محمد خيري
باحث بوحدة الدراسات الإيرانية
في قرار مفاجئ وبعد حوالي خمسة أشهر من قرار بريطاني – صدر في يوليو الماضي – بحظر دعم الحرس الثوري الإيراني، أصدر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني قرارًا بتصنيف جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6) والبحرية الملكية والقوات الجوية الملكية البريطانية منظمات إرهابية أو جماعات معادية، حيث سلط القرار الإيراني الضوء على تطور سياسي وإستراتيجي يعكس تصاعد حدة التوتر والأزمات الجيوسياسية بين إيران والغرب، في ظل احتمالات تجدد المواجهة الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران.
ظروف القرارات الإيرانية والبريطانية
جاء القرار الإيراني مستندًا إلى ما يعرف باسم “قانون الإجراءات المتقابلة” الذي تستند إليه إيران لإصدار سياسات “المعاملة بالمثل” مع القوى المناوئة لها في العالم، وهو القرار نفسه الذي اتخذته إيران ضد القوات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، حيث سبق أن صنفت طهران القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” وكافة القوات التابعة لها في المنطقة كيانات إرهابية.
كما صنفت إيران في فبراير الماضي، ومع بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، جيوش الاتحاد الأوروبي، وأبرزها القوات البحرية والجوية كمنظمات إرهابية، رداً على الخطوات الأوروبية المماثلة لإدراج الحرس الثوري في قوائم الإرهاب في 21 فبراير الماضي وقبل أيام قليلة من بدء عملية الغضب الملحمي ضد إيران، بجانب كونه ردًا على الدعم الغربي للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في تلك العملية العسكرية.
هناك عدة عوامل أثرت في تشكيل حالة العداء الإستراتيجي بين إيران وبريطانيا على وجه التحديد خلال الفترة الماضية والتي كان أهمها:
أولًا: اتهامات بريطانية رسمية: أبرزها تصريحات رئيس الوزراء آندي بورنهام البريطاني الشهر الماضي، والتي أكد خلالها على أن إيران متورطة في محاولة فاشلة لشن هجوم على قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في فيرفورد، والذي أشارت فيه بريطانيا بأصابع الاتهام إلى مقربين من النظام الإيراني ممن حاولوا شن ذلك الهجوم الذي أحبط قبيل ساعات قليلة من تنفيذه. كما ادعت بريطانيا أن طهران سعت لإدخال عملاء إلى المملكة المتحدة لتنفيذ هجمات في الداخل.
ثانيًا: تبني إيراني لمواقف معادية: حيث زعم قراصنة مرتبطين بإيران بتنفيذ هجمات سيبرانية استهدفت تعطيل محطة توليد كهرباء بريطانية لمدة أربعة أيام في شهر أغسطس الماضي.
ثالثًا: ضبط متورطين في أحداث داخلية: حيث أعلنت الشرطة البريطانية توقيف شخصين إيرانيين هما نعمة الله شاه سافاني، 41 عاماً، وعلي رضا فاراساتي، 22 عاماً، واللذين يحاكمان أمام محكمة “أولد بيلي” في لندن، بتهمة تكليفهما من طهران بتنفيذ عمليات مراقبة استهدفت السفارة الإسرائيلية في لندن وأقدم كنيس يهودي في بريطانيا، بجانب رصد أهداف إسرائيلية بغرض تنفيذ أعمال عدائية ضدها.
