محمود سامح همام
تشير التحركات الدبلوماسية الأخيرة إلى بوادر تحول محتمل في مسار العلاقات بين الولايات المتحدة وإريتريا، الدولة التي ظلّت لسنوات طويلة على هامش التفاعلات الأمريكية رغم موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر. فقد كشفت تقارير عن محادثات غير معلنة جرت بوساطة مصرية بين الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ومبعوثين من إدارة دونالد ترامب، في مسعى لاستكشاف فرص إعادة تطبيع العلاقات، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا داخل واشنطن لأهمية إعادة الانخراط في هذه الساحة الجيوسياسية الحساسة. غير أن هذا الحراك يصطدم بتعقيدات تتعلق بطبيعة النظام الإريتري وتاريخ العلاقة المتوترة بين الطرفين، الأمر الذي يضفي على هذه المبادرة طابعًا حذرًا ومفتوحًا على احتمالات متعددة. ومن ثم، فإن هذه التطورات لا تكتفي بالإشارة إلى تحول تكتيكي في السياسة الأمريكية، بل تطرح أيضًا تساؤلات جوهرية حول الخلفية التاريخية للعلاقات بين البلدين، والدوافع الحقيقية التي تقف وراء سعي واشنطن للتقرب من أسمرة في هذا التوقيت تحديدًا.
الخلفية التاريخية للعلاقات الاريترية الأمريكية
أولًا: مرحلة الحرب الباردة (1950م-1991م)
تشكلت العلاقات الأمريكية–الإريترية في ظل مناخ الحرب الباردة، حيث غلبت الحسابات الجيوسياسية على مبادئ تقرير المصير. فقد منحت الولايات المتحدة أولوية استراتيجية لدعم إثيوبيا باعتبارها حليفًا رئيسيًا في منطقة البحر الأحمر، وهو ما انعكس في موقفها من القضية الإريترية. ورغم توصيات الأمم المتحدة عام 1950م الداعية إلى مراعاة إرادة الشعب الإريتري، دعمت واشنطن الاتحاد الفيدرالي بين إريتريا وإثيوبيا عام 1952م، وهو القرار الذي جسّد بوضوح تغليب المصالح الاستراتيجية، كما عبّر عنه وزير الخارجية آنذاك جون فوستر دالاس. ومع إلغاء الاتحاد من جانب الإمبراطور هيلا سيلاسي عام 1962م، لم تُبد الولايات المتحدة اعتراضًا يُذكر، ما أسهم في تكريس تهميش إريتريا دوليًا. وخلال حرب الاستقلال (1961م-1991م)، التي قادتها الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا، استمرت واشنطن في دعم إثيوبيا، حتى في ظل حكم نظام ديرج، ما عكس نمطًا ثابتًا من تغليب الواقعية السياسية على الشرعية.
ثانيًا: مرحلة ما بعد الاستقلال وبناء الدولة (1991م-1998م)
مع نهاية الحرب الباردة وسقوط نظام ديرج، شهدت العلاقات بداية انفتاح نسبي، حيث اعترفت الولايات المتحدة باستقلال إريتريا عقب استفتاء 1993م. إلا أن هذا التقارب ظل محدودًا ولم يرتق إلى شراكة استراتيجية، نتيجة التباين بين رؤية أسمرة القائمة على الاستقلالية وعدم الانحياز، والنهج الأمريكي الذي يربط التعاون بالإصلاحات السياسية وشروط الحوكمة. واقتصر التعاون على مجالات تقنية وانتقائية، دون تأسيس إطار سياسي مستدام، في ظل انعدام الثقة المتبادل.
ثالثًا: مرحلة الحرب الإريترية–الإثيوبية وتآكل الثقة (1998م-2005م)
أدى اندلاع الحرب بين إريتريا وإثيوبيا (1998م-2000م) إلى نقطة تحول حاسمة في مسار العلاقات، حيث اتجهت الولايات المتحدة تدريجيًا نحو دعم إثيوبيا، خاصة بعد فشلها في الضغط لتنفيذ قرار لجنة ترسيم الحدود عام 2002م الذي منح بلدة بادمي لإريتريا. وقد عزز هذا الموقف إدراك القيادة الإريترية لازدواجية المعايير الأمريكية، ورسّخ فجوة الثقة بين الطرفين، لا سيما في ظل غياب التزام فعلي بتطبيق اتفاقيات السلام.
