سارة طارق النادي (31 مارس 2026)
يمثل الاجتماع الرباعي في إسلام آباد لوزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية وباكستان، نقطة تحوّل استراتيجية مهمة في مسار العلاقات المصرية التركية؛ إذ يجسد انتقالهما نحو شراكة استراتيجية تهدف إلى تشكيل محور إقليمي يستعيد السيطرة على المشهد الأمني والاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط التي أصبحت رهينة لتداعيات الحرب بين المحور الأمريكي الإسرائيلي من جهة والمحور الإيراني ووكلائه من جهة أخرى، ومع تصعيد الحوثيين في البحر الأحمر وباب المندب وإغلاق مضيق هرمز، تواجه المنطقة تداعيات تهدد أمن الطاقة وتُعيد رسم خريطة التصعيد الإقليمي.
وفي هذا السياق، يعكس الاجتماع الرباعي فاعلية التنسيق المصري التركي ضمن وساطة إقليمية قوية تسعى لاحتواء تداعيات الصراع الدائر، الأمر الذي يعزز دور القاهرة وأنقرة كركيزة أساسية لا يمكن تجاوزها لتحقيق الاستقرار في المنطقة.
أولًا: الاجتماع الرباعي في إسلام آباد والتصعيد الإقليمي:
اجتمع وزير الخارجية المصري (بدر عبد العاطي)، والتركي (هاكان فيدان)، والسعودي (فيصل بن فرحان) مع نظيرهم الباكستاني (محمد إسحاق دار) في العاصمة الباكستانية إسلام آباد (29 مارس) الماضي، تزامنًا مع التوترات الإقليمية المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط مع دخول المواجهة العسكرية بين المحور (الأمريكي-الإسرائيلي) وإيران شهرها الثاني، وما تلاها من تداعيات أمنية واقتصادية تتمثل في تصعيد الهجمات العسكرية على دول الخليج، ودخول جماعة أنصار الله الحوثيين خط التصعيد، واحتمالات اندلاع حرب جديدة في البحر الأحمر وباب المندب؛ حيث أعلنت جماعة الحوثيين تنفيذ عملياتها العسكرية باتجاه إسرائيل بصواريخ مجنحة ومسيرات طالت أهدافًا حيوية وعسكرية جنوب إسرائيل، مؤكدة أن عملياتها مستمرة خلال الأيام المقبلة. هذا التصعيد الميداني يتزامن مع إغلاق شبه كامل في مضيق هرمز الذي كان يمر عبره (20%) من إمدادات النفط والغاز المسال عالميًا، وسط تقارير استخباراتية عن تحضيرات أمريكية لعمليات برية في جنوب إيران لفك الحصار عن المضيق بالقوة والسيطرة على المنشآت النووية.
وفي ظل كل هذه التطورات الميدانية، برز التحالف الرباعي (مصر، تركيا، السعودية، باكستان) كاستجابة إقليمية عاجلة لاحتواء الصراع، وقد نجحت جهود التحالف بالفعل من خلال الوساطة في إقناع الأطراف ببدء مفاوضات جادة، وقد تجلى نجاح هذا المسار في إعلان الرئيس ترامب عن وجود قناة اتصال مع طهران، وقراره تمديد مهلة ضرب منشآت حيوية إيرانية من خمسة أيام إلى عشرة أيام إضافية، لمنح الدبلوماسية الرباعية الفرصة الكافية لبلورة تسوية تمنع تصاعد التوترات في المنطقة.
ثانيًا: التنسيق المصري التركي ضمن التحالف الرباعي:
يُمثل التنسيق المصري التركي المحرك الفعلي لهذا التحالف الرباعي، إذ شهدت العلاقات بين القاهرة وأنقرة طفرة دبلوماسية غير مسبوقة خاصة بعد الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى الذي عقد في القاهرة (فبراير 2026)، برئاسة مشتركة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس رجب طيب أردوغان، وتوقيع مجموعة من الاتفاقيات الاستراتيجية، ويدرك كلا الطرفين أن استمرار الحرب يهدد مصالحهما الحيوية بشكل مباشر، كما يهدد أمنهما القومي، مما دفعهما لتوحيد الرؤى حول إدارة هذه الأزمة.