رابعًا: المشاركة البريطانية لأمريكا وإسرائيل: حيث جاء القرار الإيراني كرد استباقي على الدعم البريطاني للهجمات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، سواء من خلال فتح القواعد العسكرية البريطانية القريبة من إيران لحركة الطيران الأمريكي، أو حتى من خلال مشاركة القوات الجوية الملكية البريطانية في الدفاع عن إسرائيل أو القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث سبق أن شاركت المقاتلات البريطانية في إسقاط الطائرات الإيرانية بدون طيار التي كانت في طريقها سواء لاستهداف إسرائيل أو حتى القواعد الأمريكية في المنطقة، حيث أسقط سلاح الجو الملكي البريطاني أكثر من 100 طائرة بدون طيار كانت تستهدف القوات البريطانية وقواعد التحالف، علاوة على أن إيران سبق أن أطلقت صواريخ على قواعد عسكرية بريطانية في دييغو غارسيا وفي قبرص، كانت تستضيف طائرات أمريكية. كما دعمت بريطانيا كلًا من واشنطن وتل أبيب بأن نشرت سفينتها الحربية “إتش إم إس دراجون”، في الشرق الأوسط في مارس الماضي للانضمام إلى مهمة دولية لحماية الملاحة في مضيق هرمز.
خامسًا: قرار الترويكا الأوروبية ضد إيران: حيث شكلت بريطانيا بوصفها إحدى دول الترويكا الأوروبية (بريطانيا وألمانيا وفرنسا) عاملًا ضاغطًا على إيران، سواء من خلال استصدار قرار إعادة العقوبات الأممية ضد إيران بموجب آلية “سناب باك” المنصوص عليها في الاتفاق النووي، أو حتى تحريك استصدار قرار يدين إيران من مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ضد إيران.
تداعيات القرار الإيراني ضد بريطانيا
بلا شك يأتي القرار الإيراني في ظل حالة احتقان تشهدها منطقة الشرق الأوسط، في ظل ترجيحات باستئناف الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل عملياتهما العسكرية ضد طهران بعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، حيث تدرك إيران جيدًا أن القوى الأوروبية وفي القلب منها بريطانيا ستكون مشاركة بشكل أو بآخر في العملية العسكرية المرتقبة ضد إيران، من خلال تقديم المملكة المتحدة تسهيلات عسكرية للقوات الأمريكية سواء بإتاحة القواعد العسكرية والمنشآت الخاضعة للسيادة البريطانية لاستخدامها ضد إيران، أو حتى بمشاركة الطائرات البريطانية في صد الصواريخ والمسيرات الإيرانية عن أهدافها.
يضع ذلك الأصول والمصالح البريطانية سواء في المنطقة أو في أي مكان آخر في مرمى الاستهداف الإيراني، خصوصًا بعد توجيهات المرشد الإيراني مجتبى خامنئي للجيش والحرس الثوري بعدم التقيد بالحدود الجغرافية في الرد على أي اعتداء أمريكي – إسرائيلي على إيران، وهو ما يمنح القوات الإيرانية تفويضًا بالتعامل العنيف ضد أي قوة أجنبية – بريطانية على وجه الخصوص – قد تساند واشنطن أو تل أبيب.
قد تضفي الخطوة الإيرانية الشرعية على أي تحرك ضد بريطانيا داخليًا وخارجيًا، سواء من خلال الهجمات الإيرانية بالوكالة من خلال أذرعها أو ميليشياتها في الشرق الأوسط، أو حتى من خلال اتباع إستراتيجية الذئاب المنفردة، والتي تستخدم فيها إيران عناصر مدربة لتنفيذ هجمات فردية داخل بريطانيا أو استهداف منشآت دبلوماسية أو إستراتيجية.
خاتمة
تشير القرارات الإيرانية البريطانية إلى حالة احتقان سياسي ودبلوماسي بين البلدين، حيث أدت هذه التوترات الي إلغاء مساحات الحياد أو التهدئة، وتهيئة الرأي العام في كل من البلدين إلى أن احتمال اندلاع مواجهة عسكرية شاملة لم تعد مستبعدة في حسابات الطرفين، إلا أن العامل الأبرز فيها يتمثل في كون تلك القرارات أرضية لتعميق العزلة والاستقطاب، ما يجعل فرص الحوار أو خفض التصعيد بين الجانبين أكثر صعوبة.