رابعًا: مرحلة العقوبات والعزلة (2005م-حتى الآن)
دخلت العلاقات مرحلة من التدهور الحاد بدءًا من عام 2005م، مع طرد الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وهو ما اعتبرته واشنطن مؤشرًا على النزعة السلطوية، بينما رأته أسمرة دفاعًا عن سيادتها. وتفاقمت الأزمة مع اتهامات أمريكية لإريتريا بدعم جماعات مسلحة في الصومال، ما أدى إلى فرض عقوبات دولية عام 2009م بدعم أمريكي. وردّت إريتريا بتعزيز سياسات العزلة والانكفاء الداخلي، وتكريس نموذج الدولة الأمنية. وبمرور الوقت، أصبحت القطيعة شبه مؤسسية، مع تمثيل دبلوماسي محدود وغياب التعاون متعدد الأطراف، ما جعل العلاقات الأمريكية-الإريترية مثالًا على التوتر المزمن الناتج عن تعارض المصالح والرؤى السياسية.
أهداف الوساطة المصرية بين الولايات المتحدة واريتريا
تعكس الوساطة التي قامت بها مصر بين الولايات المتحدة وإريتريا جملة من الأهداف الاستراتيجية المتداخلة، في مقدمتها سعي القاهرة إلى تعزيز مكانتها كشريك لا غنى عنه في قضايا الأمن الإقليمي، وترسيخ دورها كوسيط فاعل قادر على إدارة التفاعلات المعقدة في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي. كما تمثل هذه الوساطة فرصة لمصر لتقوية علاقاتها مع كل من واشنطن وأسمرة، ما يعزز شبكة تحالفاتها الإقليمية والدولية. وفي بعدٍ أكثر ارتباطًا بالأمن القومي، تسعى القاهرة إلى حماية مصالحها الحيوية المرتبطة بأمن الملاحة في قناة السويس، خاصة في ظل التهديدات المتزايدة في مضيق باب المندب، وهو ما يجعل من دعم وجود قوى دولية مؤثرة بالقرب من هذا الممر أداة ضغط محتملة لضمان استقراره.
ويمكن قراءة هذه الوساطة في سياق أوسع يرتبط بإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، حيث تتيح لمصر الدفع نحو تنويع الشراكات الأمريكية في القرن الأفريقي، بما يحدّ من مركزية إثيوبيا كشريك تقليدي لواشنطن منذ الحرب الباردة، دون أن يعني ذلك إقصاءها بقدر ما يعكس توجّهًا نحو توزيع أكثر توازنًا للنفوذ في المنطقة.
وفي سياق متصل، يأتي التحرك المصري في إطار السعي لفتح آفاق أوسع لترسيخ مصالح أمريكية ترتبط بدعم عوامل الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، والعمل على احتواء التوتر المتصاعد بين أسمرة وأديس أبابا، والذي يلوح في الأفق مع تصاعد احتمالات التصعيد، خاصة في ظل توجهات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد نحو توظيف المناخ الخارجي لتعزيز التماسك الداخلي قبيل الانتخابات المقبلة في يونيو. كما تسعى القاهرة، من خلال هذا الدور، إلى التأثير على توجهات واشنطن فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية في المنطقة، بما في ذلك الدفع نحو التريث في دعم أي تحركات قد تؤدي إلى مزيد من التعقيد.
دوافع التقرب الأمريكي من إريتريا في الفترة الراهنة
تشير التحولات في الديناميات الدولية إلى أن السياسة الخارجية الأمريكية باتت أكثر مرونة في إعادة تقييم أولوياتها الإقليمية وفق مصالحها. ويتجلى ذلك بوضوح في نية واشنطن التقارب مع أسمرة، في خطوة تعكس إعادة توظيف أوراق كانت مستبعدة سابقًا ضمن حساباتها الاستراتيجية، وذلك للأسباب التالية:
1-أمن الممرات البحرية ودوره في إعادة توجيه السياسة الأمريكية نحو إريتريا: دفعت المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران وإغلاق مضيق هرمز إلى إعادة إحياء الاهتمام الأمريكي بأهمية الممرات البحرية الاستراتيجية وأمنها، باعتبارها شريانًا حيويًا للتجارة العالمية وحركة الملاحة الدولية. وفي هذا السياق، برزت المخاوف بشكل خاص من الوضع في مضيق باب المندب، الذي يشهد تهديدات متكررة من جماعة الحوثي في اليمن المدعومة من إيران، الأمر الذي عزز القلق الأمريكي من احتمالات تعطيل أحد أهم الممرات البحرية في العالم. هذا التطور دفع واشنطن إلى إعادة التفكير في أدواتها الإقليمية لضمان أمن الملاحة، ومن بينها تعزيز حضورها أو تقاربها مع دول تطل على هذا الممر الحيوي، مثل إريتريا، باعتبارها موقعًا استراتيجيًا يمكن أن يسهم في دعم منظومة تأمين الطرق البحرية الدولية.
