د.محمد أحمد صالح

مقدمة

كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مؤخرًا عن الأهمية الاستراتيجية البالغة للممرات المائية الحيوية، إذ أظهرت بوضوح مدى تأثير إغلاقها أو حتى التهديد بذلك على حركة التجارة والطاقة عالميًا، وليس على المستوى الإقليمي فقط؛ فهذه المضايق تمثل شرايين رئيسية للاقتصاد الدولي، وأي اضطراب فيها يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل وأسعار السلع والطاقة، ويخلق حالة من عدم الاستقرار في الأسواق العالمية. وقد عززت هذه التطورات الحاجة الملحة إلى البحث عن بدائل آمنة ومستدامة، من خلال تطوير ممرات جديدة أو تعزيز البنية التحتية للنقل البري والبحري، بما يحد من الاعتماد المفرط على نقاط الاختناق التي تتحول في أوقات الأزمات إلى عنق زجاجة يهدد الاقتصاد العالمي بأكمله.

وكشفت الحرب ذاتها وفي السياق ذاته عن أن الجغرافيا وحدها، في التحولات الراهنة للنظام الدولي، لم تعد كافية لضمان النفوذ، بل أصبحت شبكات الربط (Connectivity) هي المحدد الرئيسي للقوة. وفي هذا الإطار، يمثل مشروع الممر الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي (Corridor India–Middle East–Europe – IMEC)  تحولًا بنيويًا يتجاوز الاقتصاد ليطال الأمن القومي، ويعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.

يمثل مشروع الممر الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي لحظة تحول مفصلية في تاريخ المنطقة، حيث تنتقل المنافسة من السيطرة على الممرات إلى السيطرة على الشبكات. في هذه المعادلة الجديدة إسرائيل تتحرك بسرعة لتصبح عقدة مركزية في النظام الجديد، بينما تواجه بعض الدول العربية خطر التهميش النسبي، لكن مصر تحديدًا تمتلك موقعًا لا يمكن تجاوزه، وبنية تحتية قائمة، وفرصة للتحول.

تجادل هذه الورقة بأن مشروع الممر الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي لا يهدد قناة السويس بشكل مباشر، لكنه يعيد توزيع النفوذ لصالح أطراف أخرى، منها إسرائيل، بما يخلق ضغوطًا استراتيجية مركبة على الأمن القومي العربي والمصري.

التحول البنيوي- من الجغرافيا إلى الشبكات

تاريخيًا، استندت قوة الدول إلى الموقع الجغرافي، والسيطرة على الممرات الطبيعية. أما اليوم، فالقوة تتحدد عبر التحكم في سلاسل الإمداد، وامتلاك البنية التحتية الرقمية، والقدرة على تقديم خدمات لوجستية متقدمة. وهنا يكمن جوهر التحول الذي يمثله مشروع الممر الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي. وهذا يعني نقل مركز الثقل من “الموقع” إلى “الوظيفة”، وهذا التحول يهدد الدول التي تعتمد على نموذج العبور التقليدي دون تطوير هيكلي.

إسرائيل: من لاعب إقليمي إلى عقدة مركزية في النظام الجديد

مكاسبها الاقتصادية: بناء مركزية لوجستية بديلة

يوفر مشروع الممر الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي لإسرائيل فرصة تاريخية للتحول إلى مركز عبور بري بين آسيا وأوروبا، ومنصة إعادة تصدير، ونقطة جذب للاستثمارات العالمية. وهذا يعني تقليل الاعتماد على المسارات البحرية التقليدية، وخلق بدائل جزئية لقناة السويس، وتحويل جزء من التدفقات التجارية نحو الموانئ الإسرائيلية. أما عن أثره الاستراتيجي فهو إعادة توزيع الريع الجغرافي لصالح إسرائيل.

مكاسبها العسكرية: بنية تحتية مزدوجة الاستخدام

الممر لا يخدم التجارة فقط، بل يدعم نقل القوات والمعدات، ويعزز خطوط الإمداد العسكري، ويوفر مرونة استراتيجية في حالات الطوارئ، وهذا يمنح إسرائيل قدرة أسرع على الحشد العسكري، وعمقًا لوجستيًا جديدًا، ومرونة في إدارة الصراعات متعددة الجبهات. أما عن أثره الخطير فهو تحول البنية الاقتصادية إلى رافعة عسكرية مباشرة.

مكاسبها الأمنية والسيبرانية: السيطرة على البيانات والطاقة

يشمل المشروع كابلات بيانات، وشبكات طاقة، وبنية رقمية. وهنا تبرز إسرائيل بقوتها في الأمن السيبراني، والتكنولوجيا المتقدمة، ما يمنحها نفوذًا على تدفقات البيانات، ودورًا في أمن الطاقة الإقليمي، وقدرة على التأثير غير المباشر على الدول المرتبطة بالممر. وينتج عن ذلك انتقال النفوذ من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على المعلومات.

