د. نهال حمدي
باحثة في وحدة الدراسات الإيرانية
تعدى الصراع السياسي داخل بنية الحكم الإيرانية الخلاف حول أداء حكومة الرئيس مسعود بزشكيان أو خياراتها السياسية والاقتصادية، وبدأت مفرداته نفسها تتجه نحو تعبيرات أكثر حدة، من بينها الحديث عن “الانقلاب” و”الإطاحة بالحكومة”.
وفي أحدث حلقات هذا السجال، أثار السياسي المحافظ، مجتبى زارعي، وهو نائب حالي في البرلمان الإيراني عن دائرة طهران وعضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بالبرلمان، جدلا سياسيا بعدما كتب على منصة التواصل الاجتماعي الإيرانية “إيتا” عن وجود تحرك وصفه بأنه “انقلاب على الحكومة القائمة”، مشيرا إلى نائب وتيار سياسي قريب منه، مستخدما الحرف “ش” في الإشارة إلى التيار المقصود.
كما أرفق زارعي منشوره بنص للنائب حميد رسائي، أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بحركة “شريان”، ووفق الرواية التي نقلتها وسائل إعلام إيرانية، فإن ما وصفه زارعي بالتحرك الانقلابي طُرح خلال جلسة للبرلمان، وقوبل باعتراض من عدد من النواب، بينما تعرض صاحبه للاستهجان بعد معلومات قال زارعي إن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف طرحها بنفسه في خلال تلك الجلسة.
وتكتسب هذه التصريحات أهميتها من كونها تأتي في سياق أوسع من التوتر بين حكومة بزشكيان وبعض التيارات المحافظة والمتشددة داخل البرلمان والمشهد السياسي الإيراني، ذلك أن المواجهة امتدت إلى حدود الحركة السياسية للحكومة، وطبيعة علاقتها بمؤسسات السلطة الأخرى، ومدى التزامها بالتوجهات التي تضعها مراكز القوة داخل النظام.
ومن هنا، فإن السؤال الأساسي لا يتمثل في التسليم بوجود “انقلاب” من عدمه، وإنما في محاولة فهم سبب حضور هذا المصطلح بهذه القوة في الخطاب السياسي الإيراني، وما يكشفه استخدامه عن طبيعة الصراع داخل بنية النظام.
أولا: من معارضة بزشكيان إلى الحديث عن “انقلاب” على حكومته
منذ وصول بزشكيان إلى الرئاسة، ظلت حكومته موضع تجاذب بين تيارات سياسية مختلفة، خصوصا في ظل وجود قوى محافظة ومتشددة لا تتفق مع بعض توجهاته أو مع المسارات التي حاولت حكومته اتباعها، ومع مرور الوقت، أخذت الخلافات تتجاوز الانتقادات البرلمانية المعتادة لتصل إلى التشكيك في قدرة الحكومة على إدارة الملفات الداخلية والخارجية، وإلى تداول روايات بشأن استقالة الرئيس أو وجود محاولات لإضعافه سياسيا.
وفي هذا السياق، يأتي حديث مجتبى زارعي عن “انقلاب على الحكومة القائمة” بوصفه تطورا لافتا في مستوى الخطاب السياسي، لأن زارعي لم يتحدث عن مجرد خلاف بين نائب والحكومة، وإنما استخدم مصطلحا شديد الدلالة وربطه بتحرك قال إن نائبا وتيارا سياسيا قريبا منه سعيا إلى تنفيذه.
كما أشار إلى أن النائب المقصود سبق أن دعا إلى تحركات في الشارع ضد السلطة التشريعية، وأنه طرح خلال فترة الحرب مقترحا اعتبره زارعي مخالفا لتوجيهات القيادة، وتظل تفاصيل هذا التحرك، وفق ما هو متاح علنا، قائمة أساسا على رواية زارعي والتغطيات التي نقلتها، من دون عرض أدلة مستقلة تحسم طبيعة المخطط أو أهدافه.
