د/محمد أحمد صالح
أيمن عودة هو أحد أبرز قادة فلسطينيي الداخل (عرب 48)، ويمثل نموذجًا سياسيًا مركّبًا يجمع بين الهوية الفلسطينية الوطنية، والعمل السياسي داخل النظام الإسرائيلي، والتوجه اليساري الديمقراطي. ولد في حيفا عام 1975م، وهو محام، دخل الحياة السياسية مبكرًا، وتدرّج من العمل داخل المحليات إلى قيادة حزب “القائمة المشتركة”، ليصبح أحد أهم الوجوه الفلسطينية داخل الكنيست.
مسيرته السياسية
-المرحلة التأسيسية (حتى 2006م): مارس عودة مبكرا نشاطا طلابيا واعيا سياسيا، فتعرض لملاحقات أمنية، كان عضو مجلس بلدي حيفا. يركز عودة على مبادئ العدالة الاجتماعية، والحقوق المدنية للفلسطينيين في الداخل، والتمسك بالهوية الثقافية الفلسطينية.
-مرحلة البناء الحزبي (2006م–2015م): شغل منصب أمين عام “الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة” (החזית הדמוקרטית לשלום ולשוויון – חד״ש هحازيت هدموكراتيت لشالوم أولشفايون – حاداش)، يعمل على تعزيز البنية التنظيمية للحزب. طرح مشروع “شراكة عربية–يهودية”، ويميل في توجهه إلى اليسار الاجتماعي ضد التمييز.
-مرحلة القيادة الوطنية (2015م-2022م): قاد عودة حزب “القائمة المشتركة” (הרשימה המשותפת هرشيما همشوتيفيت) ، الذي ضم مجموعة أحزاب تمثل فلسطيني الداخل، منها “الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة”، و”الحركة العربية للتغيير”، و”التجمع الوطني الديمقراطي”، و”الحركة الإسلامية الجنوبية”، فحقق إنجازا انتخابيا كبيرا، فحصل على 13 مقعدًا، فثبت نفسه ممثلا سياسيا رئيسا للفلسطينيين في إسرائيل وصوتا معارضا للسياسات الحكومية الإسرائيلية.
-المرحلة الراهنة (2023م-الآن): دخل في مواجهة مع اليمين الإسرائيلي المتشدد، الأمر الذي ترتب عليه محاولات عزله من الكنيست، ليتحول إلى رمز وهدف سياسيين في آن واحد. مواقفه المناهضة للاحتلال والعدوان على الشعب الفلسطينيى في غزة وغيرها دفع اليمين الإسرائيلي إلى محاولة عزله وشطبه سياسيًا.
أيديولوجيته السياسية
يمكن تلخيص أيديولوجيا عودة في ثلاث ركائز:
-اليسار الديمقراطي: مستمد من خلفية حزب “الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة” المرتبط بالفكر الشيوعي، والتركيز على العدالة الاجتماعية، والمساواة، وحقوق الأقليات.
-الوطنية الفلسطينية: يؤكد عودة على انتمائه للشعب الفلسطيني، ودعم إقامة دولة فلسطينية، ورفض الاحتلال.
-الشراكة العربية–اليهودية: فكرة مركزية في مشروعه، تقوم على تحالف مع “اليهود الديمقراطيين”، وبناء جبهة ضد اليمين القومي.
أسس حزبه ومبادئه السياسية
يقوم حزب “الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة”، الذي ينتمي إليه ويرأسه، على عدد من المبادئ والخصائص:
-المبادئ الأساسية: المساواة الكاملة بين المواطنين، وإنهاء الاحتلال، وحل الدولتين، والعدالة الاقتصادية، ورفض العنصرية.
-الخصائص: حزب فلسطيني–يهودي مشترك، وعلماني، ويساري.
عودة والدولة الإسرائيلية
موقفه عودة من إسرائيل معقّد وليس عدميًا، فهو لا يرفض الدولة الإسرائيلية بالكامل؛ لأنه يعمل من داخل مؤسساتها، وتحديدا الكنيست، لكنه يرفض تعريفها كدولة يهودية حصرية، فيطالب بدولة لجميع مواطنيها والمساواة الكاملة. يتبنى عودة موقفا نقديا حادا من الدولة الإسرائيلية فيتهمها بتغذية العنف والإبادة في غزة.
عودة والفلسطينيين في الضفة، وغزة، والشتات
-الضفة وغزة: يدعم عودة إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية. من هنا عارض العدوان الإسرائيلي على غزة بشدة.
-غزة تحديدًا: وصف عودة العدوان على غزة بأنه كارثي، ودعا إلى وقفه، ورفض تجريم سكانها.