مكاسبها السياسية والإقليمية: تسريع التطبيع وإعادة تشكيل التحالفات

الممر يفرض تعاونًا اقتصاديًا إقليميًا، واندماجًا وظيفيًا بين الدول. وهذا يؤدي إلى تسريع دمج إسرائيل في الاقتصاد الإقليمي، وتقليل عزلتها السياسية، وتعزيز موقعها كشريك لا غنى عنه. أما عن أثره الاستراتيجي فهو تحول إسرائيل من “طرف سياسي” إلى “ضرورة اقتصادية”.

تداعيات المشروع على الأمن القومي العربي

أ-تفكيك مركزية الممرات العربية

تقليديًا، اعتمد النظام العربي على قناة السويس، ومضيق هرمز، وباب المندب، لكن مشروع الممر الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي يخلق مسارات بديلة جزئية، ويقلل من احتكار هذه النقاط، لتكون النتيجة تآكل تدريجي في القيمة الجيوسياسية للممرات العربية.

ب-إعادة توزيع النفوذ لصالح أطراف غير عربية

المشروع يعزز دور إسرائيل ودور قوى دولية خارج الإقليم على حساب الفاعلين العرب التقليديين، ما يؤدي إلى اختلال في توازن القوة الإقليمي.

جـ-تعميق الاعتماد الاقتصادي الخارجي

الدول المرتبطة بالممر قد تصبح معتمدة على شبكات يهيمن عليها أطراف غير عربية، وعرضة للضغط الاقتصادي والسياسي، وهذا يخلق هشاشة استراتيجية طويلة المدى.

د-تهديد الأمن السيبراني العربي

مع توسع البنية الرقمية تصبح البيانات جزءًا من الأمن القومي، وتزداد مخاطر الاختراق والسيطرة، خاصة مع التفوق الإسرائيلي في هذا المجال.

تداعيات المشروع على الأمن القومي المصري

أ-الضغط على إيرادات قناة السويس

حتى لو كان تأثير هذا المشروع جزئيًا فإعادة توزيع التجارة وتقليل الاعتماد المطلق على القناة يؤدي إلى ضغط مالي تدريجي.

ب-تقليص المركزية الجيوسياسية لمصر

مصر تاريخيًا مركز عبور عالمي،  لكن مع مشروع الممر الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي تصبح واحدة من عدة مسارات، ما يعني تراجع نسبي في النفوذ التفاوضي.

جـ-تهديد نموذج “الدولة الوسيطة

النموذج المصري يعتمد على تقديم خدمات عبور، لكن التحول العالمي يتجه نحو الإنتاج، والتصنيع، والقيمة المضافة. الخطر الحقيقي هو الجمود الاستراتيجي وليس المشروع نفسه.

د-البعد العسكري والأمني

في حال الصراعات قد يصبح الممر هدفًا أو بديلًا لوجستيًا، لكن في المقابل تظل قناة السويس أكثر استقرارًا، ما يمنح مصر ميزة نسبية في الأزمات.

سيناريوهات التهديد والتكيف

-سيناريو التصاعد الإسرائيلي: نجاح المشروع يعني تحول إسرائيل إلى مركز إقليمي، وتراجع نسبي للدور المصري، وهو أخطر سيناريو على الأمن القومي العربي.

-سيناريو التعثر: فشل المشروع بسبب الصراعات يعني عودة الاعتماد على المسارات التقليدية، فيعزز مكانة مصر.

-السيناريو الواقعي (الأرجح): التنفيذ الجزئي يعني التكامل بين المسارات، واستمرار المنافسة، ما يتطلب استجابة استراتيجية ذكية من مصر.

مجالات استجابة مصر الاستراتيجية

-التحول إلى مركز قيمة لا ممر عبور: تطوير التصنيع ودعم إعادة التصدير.

-التكامل مع الممر: الربط اللوجستي وتقديم خدمات مكملة.

-تعظيم دور قناة السويس: مناطق اقتصادية متقدمة وخدمات لوجستية عالية القيمة.

-الأمن السيبراني: حماية البنية الرقمية وتطوير القدرات التكنولوجية.

-الدبلوماسية الاقتصادية: بناء تحالفات وتقليل الاعتماد على مسار واحد.

ختاما

إن التهديد الحقيقي لا يكمن في المشروع نفسه، بل في الفجوة بين سرعة التحول العالمي وبطء الاستجابة الإقليمية، ليصبح مطلوبا من مصر أن تعيد تعريف دورها من ممر إلى منصة، ومن موقع إلى وظيفة، ومن عبور إلى إنتاج لكي لا تحافظ فقط على مكانتها، بل تتحول إلى أحد أعمدة النظام الإقليمي الجديد، لأنه بدون ذلك يصبح المشروع بداية إعادة توزيع النفوذ على حسابها وعلى حساب الأمن القومي العربي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version