حزبه أمام الديمقراطيين.
وقد نقلت وكالة أسوشيتد برس الأمريكية في 8 أكتوبر 2026م، أن ترامب استبعد استئناف الهجمات قبل الانتخابات، وربط موقفه باستمرار ما وصفه بالمناقشات المثمرة مع طهران، وفي 22 أكتوبر 2026م، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي الموقف نفسه في تصريح نقلته شبكة إيه بي سي نيوز، بالتزامن مع تقارير عن إعداد خطط أمريكية إسرائيلية لاستئناف الضربات بعد الانتخابات.
وفي الواقع لا تنفصل هذه الحسابات عن الضغوط الاقتصادية الداخلية، إذ تؤثر أسعار الوقود والطاقة وتكاليف المعيشة في اتجاهات الناخبين الأمريكيين، بينما يهدد تجدد الحرب برفع أسعار النفط وتكاليف النقل والتأمين البحري، فضلا عن احتمال اضطراب الإمدادات العالمية في هذا المضمار.
وفي صباح السبت 31 أكتوبر 2026، أفادت شبكة سي بي إس نيوز بأن خام برنت سجل 117 دولارا للبرميل في التعاملات المبكرة، وسط مخاوف متزايدة بشأن الإمدادات وتداعيات الأزمات الجيوسياسية.
وبذلك، فإن تأجيل الهجوم قبل الانتخابات منح الإدارة الأمريكية فرصة لتجنب تحمل مسؤولية موجة جديدة من التضخم، أو الدخول في مواجهة عسكرية يصعب تحديد مدتها ونتائجها قبل اتضاح اتجاهات التصويت، ولا يعني ذلك أن الاعتبارات الانتخابية تفسر القرار كله، لكنها توفر سببا مباشرا لتقييد توقيت استخدام القوة، حتى مع استمرار الاستعداد العسكري.
ويكشف هذا المسار عن مفارقة في إستراتيجية ترامب، ذلك أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى إبقاء التهديد العسكري قائما لزيادة الضغط على طهران، لكنها لا تريد بالضرورة تحمل تكاليف تنفيذه في توقيت حساس داخليا، ومن ثم، يمكن أن يكون تأجيل الضربات جزءا من إدارة التصعيد وليس نقيضا لها، إذ يسمح لواشنطن بالحفاظ على عنصر المفاجأة، وإجبار إيران على احتساب احتمال الهجوم في قراراتها السياسية والاقتصادية، مع تجنب إغلاق المسار الدبلوماسي قبل استنفاد فرصه، غير أن هذا التفسير لا يثبت أن قرارا نهائيا بالهجوم قد اتخذ بالفعل، لأن التقارير المتعلقة بالخطط العسكرية تشير إلى خيارات قيد الإعداد، لا إلى موعد مؤكد لبدء العمليات.
ثانيا: المعضلة العسكرية وحدود تحويل التفوق إلى حسم سياسي
تواجه الولايات المتحدة معضلة تتجاوز مسألة القدرة على توجيه ضربات جديدة إلى تحديد ما الذي يمكن أن تحققه هذه الضربات بعد شهور من المواجهة، فمنذ بدء العمليات الأمريكية الإسرائيلية في 28 فبراير 2026، تعرضت منشآت نووية وعسكرية إيرانية لضربات واسعة، وقُتل المرشد الإيراني علي خامنئي، وتعرضت القدرات العسكرية الإيرانية لخسائر كبيرة، ومع ذلك، لم يؤد التفوق الجوي والتكنولوجي إلى تسوية سياسية مستقرة، كما ظلت ملفات البرنامج النووي ومضيق هرمز والعقوبات الاقتصادية موضع خلاف.
ويشير تقرير خدمة أبحاث الكونجرس الأمريكي الصادر في 20 أكتوبر 2026م، إلى استمرار المواجهة بدرجات متفاوتة، مع تباين التقارير بشأن ما تبقى لإيران من قدرات صاروخية ومسيّرة، وهو ما يجعل تقدير نتائج جولة عسكرية جديدة أكثر تعقيدا من مجرد حصر الأهداف التي يمكن قصفها.
وفي المقابل، لا تقتصر المخاطر الأمريكية على الخسائر المحتملة في القوات والمنشآت، وإنما تشمل اتساع نطاق الرد الإيراني ليطول القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، أو يرفع مستوى التهديد للملاحة التجارية والمنشآت الحيوية.
ففي 24 أكتوبر 2026م، نشرت وكالة رويترز تقريرا عن مذكرة تحذيرية من مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية جاي كلايتون، أفادت بزيادة الجهود الإيرانية لاستهداف أفراد أمريكيين، وبوصول مخططات قاتلة ضد مواطنين أمريكيين إلى مراحل متقدمة في الشرق الأوسط ومناطق أخرى.
ويعزز ذلك الاعتقاد بأن أي استئناف واسع للهجمات قد يفتح جبهات رد متعددة، لا تقتصر على الأراضي الإيرانية، ويضع واشنطن أمام ضرورة حماية قواتها وبعثاتها الدبلوماسية ومصالحها البحرية بالتزامن مع تنفيذ العمليات الهجومية.