-الشتات: يتبنى عودة خطابًا وحدويًا، يقوم على أن الشعب الفلسطيني واحد وحقوقه غير قابلة للتجزئة.
عودة والدول العربية والدول الكبرى
-الدول العربية: يدعم عودة تكامل موقف الدول العربية مع القضية الفلسطينية، ولا يتبنى خطابًا عدائيًا منها.
-الدول الكبرى (خصوصًا أمريكا): ينتقد سياساتها الرسمية، لكنه لا يقاطعها ويسعى للتأثير من داخلها. فعلى سبيل المثال تواصل مع سياسيين أمريكيين مثل بيرني ساندرز، كما يسعى للتأثير على الرأي العام الدولي.
مرونته الدينية
يُقدّم عوده على أنه علماني سياسي، ومسلم الهوية، ويؤكد على تجاوز الانقسامات الدينية وبناء هوية مدنية مشتركة. من هنا يوصف عودة بـأنه “علماني الهوية، مدني الخطاب”.
عودة والأحزاب الإسرائيلية
-أحزاب اليمين (مثل الليكود): يعارضه عودة معارضة شديدة، فيرى أنه عنصري واستيطاني.
-أحزاب الوسط: علاقته بها متوترة، ويتهمها أحيانًا بالتواطؤ.
-أحزاب اليسار اليهودي: يرى فيها شريكا استراتيجيا ومحور مشروعه السياسي، وإن انتقد المعارضة الإسرائيلية لدعمها محاولة عزله.
عودة والأحزاب الفلسطينية
يدعو عودة للوحدة بين الأحزاب الفلسطينية في الداخل، لكنه يعمل ضمن سياق فلسطينيي الداخل، فيدعم التنسيق السياسي وعدم الانقسام.
فرص نجاحه انتخابيًا
-منفردًا: فرص نجاحه محدودة بسبب تشتت الصوت الانتخابي الفلسطيني في الداخل وضعف المشاركة الانتخابية.
-ضمن تحالف (القائمة المشتركة): الفرص قوية وأثبتت نجاحها سابقًا.
-التحديات: الانقسام الداخلي، وضغط الدولة، وحملات نزع الشرعية.
عودة والهوية: (عربي أم فلسطيني أم إسرائيلي؟)
تكشف ممارسات عودة وسلوكه السياسي عن أنه فلسطيني الهوية، وعربي الانتماء، وإسرائيلي المواطنة، لكنه سياسيًا يقدّم نفسه أساسًا كفلسطيني داخل إسرائيل.
عودة ومشروعه السياسي
يمكن فهم مشروع أيمن عودة وفق المحاور التالية:
-مشروع “اختراق النظام من الداخل”: عبر العمل داخل الكنيست واستخدام الأدوات الديمقراطية.
-مشروع “تحالف الأقليات”: من فلسطينيي الداخل واليسار اليهودي.
-مشروع “نزع شرعية اليمين”: عبر تبني خطاب حقوقي وأخلاقي.
-مشروع “تدويل القضية”: عبر مخاطبة الغرب.
نقاط قوة عودة ونقاط ضعفه
-نقاط القوة: يتبني خطابا عقلانيا، ويتمتع بقبول دولي، وله قدرة على التحالف.
نقاط الضعف: محدودية تأثير حزبه داخل النظام السياسي الإسرائيلي، ورفض واسع له ولحزبه وتوجهاتهما من اليمين الإسرائيلي، وانقسام فلسطيني الداخل.
ختاما
أيمن عودة ليس مجرد سياسي تقليدي، بل يمثل نموذج “السياسي الفلسطيني داخل الدولة الإسرائيلية”، الذي يحاول تحقيق التوازن بين الهوية الوطنية والعمل البرلماني، وبين الخطاب الراديكالي أخلاقيًا والبراجماتية سياسيًا. وتعكس الإتهامات الموجهة له والصدامات معه ومحاولات إقصائه حجم التوتر بين هذا النموذج وبين بنية الدولة الإسرائيلية الحالية، ويؤكد أن مشروعه ليس فقط انتخابيًا، بل صراعًا على تعريف الدولة والهوية والشرعية السياسية.

Ayman Odeh, leader of the Hadash and Joint List parties, speaks during an interview in New York, U.S., on Wednesday, Dec. 9, 2015. Odeh, who has helped turn Israel's marginalized Arab politicians into the third-biggest force in parliament, is preparing for his next campaign by visiting the U.S. this week and going to the church where Martin Luther King Jr. once preached. Photographer: Chris Goodney/Bloomberg via Getty Images
اترك تعليقاً