- بالنسبة لمصر: يمثل أمن الخليج امتدادًا طبيعيًا لأمن البحر الأحمر وقناة السويس، وأن أي صراع في هرمز أو باب المندب يؤدي فورًا إلى تراجع حركة التجارة العالمية، مما يؤثر سلبًا على دخل قناة السويس الذي تعتمد عليه مصر كمصدر رئيسي للعملة الصعبة. لذلك تسعى مصر إلى توظيف خبرتها في إدارة الممرات المائية، وفرض نفسها كلاعب لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية أو إقليمية جديدة، مع ضمان عدم تحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع دائمة بين القوى الكبرى والمليشيات المدعومة من إيران.
- بالنسبة لتركيا: تتعدد دوافعها للانخراط في التحالف الرباعي والتنسيق الاستراتيجي مع مصر، حيث تنطلق أنقرة من محاولة استباقية لمواجهة التحديات والتداعيات المحتملة لهذه الحرب على أمنها القومي، إذ تخشى من سيناريو انهيار النظام الإيراني وتحول طهران إلى أداة في يد المحور الأمريكي-الإسرائيلي. كما يأتي الهاجس الأمني كدافع محوري، خاصة مع بروز مخطط أمريكي إسرائيلي لدعم الحركات الانفصالية الكردية على حدودها، مما يهدد بنشوء مناطق حكم ذاتي كردية وفراغ أمني تستغله التنظيمات الإرهابية للتسلل إلى العمق التركي. كما تسعى أنقرة من خلال هذا التنسيق إلى حماية أمن الطاقة وتجنب انهيار اقتصادي وشيك، في ظل انقطاع الغاز الإيراني (الذي يغطي 15% من احتياجاتها) وتوقف إمدادات الغاز القطري، فضلاً عن رغبتها في قطع الطريق أمام أي موجات هجرة جماعية ناتجة عن اشتعال الجبهات الحدودية، مما يجعل التحالف مع القاهرة ضرورة وجودية للحفاظ على التوازن الإقليمي ومنع تفرد القوى الغربية بهندسة خارطة المنطقة.
ثالثًا: أبرز مخرجات الاجتماع (مقترح تطبيق نموذج قناة السويس في مضيق هرمز):
لم تهدف المفاوضات بين أطراف الصراع إلى خفض التصعيد العسكري، ومنع انزلاق المنطقة لحرب شاملة فحسب، بل هدفت أيضًا إلى إعادة ضمان تدفق الطاقة والتجارة، ومناقشة آليات تركز مباشرة على إدارة حركة الملاحة البحرية لإعادة فتح مضيق هرمز. وفي هذا الإطار تتمثل أبرز مخرجات اجتماع إسلام آباد الرباعي التي عكست نجاح التنسيق المصري التركي هو اقتراح نموذج قناة السويس لإدارة مضيق هرمز. يهدف هذا المقترح، الذي قدمته مصر بدعم تركي وسعودي، إلى إنهاء حالة التوتر العسكري وفتح ممرات آمنة للسفن، من خلال تحويل المضيق من ممر طبيعي يخضع لقواعد المرور العابر المجاني بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، إلى ممر مُدار إقليميًا يفرض رسومًا مشابهه للنظام المطبق في قناة السويس مقابل خدمات الأمن والملاحة.
وفي السياق نفسه، يتضمن المقترح تشكيل كونسورتيوم (تحالف) دولي يضم مصر وتركيا والسعودية ليتولى مسؤولية إدارة تدفقات النفط وضمان أمن الملاحة في المضيق، هذا التحالف سيقوم بدور الضامن المحايد بين الأطراف المتصارعة، مع توزيع الأدوار الاستراتيجية داخله على النحو التالي:
- مصر: توفر القاهرة العمق الفني عبر نموذج السويس، حيث اقترحت تطبيق نظام رسوم عبور وإدارة حركة السفن بناءً على خبرتها الملاحية واللوجستية الطويلة في إدارة قناة السويس، مما يضفي صبغة مؤسسية وتقنية على إدارة المضيق.
- تركيا: تبرز أنقرة كعضو الناتو القوي الذي يمتلك صناعة دفاعية متطورة، حيث يُقترح أن تتولى الأنظمة الدفاعية التركية خاصة المسيرات والقطع البحرية، مهام تأمين الممر الملاحي ضمن إطار الكونسورتيوم.
- السعودية: تضمن الرياض بثقلها النفطي والمالي استقرار أسواق الطاقة العالمية بصفتها المورد الأكبر، ويمثل انخراطها في التحالف ضمانة للمشترين الدوليين بأن تدفقات النفط لن تظل رهينة للتجاذبات العسكرية.