ومن هنا، لا يكفي وصول تعزيزات عسكرية إضافية أو إعداد قوائم بالأهداف لإثبات أن الحرب باتت وشيكة، فقد يكون الحشد وسيلة للردع ورفع كلفة الرفض الإيراني، وقد يكون استعدادا لعملية محدودة، أو تمهيدا لحملة أوسع إذا فشلت الوساطة.
ثالثا: التباين الأمريكي ــ الإسرائيلي وفرصة الوساطة الإقليمية
تتصل أسباب التأخير أيضا بالفارق بين الأهداف الإسرائيلية والأولويات الأمريكية، فقد بنت إسرائيل، منذ خمسينيات القرن العشرين، علاقات وثيقة مع إيران الشاه وتركيا وإثيوبيا ضمن ما عُرف بـ”عقيدة المحيط” التي ارتبطت بديفيد بن جوريون، بهدف تجاوز العزلة الإقليمية وموازنة القوى العربية.
وبعد ثورة 1979، تحولت إيران من شريك إستراتيجي لإسرائيل إلى خصم يتبنى خطابا معاديا لها، ويدعم قوى مسلحة إقليمية، ويطور قدرات صاروخية ونووية، ومع انتقال المواجهة إلى الحرب المباشرة في 2026، برز رهان إسرائيلي على إضعاف النظام الإيراني وتغيير سلوكه، فيما ظلت واشنطن مطالبة بالموازنة بين تقويض القدرات الإيرانية وتجنب حرب مفتوحة ذات تكاليف إقليمية ودولية مرتفعة، ولذلك، فإن اشتراك الطرفين في استهداف القدرات الإيرانية لا يعني تطابقهما في تعريف النتيجة السياسية المطلوبة أو في توقيت الوصول إليها.
وفي هذا السياق، أفادت شبكة إيه بي سي نيوز الأمريكية في 22 أكتوبر 2026م، بأن الجيشين الأمريكي والإسرائيلي أعدا خططا لاستئناف الضربات في الأسابيع التالية، مع ترجيح تنفيذها بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، بسبب مخاوف واشنطن من زيادة اضطراب أسواق النفط خلال الحملة الانتخابية.
لكن وجود خطط مشتركة لا يلغي احتمال الاختلاف بشأن حجم العملية أو أهدافها أو شروط إنهائها، لأن إسرائيل قد ترى أن استمرار الضغط العسكري ضروري لاستثمار ما تحقق من أضرار في القدرات الإيرانية، بينما تحتاج الإدارة الأمريكية إلى مخرج سياسي يمكن تقديمه باعتباره إنجازا ملموسا، سواء تعلق بتقييد البرنامج النووي أو ضمان حرية الملاحة أو فرض التزامات أمنية جديدة على طهران، أما إسقاط النظام، فهو هدف أشد تعقيدا من تدمير المنشآت واغتيال القيادات، لأنه يتطلب تحولات داخلية لا يمكن ضمانها بالقوة الجوية وحدها.
وفي تطور لافت يوم 26 أكتوبر 2026م، تحرك مسؤولون سعوديون وأتراك وباكستانيون إلى طهران في مسعى لمنع تجدد المواجهة، وفقا لما أوردته صحيفة واشنطن بوست، ويعكس هذا التحرك إدراكا إقليميا بأن اندلاع جولة جديدة قد يهدد أمن الخليج والملاحة وأسواق الطاقة، حتى لدى الدول التي تختلف مع سياسات إيران الإقليمية، وقد تمنح الوساطة واشنطن فرصة لاختبار استعداد طهران لتقديم تنازلات بشأن مضيق هرمز والملف النووي، في مقابل ترتيبات تتصل بوقف الهجمات أو تخفيف بعض الضغوط، غير أن نجاح هذه المساعي يظل رهنا بوجود مساحة مشتركة بين المطالب الأمريكية والإيرانية، وهي مساحة لم تتبلور بعد في اتفاق معلن ومستقر.
خاتمة
تأسيسا على ما سبق، لا يبدو تأخر العمليات العسكرية الأمريكية دليلا على انتهاء خيار الحرب، بقدر ما يعكس تفاعلا بين ثلاثة قيود:
- حسابات الانتخابات الأمريكية.
- مخاطر التصعيد وتكاليفه.
- استمرار محاولات الوساطة والتفاوض.
وقد تتغير هذه المعادلة بعد 3 نوفمبر 2026م، لكن انقضاء الانتخابات لن يجعل الحرب حتمية، إذ سيظل القرار مرتبطا بتقدير واشنطن لما يمكن أن تحققه القوة العسكرية مقارنة بالضغط الاقتصادي والتسوية السياسية، وإذا فشلت الوساطات، فقد تعود الضربات المحدودة أو الواسعة إلى واجهة الخيارات، أما إذا ظهرت تفاهمات قابلة للتنفيذ بشأن الملاحة والبرنامج النووي والضمانات الأمنية، فقد يتحول الحشد العسكري إلى أداة لفرض اتفاق بدلا من إطلاق حرب جديدة. والخلاصة أن السؤال الحاسم ليس متى تستطيع الولايات المتحدة ضرب إيران، وإنما ما الهدف الذي تريد تحقيقه، وما الثمن الذي تقبل دفعه، وما الضمانات التي تمتلكها بأن الجولة التالية ستنتج واقعا سياسيا مختلفا عن نتائج الجولات السابقة.

