د/محمد أحمد صالح
يشكّل التحالف بين نفتالي بينيت ويائير لابيد، تحت مسمى “معا” (بياحاد)، محاولة مركّبة لإعادة تشكيل معسكر “مابعد بنيامين نتنياهو” داخل النظام السياسي الإسرائيلي، في لحظة تتسم بانسداد سياسي، واستقطاب حاد، وتآكل الثقة بالمؤسسات. لا يُفهم هذا التحالف على أنه ترتيب انتخابي فقط، بل كمشروع لإعادة تعريف الوسط-اليمين البراجماتي، ومحاولة إنتاج قيادة بديلة قادرة على إدارة الدولة دون تفكيك بنيتها الأيديولوجية الأساسية. من هنا ينظر إلى هذا التحالف على أنه أقرب إلى “إعادة توزيع داخل المعسكر” منه إلى تحول جذري في الرؤية السياسية .وهذا يؤكد أن التحالف “مشروع إدارة أزمة النظام السياسي الإسرائيلي، لا مشروع تغييره”.
الطبيعة البنيوية للتحالف
-تحالف براجماتي لا أيديولوجي: التحالف يجمع بين يمين قومي براجماتي، ممثلا في نفتالي بينيت، ووسط ليبرالي مؤسسي، ممثلا في يائير لابيد، وهذا يعني أن هذا التحالف ليس تحالفا أيديولوجيا متماسكا بل “ائتلاف إدارة دولة”.
-هدفه الرئيسي: إسقاط نتنياهو، وإعادة ضبط النظام السياسي، واستعادة التوازن بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية. لكن المشكلة الجوهرية تكمن في غياب مشروع بديل واضح “لما بعد نتنياهو”.
القيادة ومعضلة الشرعية
-بينيت القائد التنفيذي: يمتلك خبرة حكومية، وخلفية أمنية، وقدرة على المناورة، لكنه يواجه ضعف القاعدة الشعبية المستقلة وأزمة ثقة بسبب تجربته كرئيس حكومة هشة عام 2021م.
-لابيد القائد السياسي–الإعلامي: يمتلك قاعدة وسطية مستقرة وخطاب مدني، لكنه يواجه تراجعا نسبيا في الشعبية واضطرارا للتنازل عن القيادة.
هذا يعني أن التحالف بين هاتين الشخصيتين يعكس “قيادة مزدوجة غير متوازنة”.
البعد الانتخابي وفرص الفوز
-قراءة الأرقام: وفق المعطيات واستطلاعات الرأي التي أجريت مؤخرا من المتوقع أن يحصل التحالف الجديد على عدد أكبرمن المقاعد مقارنة بمقاعد الليكود، وهذا يعني عدم الحسم الانتخابي.
-معضلة الكتل: المشكلة ليست الحزب الأكبر، بل الوصول إلى أغلبية بالحصول على 61 مقعدًا لتشكيل الحكومة.
سيناريوهات نتائج الانتخابات:
-سيناريو الفوز (ضعيف – متوسط): بانضمام جادي آيزنكوت، ودعم فلسطيني الداخل بشكل مباشر أو غير مباشر، وتفكك داخل معسكر نتنياهو.
–سيناريو الجمود (الأرجح): إعادة توزيع الأصوات فقط، وبقاء نتنياهو لاعبًا مركزيًا.
-سيناريو الفشل: فشل في جذب أصوات من اليمين وتفكك داخلي.
العلاقة مع الأحزاب الفلسطينية في الداخل الإسرائيلي
-تناقض استراتيجي: التحالف يحتاج دعم فلسطيني الداخل انتخابيًا، لكنه يرفض الشراكة السياسية الكاملة معهم، خاصة وأنه ينظر لفلسطيني الداخل ككتلة تصويت لا شريك سياسي.
-السيناريو الواقعي: دعم من الفلسطيني الإخواني منصور عباس رئيس القائمة العربية الموحدة (רשימה ערבית מאוחדת–רע״ם) ممثلا للحركة الإسلامية – الجناح الجنوبي، وانقسام داخل الأحزاب العربية
-المخاطر: انخفاض تصويت فلسطيني الداخل، وفقدان الشرعية الأخلاقية، وتعزيز خطاب نتنياهو التحريضي ضدهم.
الموقف من مصر والدول العربية
-مصر: العلاقة مع مصر ستبقى أمنية بالدرجة الأولى، مرتبطة بغزة، والتهدئة، والوساطة. ويكمن الفرق بينه وبين نتنياهو في تبني خطاب أقل تصادمية وتنسيق أكثر هدوءًا، لكن لا تغيير جذري في السياسة.
-الدول العربية:
– الدول المطبعة: استمرار اتفاقيات أبراهام وتوسيع التعاون الاقتصادي.
–الدول غير المطبعة: خطاب مرن دون تنازلات سياسية حقيقية، وهذا يعكس استراتيجية إدارة الصراع إقليميًا لا حله.
الموقف من القوى الكبرى
-الولايات المتحدة: عودة إلى التنسيق التقليدي وتقليل التوتر مع الديمقراطيين.
-أوروبا: تحسين الصورة الدولية، وخطاب حقوقي أكثر توازنًا، شكليًا على الأقل.
-روسيا والصين: براجماتية دون انحياز حاد.
نقد نتنياهو وسياساته
-نقاط القوة لدى نتنياهو: قاعدة يمينية صلبة، وصورة “القائد الأمني”، وتفوق في استطلاعات الرأي.
-نقاط الضعف: فشل أمني (7 أكتوبر 2023م)، واستقطاب داخلي حاد، وصدام مع القضاء.
-استراتيجية نتنياهو ضد التحالف: يعمل نتنياهو على تصوير التحالف كـ”يساري”، والتحريض على الفلسطينيين، والتشكيك في استقرار التحالف واستمراره. وقد بدأ فعلاً باستخدام هذا الخطاب.
نقد التحالف
-غياب الرؤية: لا يوجد مشروع سياسي واضح، مايجمعه فقط أنه “ضد نتنياهو”.
-التناقض الأيديولوجي: يمين بينيت مع وسط لابيد.
-أزمة الثقة: تجربة عام 2021م ما زالت حاضرة، حينما تشكّلت حكومة غير تقليدية جمعت أطرافًا متباعدة أيديولوجيًا
-الاعتماد على أطراف خارجية: فلسطينيو الداخل وجادي آيزنكوت.
التأثير على الأحزاب اليمينية
– الليكود: المستهدف الأول، لكنه ما زال متماسكًا.
-اليمين الديني: سيستخدم التحالف للتحريض وتعزيز الهوية الأيديولوجية.
-اليمين المعتدل: قد يتجه نحو بينيت، لتكون المعركة الحقيقية داخل اليمين وليس بين اليمين واليسار
السيناريوهات المستقبلية
-السيناريو الأول نجاح محدود: التحالف قد يفرز أكبر حزب، لكن دون أغلبية، لتتشكل حكومة هشة.
-السيناريو الثاني اختراق حقيقي: انضمام جادي آيزنكوت، ودعم فلسطيني الداخل بهدف إسقاط نتنياهو.
-السيناريو الثالث فشل التحالف: بقاء نتنياهو وتفكك المعسكر.
هكذا يبدو واضحا جليا أن تحالف بينيت–لابيد ليس ثورة سياسية، بل محاولة تنظيم معسكر متعب، نجاحه مشروط بتوسيع القاعدة خارج معسكره، وحل معضلة فلسطيني الداخل، وتقديم مشروع واضح. أما الفشل فسيعيد إنتاج هيمنة نتنياهو بشكل أقوى.

