د/ محمد أحمد صالح
“اتفاقيات إسحاق Isaac Accords” ليست اتفاقيات سلام بالمعنى التقليدي، وإنما إطار استراتيجي جديد أُعلن عام 2026م بمبادرة مشتركة بين إسرائيل والأرجنتين، ويستلهم نموذج “اتفاقيات أبراهام”، لكنه ينقله من الشرق الأوسط إلى أمريكا اللاتينية، مع تركيز أكبر على الأمن، والتكنولوجيا، والتحالفات الجيوسياسية، والتنسيق الدولي. وقد صيغت المبادرة بحيث تكون مفتوحة لانضمام دول أخرى من نصف الكرة الغربي.
الخلفية التاريخية
بعد نجاح اتفاقيات أبراهام النسبى في دمج إسرائيل بصورة أكبر في البيئة الإقليمية بالشرق الأوسط، بدأ التفكير داخل الدوائر الإسرائيلية والأمريكية في إنشاء أطر مشابهة خارج المنطقة. برز الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي باعتباره الداعم الأبرز لهذا التوجه، حيث أعلن بالتعاون مع إسرائيل إطلاق “اتفاقيات إسحاق”، مع التأكيد على أنها تستلهم تجربة أبراهام وتستهدف بناء شبكة تعاون مع دول أمريكا اللاتينية في مجالات الأمن والتجارة والابتكار والتنسيق السياسي.
تسمية “اتفاقيات إسحاق”
الاسم ليس اختياراً عشوائياً، فهناك بعد ديني وسياسي واضح. “اتفاقيات أبراهام” سميت نسبة إلى النبي إبراهيم باعتباره الأب الجامع للديانات الإبراهيمية الثلاث. كان الهدف السياسي هو تقديم فكرة “السلام بين أبناء إبراهيم.، أي اليهود، والمسلمين، والمسيحيين، لذلك كانت موجهة للعالم العربي.
“اتفاقيات إسحاق”
إسحاق هو ابن إبراهيم ومنه- وفق الرواية التوراتية- ينحدر بنو إسرائيل. وبالتالي فإن الرسالة الرمزية أصبحت مختلفة: ليست مصالحة بين أبناء إبراهيم، بل بناء تحالف بين إسرائيل والدول ذات الإرث اليهودي-المسيحي (Judeo-Christian Tradition) في الأمريكتين. وقد نصت البيانات الرسمية على أن الاتفاقيات تستهدف “المنحدرين من إسحاق والدول ذات التقليد اليهودي-المسيحي” في مواجهة- مايسمى- الإرهاب وتعزيز الديمقراطية والتعاون الاقتصادي.
خصوصية المسميات الدينية
الولايات المتحدة وإسرائيل تدركان أن الدين أصبح أداة قوة ناعمة. فالاسم الديني يمنح شرعية أخلاقية، وبعداً حضارياً، وهوية مشتركة، وحشدا سياسيا. وبدلا من تسويق الاتفاق باعتباره “تحالفاً مع إسرائيل” يصبح “تحالف الحضارة اليهودية المسيحية.” وهو خطاب يجد قبولاً أكبر لدى بعض التيارات السياسية والمحافظة في الأمريكتين.
الدول المستهدفة
حتى الآن الدول التي يجري الحديث عنها تشمل الأرجنتين (النواة الأساسية)، وباراجواي، وبنما، وكوستاريكا، وأوروجواي، مع احتمال توسع المبادرة إلى دول أخرى في أمريكا اللاتينية.
أهمية أمريكا اللاتينية
يأتي التركيز على أمريكا اللاتينية؛ لأنها منطقة تمثل:
-كتلة تصويتية كبيرة: تضم حوالي 33 دولة، وكل دولة صوت داخل الأمم المتحدة، أي أن إسرائيل تستطيع تكوين كتلة داعمة لها.
-موارد ضخمة: تشمل الليثيوم، والنحاس، والغذاء، والطاقة، والمياه، والمعادن النادرة، وهي موارد مهمة
للصناعات المتقدمة.
-سوق كبير: أكثر من 650 مليون نسمة.
-منافسة النفوذ: الولايات المتحدة تسعى لمواجهة تمدد الصين، وروسيا، وإيران في المنطقة، ومن ثم ترى في توسيع التعاون مع إسرائيل وحلفائها وسيلة لتعزيز نفوذها.
دور الولايات المتحدة
الولايات المتحدة ليست مجرد وسيط، بل الراعي الحقيقي. وفق التصورات المعلنة، يتمثل دورها في دعم التحالف سياسياً، وتعزيز التعاون الأمني، وتشجيع الاستثمار، وتنسيق المواقف الدولية، واحتواء النفوذ الإيراني، وموازنة النفوذ الصيني والروسي في الأمريكتين.
كيف تستفيد إسرائيل؟
-سياسياً: الحصول على مزيد من الاعتراف والدعم الدبلوماسي.