2-تنويع مصادر الطاقة والموارد – إريتريا كخيار استراتيجي في حسابات واشنطن: يمثل التقارب الأمريكي المحتمل مع إريتريا انعكاسًا مباشرًا لإعادة تقييم واشنطن لأدواتها الاقتصادية والاستراتيجية في سياق عدم الاستقرار العالمي، حيث برزت اعتبارات تنويع مصادر الطاقة والموارد كعامل محوري في هذا التوجه. فإريتريا تُصوَّر ضمن بعض التقديرات على أنها تمتلك ثروات معدنية وموارد طبيعية واعدة، تشمل الذهب والنحاس والزنك والبوتاسيوم، فضلًا عن إمكانيات غير مستغلة بشكل كامل في قطاعات التعدين والطاقة، وهو ما يرتبط جزئيًا بغياب الأطر المؤسسية والتقنيات الحديثة الكفيلة بتطوير هذه الموارد واستثمارها بكفاءة. وفي هذا الإطار، يبرز منطق السياسة الأمريكية القائم على تقليل الاعتماد على مصادر تقليدية متقلبة، والبحث عن بدائل جديدة أكثر تنوعًا واستقرارًا، بما يجعل من إريتريا خيارًا محتملًا ضمن رؤية أوسع لإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية في ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة.
3-مواجهة النفوذ الصيني المتصاعد في القرن الأفريقي: يمثل الحضور المتزايد للصين في منطقة القرن الأفريقي أحد أبرز الدوافع التي تعيد تشكيل حسابات السياسة الخارجية الأمريكية في الإقليم، إذ توسّع هذا النفوذ ليشمل استثمارات استراتيجية كبرى في البنية التحتية والموانئ وسلاسل الإمداد، في إطار مبادرة “الحزام والطريق”، ما منح بكين قدرة متنامية على تعزيز تأثيرها الاقتصادي والجيوسياسي في واحد من أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية. وتشير التقديرات إلى أن إجمالي الاستثمارات والتمويلات الصينية في أفريقيا تجاوز 190 مليار دولار منذ مطلع الألفية، مع تركّز ملحوظ على دول القرن الأفريقي؟، التي أصبحت محورًا رئيسيًا لهذا التمدد، خصوصًا في قطاعات النقل والطاقة والموانئ، وهو ما يُنظر إليه في واشنطن كتحول استراتيجي يهدد موازين النفوذ التقليدية. وفي ضوء هذا الواقع، تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة توسيع حضورها في المنطقة عبر أدوات سياسية واقتصادية متعددة، من بينها تعزيز الانفتاح على دول مثل إريتريا، بهدف موازنة النفوذ الصيني المتصاعد ومنع ترسيخ هيمنة منفردة على البنية الجيوسياسية والاقتصادية للقرن الأفريقي.
ختامًا، تكشف مسارات التقارب الأمريكي المحتمل مع إريتريا عن تحول أعمق في بنية التفكير الاستراتيجي لواشنطن تجاه القرن الأفريقي، حيث لم يعد التعامل مع المنطقة محكومًا فقط بإرث العلاقات التاريخية أو الاعتبارات الأيديولوجية، بل بات يخضع لمنطق براجماتي يعيد تعريف الأولويات وفق متغيرات الأمن الدولي والاقتصاد العالمي. فبين تحديات تأمين الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر، وتنامي المنافسة الجيوسياسية مع قوى كبرى مثل الصين، واعتبارات تنويع مصادر الطاقة والموارد، تتبلور إريتريا كحالة تعكس تقاطع المصالح أكثر من كونها مجرد ملف ثانوي في السياسة الخارجية الأمريكية. ومع ذلك، يظل هذا التقارب مشروطًا بقدرة الطرفين على تجاوز تاريخ طويل من انعدام الثقة والتباينات السياسية، ما يجعل مستقبل العلاقة مفتوحًا على احتمالات متعددة، بين شراكة استراتيجية محتملة أو مواصلة نمط التباعد الحذر الذي إستمر لعقود.