غير أن استخدام مصطلح “الانقلاب” يحتاج إلى قدر كبير من الحذر التحليلي خاصة إذا كان المحلل متصديا لسبر أغوار إيران من الداخل، فوجود معارضة قوية للحكومة، أو محاولة تغيير سياساتها، أو حتى السعي إلى إسقاطها سياسيا عبر الأدوات الدستورية، لا يعني تلقائيا وجود انقلاب بالمعنى السياسي والقانوني للمصطلح؛ ولذلك، فإن أهمية تصريحات زارعي لا تكمن في إثبات وقوع انقلاب، وإنما في أنها تكشف عن انتقال الصراع بين بعض التيارات المحافظة نفسها إلى مستوى من الاتهامات غير المعتادة، وإدخال مفردات أكثر حدة إلى المنافسة السياسية داخل مؤسسات الحكم.
ثانيا: “شريان” وقاليباف والصراع داخل المعسكر المحافظ نفسه
لفهم دلالة اتهام زارعي، لا يكفي النظر إلى العلاقة بين التيارات المتشددة وحكومة بزشكيان، إذ إن جزءا مهما من المشهد يتعلق بالصراع داخل المعسكر المحافظ ذاته، ويبرز هنا اسم “شبكه راهبردی یاران انقلاب اسلامی”، المعروفة اختصارا باسم جبهة “شريان”، وهي حركة سياسية ارتبطت خلال السنوات الأخيرة بمجموعة من الشخصيات المحافظة والراديكالية، وكان حميد رسائي من أبرز وجوهها.
كما ارتبط اسم هذه الجبهة بصراعات داخل المعسكر المحافظ، ولا سيما مع التيار القريب من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وقد شهدت هذه التوترات في مراحل سابقة استخدام تعبير “الانقلاب البرلماني” في السجالات المتعلقة بإدارة البرلمان ودور رئيسه.
وبذلك، فإن واقعة زارعي تحمل بعدا يتجاوز حكومة بزشكيان نفسها، ذلك أن اتهام تيار سياسي محسوب على المعسكر المحافظ بالسعي إلى تحرك ضد الحكومة، في وقت يصدر فيه هذا الاتهام عن نائب داخل المؤسسة التشريعية، ويشير إلى صدام داخل جلسة برلمانية، يعكس أن خطوط التنافس داخل النظام لا تسير ببساطة بين “حكومة إصلاحية” و”معارضة متشددة”، وإنما توجد داخل التيار المحافظ نفسه صراعات حول النفوذ، وإدارة البرلمان، وطبيعة العلاقة مع الحكومة، وحدود الدور الذي ينبغي أن تؤديه المؤسسات المختلفة في عملية صنع القرار.
ومن اللافت أيضا أن كلمة “انقلاب” نفسها أصبحت جزءا من قاموس الصراع بين هذه الأطراف، فقد استخدمتها شخصيات من التيار الراديكالي في فترات سابقة لوصف ما اعتبرته محاولات لتهميش البرلمان أو تقليص أدواره، بينما يستخدمها زارعي الآن في اتجاه معاكس لوصف تحرك يستهدف حكومة بزشكيان، كما يعكس هذا التحول في استخدام المصطلح، في أحد أبعاده، انتقال المعركة من الخلاف على السياسات إلى معركة حول توصيف الخصم السياسي وموقعه داخل بنية النظام.
ومن هنا، فإن الإشارة التي قدمها زارعي إلى أحد قادة “شريان” تكتسب دلالة تتجاوز الشخص المعني نفسه، فهي تضع حكومة بزشكيان في قلب مروحة من التنافسات المتداخلة، وهي عبارة عن صراع الحكومة في مواجهة قوى محافظة متشددة، وقوى داخل المعسكر المحافظ تتنافس في ما بينها على النفوذ، وتيارات محسوبة على الجناح الأكثر تشددا في مواجهة تيارات أخرى يقود بعضها قاليباف داخل البرلمان، وبذلك، لا تبدو “شريان” مجرد طرف في الخلاف مع بزشكيان، وإنما إحدى الجبهات التي يمكن من خلالها قراءة إعادة تشكيل موازين القوى داخل المعسكر المحافظ الإيراني.
ثالثا: اتساع مساحة الضغط على حكومة بزشكيان
لا يمكن قراءة تصريحات زارعي بمعزل عن تصريحات سابقة لمحمد باقر خرازي، الأمين العام لـ”حزب الله إيران”، تضمنت هجوما حادا على حكومة بزشكيان، إلى جانب طرح روايات وادعاءات بشأن مستقبل الرئيس وعلاقته بمراكز القوة داخل النظام.