-أمنياً: توسيع التعاون الاستخباراتي، ومكافحة الإرهاب، وتعزيز التعاون السيبراني.
-اقتصادياً: فتح أسواق جديدة، وزيادة الصادرات، والاستثمار، والطاقة، والزراعة، والتكنولوجيا.
-عسكرياً: بيع الرادارات، والطائرات المسيرة، وأنظمة الدفاع، والأمن السيبراني.
-دبلوماسياً: الحصول على أصوات إضافية داخل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.
-استراتيجياً: إضعاف عزلة إسرائيل الدولية.
منافع الدول المنضمة
من منظور مؤيدي الاتفاقيات، يمكن أن تشمل المكاسب نقل التكنولوجيا، وتقنيات الري والزراعة، والأمن السيبراني، والتعاون في الذكاء الاصطناعي، واستثمارات جديدة، وتجارة أوسع، وتدريب أمني وعسكري، ودعم سياسي من الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن هذه الفوائد قد تُقابل أيضاً بتحديات داخلية أو إقليمية، مثل الجدل السياسي، واحتمال توتر العلاقات مع أطراف إقليمية أخرى، أو زيادة الاعتماد على شركاء خارجيين.
الفروق بين اتفاقيات أبراهام واتفاقيات إسحاق
البند أبراهام إسحاق
النطاق الشرق الأوسط أمريكا اللاتينية
الأطراف إسرائيل ودول عربية إسرائيل ودول من الأمريكتين
الرعاية الولايات المتحدة الولايات المتحدة مع إسرائيل والأرجنتين
الهدف التطبيع والتعاون الإقليمي تحالف استراتيجي أمني واقتصادي وسياسي
البعد الديني أبناء إبراهيم تقليد يهودي-مسيحي مع التركيز على إسحاق
التوسع العالم العربي نصف الكرة الغربي
التداعيات على الأمن القومي العربي
يمكن النظر إلى التداعيات من عدة زوايا:
-دبلوماسياً: إذا اتسعت دائرة الدول الداعمة لإسرائيل في المحافل الدولية، فقد يؤثر ذلك في موازين التصويت على قضايا تتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
-اقتصادياً: قد تتوسع الشراكات الاقتصادية والتكنولوجية لإسرائيل في أسواق جديدة، بما يعزز مكانتها الاقتصادية.
-استراتيجياً: نجاح المبادرة قد يعكس اتجاهاً نحو بناء شبكات تحالف متعددة الأقاليم بدلاً من الاقتصار على الشرق الأوسط.
وفي المقابل، يعتمد حجم التأثير الفعلي على عدد الدول المنضمة، ومدى تحول المبادرة من إطار سياسي إلى مشروعات عملية واسعة النطاق.
التداعيات على الأمن القومي المصري
من المهم التمييز بين الآثار المباشرة وغير المباشرة:
-الآثار المباشرة: حتى الآن لا تستهدف المبادرة مصر بصورة مباشرة، إذ يتركز نطاقها في أمريكا اللاتينية.
-الآثار غير المباشرة المحتملة: إعادة تشكيل بعض التحالفات الدولية بما قد ينعكس على مواقف التصويت في المنظمات الدولية، وتوسع التعاون الإسرائيلي في مجالات التكنولوجيا والدفاع مع شركاء جدد، وزيادة المنافسة على بعض الأسواق والاستثمارات في قطاعات التكنولوجيا والزراعة. وفي الوقت نفسه، تمتلك مصر عناصر قوة مستقلة، منها موقعها الجغرافي، وقناة السويس، وثقلها السكاني، وعلاقاتها الإقليمية والدولية، وهي عوامل تجعل تقييم أي تأثير مستقبلي مرتبطاً بكيفية تطور المبادرة وليس بمجرد الإعلان عنها.
السيناريوهات المستقبلية
السيناريو الأول.. نجاح واسع: انضمام دول جديدة، وتوسع اقتصادي وأمني، وترسيخ إطار مؤسسي دائم.
السيناريو الثاني.. نجاح محدود: بقاء المبادرة في نطاق عدد محدود من الدول وتعاون اقتصادي وتقني دون تحول إلى تكتل واسع.
السيناريو الثالث.. تعثر: تغير الحكومات في بعض الدول، وتراجع الحماس السياسي، وضعف التنفيذ العملي مقارنة بالإعلانات الأولية.
ختاما
تمثل “اتفاقيات إسحاق” محاولة لبناء إطار تعاون جديد بين إسرائيل وعدد من دول أمريكا اللاتينية، مع تركيز على الأمن والتكنولوجيا والاقتصاد، واستلهام واضح لتجربة “اتفاقيات أبراهام”، لكن في سياق جغرافي وسياسي مختلف. كما يعكس اختيار الاسم توظيفاً للرمزية الدينية في الخطاب السياسي، بينما يرتبط نجاح المبادرة عملياً بمدى اتساع المشاركة فيها وقدرتها على التحول من إعلان سياسي إلى مشروعات ومؤسسات مستدامة.