- باكستان: تم دعوة إسلام آباد لهذا التحالف كضامن جغرافي بحدودها المباشرة مع إيران وعلاقاتها المتوازنة مع واشنطن؛ ويمنح كونها قوة نووية التحالف ثقلًا رادعًا، كما أنها تؤدي دور القناة الدبلوماسية الرئيسية لنقل المقترحات بين الأطراف المتصارعة.
وعلى صعيد آخر، هذا التكامل الجيوسياسي للتحالف الرباعي تراه إسرائيل كابوسًا استراتيجيًا، إذ تراقب تل أبيب هذا التحالف بقلق وجودي، معتبرة إياه تهديدًا لنفوذها الإقليمي، حيث تكمن خطورة هذا التحالف بالنسبة لها إذا ما تحول إلى حلف عسكري على غرار الناتو؛ في كونه يجمع بين كتلة بشرية عسكرية هائلة تتجاوز (1.4 مليون) جندي عامل، مدعومين بمئات الآلاف من قوات الاحتياط وقاعدة تعبئة بشرية هي الأضخم إقليميًا لا سيما في مصر وباكستان وتركيا، كما يجمع بين البنية الصناعية والثقل البري والخبرة القتالية المصرية، والعمق الصناعي والتكنولوجي التركي، والقدرة المالية والتقنية الجوية السعودية، وصولًا إلى القوة النووية والبنية العسكرية المتكاملة لباكستان.
رابعًا: الرد الإيراني:
كانت إيران قد وافقت على السماح لعشرين سفينة ترفع العلم الباكستاني بعبور مضيق هرمز كبادرة حسن نية، وبعد الاجتماع الرباعي سارعت لفرض واقع قانوني جديد يتماشى مع طموحاتها السيادية ومصالحها المالية المتضررة من العقوبات، حيث أعلنت في (30 مارس) مصادقة لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني على مشروع قانون يتيح لطهران فرض هيمنتها الاقتصادية والعسكرية على مضيق هرمز، يتضمن فرض رسوم بالعملة الإيرانية الريال، ومنع السفن الأمريكية والإسرائيلية من العبور، وفرض قيود على الدول التي تشارك في العقوبات ضد إيران، كما صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن إيران وسلطنة عُمان فقط هما من سيقرران مستقبل مضيق هرمز.
ترى طهران في نموذج السويس المقترح من التحالف الرباعي وسيلة محتملة لتقنين هذه الرسوم دوليًا، لكنها تربط ذلك بضمان سيادتها على الإدارة، والحصول على عوائد مالية تساهم في تعويض خسائر الحرب والضغوط الاقتصادية الناجمة عن العقوبات.
وعلى الرغم من أن مصادقة البرلمان الإيراني على هذا المشروع لا تتسق تمامًا مع مقترح التحالف الرباعي الرامي لتشكيل كونسورتيوم دولي لإدارة المضيق، إلا أن توقيت صدور القرار الإيراني عقب الاجتماع مباشرةً يضعه في سياق الرد المباشر على الضغط الدبلوماسي الذي مارسه التحالف الرباعي. ورغم أن هذا القرار يكشف عن حدود التنسيق المصري التركي ضمن التحالف في المرحلة الراهنة، إلا أنه يثبت في الوقت ذاته فاعلية هذا التنسيق في تحريك الوضع؛ فهذا القرار لا يُلغي نجاح التنسيق المصري التركي، بل أبرزه كقوة ضغط نجحت جزئيًا في دفع إيران من إغلاق شبه كامل للمضيق إلى فتح مقابل رسوم، فضلاً عن كون السماح بمرور السفن الباكستانية العشرين بمثابة تنازل إيراني محدود يعكس أثر تلك التفاهمات.
ختامًا، يمثل التنسيق المصري التركي ضمن التحالف الرباعي لاجتماع إسلام آباد حجر الزاوية لنظام إقليمي جديد يتجاوز ثنائية القوى التقليدية؛ إذ أرسى الاجتماع أساسًا لتحالف القوى الإقليمية في المنطقة المتمثلة في مصر وتركيا والسعودية وباكستان، بهدف تطويق الصراع العسكري جيوسياسيًا، والتصدي لمشاريع الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية الرامية لإعادة رسم خارطة النفوذ بالمنطقة، وفي الوقت نفسه تحجيم التمدد الإيراني الذي يهدد أمن الخليج والطاقة.