وفي أغسطس 2026، أثارت تصريحات لخرازي حول ما وصفه بمحاولات متكررة لاستقالة بزشكيان جدلا واسعا، بعدما قال إن الرئيس استقال أو هدد بالاستقالة مرات عدة، وإن المرشد الثالث للبلاد، آية الله مجتبى خامنئي، حذره من تكرار ذلك، غير أن هذه الرواية قوبلت بالنفي من مؤسسة الرئاسة، كما نفى مكتب مجتبى خامنئي صحة ما نُسب إليه بشأن قبول استقالة الرئيس إذا تكررت.
كما تحدث خرازي في سياق آخر عن حشد أعداد كبيرة من الأشخاص في طهران، وعن تحولات محتملة في بنية السلطة، وهي تصريحات أعادت إلى الواجهة النقاش حول طبيعة القوى التي تضغط على الحكومة وحدود تأثيرها.
وقد تعاملت وسائل إعلام مختلفة مع هذه التصريحات باعتبارها مؤشرا على اتساع مساحة الخلاف داخل دوائر السلطة، بينما ظلت بعض تفاصيلها في إطار الادعاءات التي لم يقدم بشأنها سند علني حاسم.
وهنا تظهر أهمية وضع تصريحات خرازي وزارعي ضمن سياق واحد، دون افتراض وجود تنسيق مباشر بينهما، فالمشترك بين الحالتين هو أن الحكومة أصبحت موضوعا لصراع سياسي يتجاوز انتقاد الأداء إلى التشكيك في استقرار موقعها داخل منظومة الحكم، وفي الوقت نفسه، فإن تعدد الجهات التي تنتقد الحكومة أو تتحدث عن مستقبلها لا يعني بالضرورة وجود مركز واحد يدير هذه التحركات، وإنما قد يكون جزءا من تنافس بين تيارات مختلفة على تعريف حدود السلطة وتحديد المسار السياسي للدولة.
خاتمة
تبدو المسألة الأكثر أهمية في هذه المرحلة أكبر من مجرد الإجابة المباشرة عن سؤال: هل يوجد بالفعل انقلاب على حكومة بزشكيان؟ فالمعطيات المتاحة لا تكفي، بحد ذاتها، لإثبات وجود تحرك انقلابي بالمعنى السياسي أو المؤسسي للكلمة، لكن الأهم تحليليا هو السؤال الذي يسبق ذلك، وهو: لماذا ظهر خطاب “الانقلاب” الآن تحديدا؟ ولماذا انتقل الصراع من مستوى المعارضة السياسية والضغط البرلماني إلى لغة أكثر حدة تتحدث عن محاولة انقلاب؟!
وتكمن دلالة هذا التحول في أنه يكشف عن ارتفاع مستوى الصراع داخل بنية السلطة نفسها، إذ إن المواجهة لم تعد تقتصر على الخلاف حول أداء حكومة بزشكيان أو خياراتها السياسية والاقتصادية، وإنما تتقاطع مع إعادة ترتيب داخل المعسكر المحافظ ذاته، بين قوى وشبكات مختلفة تتنافس على التأثير في البرلمان والحكومة وعلى تحديد اتجاه المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، يصبح حضور “شريان”، وعلاقاتها المتقاطعة مع دوائر مختلفة داخل السلطة، وتنافسها السياسي مع معسكر قاليباف، جزءا من صورة أوسع لإعادة توزيع النفوذ داخل التيار المحافظ، وليس مجرد تفصيل هامشي في الخلاف مع الحكومة.
ملخص:
يحاول هذا التحليل النفاذ العميق إلى طبيعة تصاعد الصراع السياسي داخل بنية النظام الإيراني من الداخل، وانتقاله من مستوى المعارضة والانتقادات الموجهة إلى حكومة مسعود بزشكيان إلى استخدام مفردات أكثر حدة، أبرزها الحديث عن “الانقلاب” على حكومته، ويركز التحليل على تصريحات النائب مجتبي زارعي التي اتهم فيها تيارا سياسيا قريبا من جبهة “شريان” بالسعي إلى تحرك ضد الحكومة، بوصفها مؤشرا على اتساع حدة التنافس داخل المعسكر المحافظ نفسه، ولا سيما بين شبكات وشخصيات مرتبطة بـ”شريان” ودوائر قريبة من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.

